عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 16:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترمب ونظرية الرجل المجنون: قراءة في استراتيجية المواجهة مع إيران
الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية
مقدمة
في عالم العلاقات الدولية المعقد، حيث تتشابك حسابات القوة مع قراءات النوايا، تبرز نظرية "الرجل المجنون" (Madman Theory) كواحدة من أكثر الاستراتيجيات إثارة للجدل والغموض. هذه النظرية، التي نسبت إلى الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون خلال حرب فيتنام، تقوم على فكرة بسيطة في جوهرها لكنها بالغة التعقيد في تطبيقاتها:
هي إقناع الخصم بأن قائد الