|
|
هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 16:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هرمز: الممر الذي كاد أن يشعل العالم – قراءة استراتيجية في تفاصيل أزمة الإغلاق الأخيرة وتداعياتها
في الأول من مارس 2026م ، لم يكن العالم يدرك أنه على أعتاب واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. فبينما كانت أسواق النفط تتعامل بوصلة هادئة، انطلقت صواريخ إيرانية من طراز "نصر" و"قدير" من قواعد ساحلية تابعة للحرس الثوري، لتستهدف ناقلة النفط "سكاي لايت" قبالة سواحل عُمان. لم تكن مجرد حادثة قرصنة بحرية عابرة، بل كانت إعلان حرب غير مباشر على نظام الملاحة العالمي بأكمله. الناقلة، التي كانت تحمل مليوني برميل من النفط الخام السعودي متجهة إلى أوروبا، تحولت في دقائق إلى كتلة من الحديد المحترق، ثم غرقت في مياه الخليج، تاركة وصمة سوداء في التاريخ الحديث للمنطقة.
ما تبع هذه الحادثة كان أشبه بكابوس تحقق على أرض الواقع حيث أعلنت إيران، بشكل غير رسمي، "إغلاقًا شبه كامل" لمضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 33 كيلومترًا لكنه يمر من خلاله حوالي 20% من النفط العالمي وربع صادرات الغاز المسال. في غضون أيام، تضاعفت أسعار النفط ثلاثة أضعاف، وارتفعت تكاليف التأمين على الناقلات بنسبة 500%، وأصبحت بورصات العالم ترتعش على وقع كل تصريح يصدر من طهران أو واشنطن. هذا المقال يهدف إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة ومفصلة لأزمة مضيق هرمز الأخيرة، متجاوزًا العناوين العاجلة إلى الأعماق الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. سنتناول الجذور التاريخية للصراع حول المضيق، ثم نقدم تفاصيل دقيقة للأزمة كما وقعت، ونحلل الاستراتيجية الإيرانية التي وصفت بأنها "عقلية التاجر والمقاتل"، ونرصد ردود الفعل الدولية والداخلية، ونناقش السيناريوهات المستقبلية المحتملة، ونختم بتأملات في مستقبل هذا الممر الحيوي الذي يمتلك القدرة على شل العالم أو إنقاذ.
- أولًا : مضيق هرمز – جغرافيا الخطر و جيوبوليتيكا الصراع
1. الموقع والأهمية الاستراتيجية : مضيق هرمز ليس مجرد شريط مائي يربط الخليج العربي بخليج عُمان ومنه إلى بحر العرب والمحيط الهندي. إنه شريان الحياة للاقتصاد العالمي القائم على الهيدروكربونات. يبلغ طوله حوالي 167 كيلومترًا، ويتراوح عرضه بين 39 كيلومترًا في أوسع نقطة و33 كيلومترًا في أضيق نقطة. لكن الممر الصالح للملاحة لا يتجاوز في بعض المناطق 3 كيلومترات فقط، مقسم إلى ممرين - ممر للدخول وآخر للخروج - ، يفصل بينهما شريط عازل من المياه الضحلة. تمر عبر هذا المضيق يوميًا ، في الظروف الطبيعية، نحو 135 سفينة، بينها 19 ناقلة نفط عملاقة. إجمالي النفط المنقول يوميًا يبلغ حوالي 20.5 مليون برميل، أي ما يعادل 21% من الاستهلاك العالمي. كما يمر عبره حوالي ثلث الغاز المسال العالمي، معظمه من قطر والإمارات. هذا يعني أن أي اضطراب في المضيق، ولو لساعات، يتردد صداه في أسواق الطاقة العالمية بأسرها. الدول الثماني المطلة على الخليج العربي – إيران، العراق، الكويت، السعودية، البحرين، قطر، الإمارات، وسلطنة عُمان – تعتمد جميعها على هذا المضيق لتصدير نفطها وغازها. لكن إيران تتمتع بموقع فريد فهي تسيطر على الضفة الشمالية للمضيق بالكامل، وتطل جزيرة قشم " أكبر جزر الخليج" وجزيرة هرمز وجزيرة لارك على الممرات الملاحية نفسها. وهذا الموقع الجغرافي يمنح إيران قدرة فريدة على مراقبة المضيق وتعطيله بأقل التكاليف. 2. تاريخ من التوتر والمواجهات : لم تكن أزمة 2026م هي المرة الأولى التي يتحول فيها مضيق هرمز إلى ساحة صراع. منذ الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م ، والمضيق يشكل ورقة ضغط رئيسية في يد طهران. في ذروة الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988م)، شهد المضيق "حرب الناقلات" حيث استهدفت كل من إيران والعراق السفن التجارية المتجهة إلى موانئ الطرف الآخر. تلك الفترة كادت أن تشعل حربًا أمريكية-إيرانية مبكرة، بعد أن ضربت الفرقاطة الأمريكية "ستارك" بصاروخ عراقي (عن طريق الخطأ)، وأسقطت البحرية الأمريكية طائرة ركاب إيرانية (الرحلة 655) في يوليو 1988م . في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومع تصاعد التوتر حول البرنامج النووي الإيراني، عادت التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق. في 2011م و2012م، أجرى الحرس الثوري مناورات عسكرية ضخمة اختبرت خلالها قدرته على تعطيل الملاحة باستخدام الألغام والزوارق السريعة والصواريخ الساحلية. وفي 2019م، شهد المضيق سلسلة من الهجمات على ناقلات نفط قبالة سواحل الإمارات وعُمان، نسبت إلى إيران، إلى جانب احتجاز إيران لناقلة "ستينا إمبيرو" البريطانية ردًا على احتجاز جبل طارق لناقلة إيرانية. لكن أزمة 2026م تختلف جذريًا عن كل ما سبق. لأول مرة، لم تكتف إيران بالتهديد أو الهجمات المحدودة، بل شرعت فعليًا في إغلاق المضيق بشكل منهجي وشامل، مع وضع إطار قانوني واقتصادي يهدف إلى تقنين هذا الإجراء وتحويله إلى وضع دائم. هذا التصعيد النوعي يعكس تحولًا في العقيدة الإيرانية من استراتيجية "الردع" إلى استراتيجية "الابتزاز المنظم".
- ثانيًا : تفاصيل الأزمة – من الحادثة إلى الإغلاق الكامل
1. حادثة "سكاي لايت" - الشرارة التي أشعلت المنطقة : في صباح 1 مارس 2026م ، كانت ناقلة النفط "سكاي لايت"، التي ترفع علم ليبيريا وتديرها شركة يونانية، تبحر في مياه الخليج متجهة إلى قناة السويس. فجأة، وبلا سابق إنذار، انفجرت أجهزة الاستشعار على متنها لترصد صاروخين بحريين مضادين للسفن من طراز "نصر" (مدى 35 كم) و"قدير" (مدى 300 كم) قادمين من الساحل الإيراني. أصاب الصاروخ الأول غرفة المحركات، والثاني خزانات النفط، مما أدى إلى انفجار هائل واشتعال النيران التي التهمت السفينة بالكامل خلال ساعتين. غرقت الناقلة وعلى متنها 28 بحارًا ، نجا 12 منهم بينما فُقد 16 آخرون (تم العثور على 9 جثث لاحقًا ). إيران، عبر بيان صادر عن الحرس الثوري، اعترفت بالهجوم، لكنها بررته بأن الناقلة كانت "تخترق المياه الإقليمية الإيرانية" وتنقل نفطًا " مسروقًا " من حقول الخليج الفارسي (التسمية الإيرانية للخليج العربي). كما اتهمت طهران الناقلة بأنها كانت جزءًا من "مخطط أمريكي-صهيوني" لاستنزاف الموارد الإيرانية. الولايات المتحدة، بدورها، وصفت الهجوم بأنه "عمل إرهابي بحري" وأعلنت أنها سترد "بالوقت والمكان المناسبين". بعد هذه الحادثة مباشرة، بدأت إيران سلسلة من الإجراءات التصعيدية حيث نشر زوارق سريعة مسلحة بصواريخ في جميع أنحاء المضيق، زرع ألغام بحرية في الممرات الملاحية (تم رصد 24 لغمًا بحريًا في الأيام التالية)، فرض حظر على عبور أي سفينة "إسرائيلية أو أمريكية أو بريطانية أو سعودية أو إماراتية"، وإعلان منطقة حظر طيران فوق المضيق لمنع الطائرات الاستطلاعية الأمريكية.
2. أزمة التكدس - 426 ناقلة في انتظار المستحيل : النتيجة المباشرة لهذه الإجراءات كانت كارثية. فخلال الأيام العشرة الأولى من مارس 2026م ، تراكمت أمام مدخل المضيق (من جهة خليج عُمان) مئات السفن. أظهرت صور الأقمار الاصطناعية وبيانات نظام التعريف الآلي (AIS) وجود 426 ناقلة نفط و34 ناقلة غاز طافية في البحر، بعضها كان ينتظر لأكثر من أسبوعين. معدل العبور اليومي هبط من 135 سفينة إلى 9 سفن فقط، معظمها كانت سفنًا إيرانية أو روسية أو صينية حصلت على "تصاريح خاصة" من طهران. شركات التأمين البحري، التي وجدت نفسها أمام سيناريو لم يسبق له مثيل منذ حرب الخليج الأولى، رفعت أقساط التأمين على السفن الراسية في المنطقة بنسبة 500%، ورفضت بعض الشركات تأمين أي سفينة تدخل الخليج تمامًا . هذا أدى إلى انسحاب العديد من شركات الشحن الكبرى مثل "ميرسك" و"سي إم إيه سي جي إم" من المنطقة، وتحويل سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح (حول أفريقيا) مما يضيف 15 يومًا إضافيًا إلى زمن الرحلة ويزيد التكاليف بنسبة 30%. أسعار النفط، التي كانت تتداول عند 75 دولارًا للبرميل قبيل الأزمة، قفزت إلى 220 دولارًا في 10 مارس، وهو أعلى مستوى منذ أزمة النفط عام 1973م. أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا وأوروبا تضاعفت أربع مرات. بورصات الأسهم العالمية هوت ، داو جونز خسر 12%، نيكي 225 خسر 15%، وداكس الألماني خسر 18% في أسبوع واحد فقط. 3. الإنذار الأمريكي والهدنة الباكستانية : في مواجهة هذه الكارثة الاقتصادية، تحرك البيت الأبيض بسرعة. في 12 مارس 2026م، وجّه الرئيس دونالد ترامب إنذارًا نهائيًا لإيران عبر قناة سويسرية ، أمام طهران 72 ساعة لفتح المضيق وإزالة الألغام ووقف استهداف السفن، وإلا فإن "القوات الأمريكية ستدمر كل القدرات البحرية الإيرانية في الخليج، بما في ذلك قواعد الحرس الثوري في قشم وبندر عباس وهرمز". وصف ترامب إيران بأنها "دولة مارقة" وهدد بـ"عواقب لم تشهدها من قبل". لكن إيران لم ترتعش. بدلًا من ذلك، أعلنت في 14 مارس أنها "لن تفتح المضيق إلا بعد تعويض كامل عن الأضرار التاريخية التي لحقت بها"، وقدمت مبادرة من 10 نقاط تضمنت فرض نظام جديد للرسوم على عبور السفن (يصل إلى 5 دولارات للبرميل الواحد)، إعطاء أولوية للدول "الصديقة" (روسيا، الصين، باكستان، العراق ، دول آسيا الوسطى)، واستثناء الدول "المحايدة" (اليابان، كوريا الجنوبية، الهند، تركيا) من الحظر الجزئي. مع اقتراب المهلة الأمريكية، تدخلت باكستان كوسيط. الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، الذي تربطه علاقات جيدة بطهران وإسلام أباد وواشنطن، استضاف محادثات سرية في عاصمته. بعد 5 أيام من المفاوضات الصعبة، تم الإعلان في 19 مارس عن "هدنة لمدة أسبوعين"، تقضي بفتح المضيق تدريجيًا أمام السفن التجارية (باستثناء السفن الإسرائيلية والأمريكية الحربية)، وتشكيل لجنة مشتركة إيرانية-باكستانية-عمانية لمراقبة الملاحة، وتجميد أي عمل عسكري أمريكي خلال فترة الهدنة. لكن الهدنة ظلت هشة. فحركة الملاحة لم تعد إلى طبيعتها؛ ففي الأسبوع الأول من الهدنة، عبرت 45 سفينة فقط، أي حوالي ثلث المعدل الطبيعي. كما أن إيران لم تزِل الألغام بالكامل، وأبقت على زوارقها السريعة في حالة استنفار. الولايات المتحدة، من جهتها، أبقت حاملة طائراتها "يو إس إس أيزنهاور" وحاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول" في خليج عُمان، جاهزتين للتدخل في أي لحظة.
- ثالثًا : الاستراتيجية الإيرانية – "عقلية التاجر والمقاتل"
1. مفهوم الاستراتيجية الهجينة : ما يميز إيران في أزمة 2026م عن كل أزماتها السابقة هو الانتقال من التهديد العسكري الخام إلى نموذج هجين يجمع بين القوة الصلبة والناعمة. هذا النموذج، الذي وصفه بعض المحللين الغربيين بأنه "عقلية التاجر والمقاتل"، يعني أن إيران لم تعد تتعامل مع المضيق كورقة ضغط عابرة، بل كمشروع اقتصادي-استراتيجي طويل الأمد حيث : العنصر الأول : الابتزاز المنظم . إيران لم تغلق المضيق بشكل عشوائي، بل أدارته وفق جدول مدروس. السفن التي تحمل بضائع إلى دول "صديقة" أو "محايدة" سُمح لها بالمرور بعد دفع رسوم مضاعفة. السفن المتجهة إلى دول "معادية" (أمريكا، بريطانيا، السعودية، الإمارات) مُنعت تمامًا . السفن المتجهة إلى دول "مترددة" (دول أوروبية) أُخضعت لتفتيش دقيق وتأخير متعمد. هذا النظام جعل إيران تتحكم في تدفق النفط العالمي، ليس بقنابلها فقط، بل بقوائمها ورسومها. العنصر الثاني : التنازلات الانتقائية . أحد أسباب نجاح إيران في تفكيك الإجماع الدولي ضدها هو منحها "تنازلات" ذكية. فعلى سبيل المثال، سُمح لليابان (التي تستورد 90% من نفطها من الخليج) بمرور سفنها مقابل وعد باستثمارات يابانية في قطاع الطاقة الإيراني. كما سُمح للهند (التي تواجه أزمة طاقة خانقة) بمرور سفنها مقابل إطلاق سراح 17 بحارًا هنديًا كانوا محتجزين في إيران. هذه التنازلات جعلت دولًا كانت قد تنضم إلى تحالف أمريكي ضد إيران تفضل البقاء على الحياد. العنصر الثالث : مشروع قانون تقنين الأمر الواقع . ربما أخطر تطور في الأزمة كان الإعلان في 10 أبريل 2026م عن مشروع قانون إيراني لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز. وبحسب المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني ، إبراهيم رضائي ، فإن مشروع القانون يقسم تاريخ المضيق إلى "ما قبل الحرب وما بعدها"، ويضع قواعد جديدة : أولًا ، إيران "تضمن أمن المضيق" مقابل رسوم عبور تحددها. ثانيًا ، الدول التي "تتعاون مع إيران" تحصل على تسهيلات وتخفيضات. ثالثًا ، الدول "المعادية" تحظر من الملاحة نهائيًا أو تخضع لرسوم باهظة . رابعًا ، أي دولة تشارك في "عقوبات ضد إيران" تعتبر "معادية" تلقائيًا . مشروع القانون هذا، إذا أُقر، سيحول مضيق هرمز من ممر مائي دولي (تخضع قواعد الملاحة فيه لقانون البحار الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS) إلى "مضيق إيراني داخلي" تُطبَّق عليه قواعد طهران. وهذا يمثل تحديًا صارخًا للنظام القانوني الدولي، وقد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية كبرى. 2. الحسابات العسكرية والهندسية : من الناحية العسكرية، أظهرت إيران قدرة استثنائية على استغلال الجغرافيا لصالحها. فالزوارق السريعة من نوع "ذو الفقار" و"سريع" التي يصل عددها إلى أكثر من 500 زورق، قادرة على المناورة في المياه الضحلة وإطلاق صواريخ من طراز "نصر" و"كوثر". كما أن صواريخ "خليج فارس" و"هورمز" المضادة للسفن، المتمركزة على الساحل الإيراني وفي جزر قشم وهرمز ولارك، تغطي كامل عرض المضيق. هذه الصواريخ، التي تتراوح مداها بين 100 و300 كم، قادرة على إصابة أي هدف في المضيق في أقل من 30 ثانية. لكن الأهم من الصواريخ هو استخدام الألغام البحرية. إيران تمتلك ترسانة كبيرة من الألغام من أنواع مختلفة، بعضها يتم زرعه بالغواصات والبعض الآخر بالقوارب السريعة. في أزمة 2026م، زرعت إيران 24 لغمًا بحريًا في ممرات الملاحة الرئيسية، مما جعل تطهير المضيق عملية تستغرق أسابيع إن لم تكن أشهر، وتتطلب فرقًا متخصصة من الغواصين وزوارق كاسحة ألغام. هذه الألغام ليست مجرد أسلحة عسكرية، بل هي "سلاح زمني" يشتت الجهود ويطيل الأزمة. 3. البعد الإعلامي والنفسي : لا يمكن فهم الاستراتيجية الإيرانية دون النظر إلى بُعدها الإعلامي. فقد أطلقت طهران حملة إعلامية منظمة بعنوان "هرمز لنا"، تهدف إلى تبرير أفعالها داخليًا وخارجيًا ، في الداخل، صورت الحملة الأزمة على أنها "دفاع مشروع عن السيادة الوطنية" و"رد على عقود من النهب الغربي لثروات الخليج". وأظهرت لقطات مصورة للصواريخ والزوارق وكأنها "رادع قوي" يحمي إيران من الأعداء. في الخارج، استهدفت الحملة الرأي العام في الدول المستوردة للنفط، محاولة إقناعه بأن إيران "شريك موثوق" في أمن الطاقة، وأن "المشكلة ليست في إغلاق المضيق، بل في العقوبات الأمريكية التي تمنع إيران من تصدير نفطها". كما استخدمت إيران وسائل التواصل الاجتماعي (خاصة تيليغرام وتويتر) لنشر قصص عن "سفن محتجزة" و"بحارة يعانون"، مما أثار تعاطفًا دوليًا مع إيران كـ"ضحية" وليس كـ"معتدي".
- رابعًا : ردود الفعل الدولية – عالم منقسم أمام أزمة شاملة
1. الولايات المتحدة : واجهت إدارة ترامب معضلة حقيقية ، كيف ترد على إيران دون أن تشعل حربًا إقليمية قد تكون كارثية ؟ من جهة، كانت الضغوط الداخلية (شركات النفط، المستهلكون، الجمهوريون المتشددون) تطالب برد قوي يعيد الردع الأمريكي. ومن جهة أخرى، كان البنتاغون يحذر من أن أي عمل عسكري واسع ضد إيران سيستنزف القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وقد يؤدي إلى إغلاق دائم للمضيق وانهيار اقتصادي عالمي. الخيارات المطروحة على الطاولة الأمريكية كانت متعددة : - الخيار الأول : كان ضربة جوية محدودة ضد قواعد الحرس الثوري في قشم وبندر عباس. هذا الخيار كان الأقل تكلفة عسكريًا ، لكنه كان الأكثر خطورة من حيث التصعيد إذ ان إيران قد ترد باستهداف القواعد الأمريكية في قطر والبحرين والإمارات، أو قد تطلق صواريخ على إسرائيل. - الخيار الثاني : كان تشكيل تحالف بحري دولي لحماية الملاحة (على غرار عملية "الحارس" في 2019م). هذا الخيار كان الأكثر أمانًا ، لكنه يتطلب وقتًا طويلًا لتنفيذه، وكانت دول كثيرة (مثل فرنسا وألمانيا) تتردد في الانضمام. - الخيار الثالث : كان الاعتماد على الدبلوماسية والوساطة (الباكستانية والعمانية). وهذا ما حدث في النهاية، لكن مع استمرار القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة في حالة تأهب قصوى.
2. أوروبا : الدول الأوروبية وجدت نفسها في موقف بالغ الصعوبة. فهي، من ناحية، تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج (خاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا)، وكانت أسعار الطاقة المرتفعة تهدد بإغراق اقتصادها في ركود عميق. ومن ناحية أخرى، كانت أوروبا تريد الحفاظ على الاتفاق النووي (JCPOA) الذي انسحبت منه أمريكا عام 2018م ، ولم تكن تريد الانضمام إلى أي تحالف عسكري أمريكي ضد إيران قد يدمر فرص إحياء الاتفاق. الموقف الأوروبي الرسمي كان "الإدانة مع الدعوة للحوار". أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا في 5 مارس أدان فيه "بشدة" الهجمات على ناقلات النفط، ووصف إغلاق المضيق بأنه "انتهاك خطير للقانون الدولي". لكن البيان لم يهدد بأي إجراءات عملية، واكتفى بدعوة "جميع الأطراف إلى ضبط النفس". في الخفاء، كانت برلين وباريس تضغطان على واشنطن لقبول الوساطة الباكستانية، وتجريان اتصالات مباشرة مع طهران لضمان استمرار تدفق النفط إلى أوروبا (ولو بكميات مخفضة ورسوم أعلى). 3. دول الخليج : بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، عُمان)، كانت أزمة هرمز تهديدًا وجوديًا . فهذه الدول تصدر 100% من نفطها عبر المضيق، وأي إغلاق طويل الأمد يعني توقف اقتصادها بالكامل. السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، اضطرت إلى إعلان حالة الطوارئ، وخفضت صادراتها النفطية بنسبة 80% خلال الأزمة، مما أدى إلى خسائر تقدر بنحو 5 مليارات دولار يوميًا . أما الرد الخليجي كان على مستويين : - المستوى الأول : الدبلوماسي ، قادت السعودية والإمارات حملة دبلوماسية مكثفة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مطالبة بـ"تحرك دولي عاجل" لضمان أمن الملاحة. كما استضافت الرياض اجتماعًا طارئًا لوزراء خارجية دول الخليج ومصر والأردن، اتخذت خلاله قرارًا بتشكيل "قوة بحرية خليجية مشتركة" لحماية السفن التجارية. - المستوى الثاني : الاستراتيجي ، بدأت دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، دراسة جادة لبدائل مضيق هرمز، مثل مد خط أنابيب النفط السعودي-العماني (الذي كان مقترحًا منذ سنوات) ليصدر النفط من ميناء الدقم العماني على المحيط الهندي مباشرة؛ توسيع خط أنابيب "الشرق-الغرب" السعودي الذي يصل من بقيق إلى ينبع على البحر الأحمر؛ تشغيل خط أنابيب "حبشان-الفجيرة" الإماراتي الذي يسمح بتصدير النفط من موانئ الفجيرة على خليج عُمان (خارج المضيق). 4. الصين وروسيا : بينما كان الغرب في حالة ذعر، كانت الصين وروسيا تتابعان الأزمة بارتياح واضح. فالصين، التي تستورد 80% من نفطها عبر مضيق هرمز، كانت من أكبر المتضررين نظريًا. لكن عمليًا ، نجحت بكين في تأمين تدفق النفط من إيران وروسيا وفنزويلا عبر اتفاقيات ثنائية، مما جعلها أقل اعتمادًا على مضيق هرمز من الغرب. علاوة على ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط كان مفيدًا للصين كدولة مصدرة للمنتجات البتروكيماوية والسلع المصنعة. أما روسيا، فكانت المستفيد الأكبر. فارتفاع أسعار النفط إلى 220 دولارًا للبرميل يعني أن ميزانية روسيا (التي تعتمد على النفط والغاز بنسبة 40%) ستشهد فائضًا قياسيًا ، كما أن أزمة هرمز صرفت الانتباه العالمي عن الحرب في أوكرانيا، وخففت الضغط على روسيا. علاوة على ذلك، لعبت روسيا دور الوسيط غير المباشر، حيث أجرى الرئيس بوتين اتصالات مع كل من ترامب و إيران ، محاولًا تسويق نفسه كـ"صانع سلام" قادر على حل الأزمة.
خامسًا : السيناريوهات المستقبلية – أين تتجه الأمور ؟
-السيناريو الأول : الهدنة الطويلة والعودة إلى طبيعية جديدة (الاحتمال الأكبر) في هذا السيناريو، تنجح الوساطة الباكستانية-العمانية في تمديد الهدنة وتحويلها إلى اتفاق طويل الأجل. تتضمن بنود الاتفاق من حيث اعتراف ضمني من المجتمع الدولي بـ"دور إيران الخاص" في تأمين المضيق، إنشاء صندوق دولي لتعويض إيران عن "تكاليف تأمين الملاحة" (بمعدل 1-2 دولار للبرميل)، رفع جزئي للعقوبات الاقتصادية عن إيران مقابل تعهدها بعدم إغلاق المضيق مرة أخرى. في هذا السيناريو، يعود تدفق النفط إلى مستويات قريبة من الطبيعية (90-100 سفينة يوميًا )، لكن أسعار النفط تبقى مرتفعة (100-120 دولارًا للبرميل) بسبب "علاوة المخاطر الإيرانية" الدائمة. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا ، لأنه يرضي جميع الأطراف جزئيًا ، إيران تحصل على اعتراف دولي وعوائد مالية، الغرب يحصل على نفطه (وإن بثمن أعلى)، دول الخليج تتجنب الحرب وتكبد خسائر أكبر.
- السيناريو الثاني: انهيار الهدنة واندلاع حرب محدودة (احتمال متوسط) في هذا السيناريو، تفشل المفاوضات، وتقوم إيران بعمل استفزازي جديد (مثل استهداف سفينة حربية أمريكية أو إسرائيلية). ترد الولايات المتحدة بضربة عسكرية محدودة تستهدف القواعد الصاروخية الإيرانية وقواعد الحرس الثوري في الخليج. ترد إيران بإطلاق صواريخ على القواعد الأمريكية في قطر والبحرين والإمارات، واستهداف ناقلات نفط إضافية. تتحول الأزمة إلى حرب إقليمية محدودة، تستمر لأسابيع أو أشهر، وتؤدي إلى إغلاق كامل للمضيق لفترة طويلة (6-12 شهريًا ). أسعار النفط تقفز إلى 300-400 دولار، ويدخل العالم في ركود عميق. هذا السيناريو ممكن إذا أصر ترامب على "الرد القوي" لتعزيز شعبيته في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2026م (التي كانت مقررة في نوفمبر 2026م)، أو إذا قررت إيران أن "الوقت قد حان لمواجهة حاسمة" مع أمريكا. لكنه غير مرجح بسبب التكاليف الباهظة التي سيتكبدها الجميع. - السيناريو الثالث: التطبيع الإيراني-الغربي والتحول الكبير (احتمال ضعيف) في هذا السيناريو الأكثر تفاؤلًا ، تؤدي أزمة هرمز إلى إدراك الطرفين (أمريكا وإيران) أن استمرار الصراع مدمر للجميع. تجري مفاوضات سرية في مسقط أو الدوحة، تتوصل إلى "صفقة كبرى" حيث إيران توقف برنامجها النووي بشكل كامل وتفتح منشآتها للتفتيش الدولي، وتوقف دعم الميليشيات في المنطقة (حزب الله، الحوثيون، المقاومة العراقية). في المقابل، ترفع أمريكا وحلفاؤها كل العقوبات عن إيران، وتستثمر في الاقتصاد الإيراني، وتعترف بـ"دور إيران الإقليمي" كقوة مستقرة. يعاد فتح المضيق بشكل كامل، وتعود أسعار النفط إلى 70-80 دولارًا ، هذا السيناريو مستبعد جدًا في المدى القصير بسبب انعدام الثقة العميق بين الطرفين، والضغوط الداخلية على القيادة الإيرانية (التي تعتبر "المقاومة" جزءًا من هويتها)، والانتخابات الأمريكية التي تجعل أي تنازل لإيران سامًا سياسيًا . لكنه يبقى ممكنًا في المدى الطويل (5-10 سنوات) إذا تغيرت الظروف الإقليمية والدولية.
ختامًا : هرمز ليس مضيقًا ، بل مرآة لعالم متغير في نهاية هذا التحليل الطويل، نعود إلى السؤال الجوهري " ماذا تعني أزمة مضيق هرمز 2026م للعالم؟" الإجابة تتجاوز أسعار النفط وعمليات الأسطول الخامس. إنها تعني أن عصر الممرات المائية المفتوحة دون مقابل قد انتهى. إيران أثبتت أن دولة بحجمها، بموقع جغرافي فريد وإرادة سياسية صلبة، يمكنها أن تشل العالم إذا أرادت. كما أثبتت أن "القانون الدولي" و"حرية الملاحة" ليسا كافيين لردع دولة مستعدة لتحمل التكاليف. العالم اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما إما القبول بنظام جديد في مضيق هرمز، حيث تفرض إيران رسومًا وتضع قواعد، وإما خوض حرب قد تكون آخر حرب في الشرق الأوسط لأنها ستدمر ما تبقى من اقتصاد عالمي. الخيار الأول مؤلم لكنه أقل ضررًا . الخيار الثاني قد يكون انتحارًا جماعيًا ، ربما تكون العبرة الأكبر من هذه الأزمة أن الغرب لم يعد قادرًا على فرض إرادته على الشرق الأوسط كما كان يفعل، وأن إيران أصبحت لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه، وأن دول الخليج بدأت تفكر جديًا في مستقبل ما بعد النفط (أو ما بعد هرمز). وفي كل الأحوال، لن يعود مضيق هرمز كما كان. سيبقى ممرًا حيويًا ، لكنه سيكون ممرًا محكومًا بقواعد جديدة، تضعها طهران بالقوة وتقبل بها بقية العالم بالاضطرار. هذا هو الدرس الذي كُتب على جدران هرمز في ربيع 2026م ، وقد لا يمحى بسهولة.
أ. حسين علي حياوي المؤذن
#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)
Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
-
بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ
...
-
العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
-
معجزة المسيح السياسية
-
أنطولوجيا النجاة
-
الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
-
الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
-
الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
-
دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني -
...
-
دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر
...
-
الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في
...
-
حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول
المزيد.....
-
آخر مستجدات حركة الملاحة بمضيق هرمز مع انطلاق محادثات السلام
...
-
ما الذي يحدث بمضيق هرمز بعد دخول وقف إطلاق النار مع إيران حي
...
-
رئيس وزراء لبنان يؤجل سفره إلى أمريكا ويعلن السبب
-
نبيل عمرو: -لن ينعم الشرق الأوسط بالاستقرار إلا إذا حلت القض
...
-
العراق: البرلمان يختار السياسي الكردي نزار آميدي رئيسا جديدا
...
-
إسرائيل تجدد قصف جنوب لبنان وحزب الله يرفض الحوار المتوقع بو
...
-
شاهد.. حزب الله يستهدف منزلا يتحصن به جنود إسرائيليون في الب
...
-
عطلة تتحول إلى مأساة.. وفيات سياح بريطانيين تهز الرأس الأخضر
...
-
غزة تتعلم من جديد.. مدينة جامعية فوق الركام بمواجهة الحرب
-
هل عبرت المدمرات هرمز فعلاً أم كذب الأمريكيون؟.. خبير عسكري
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|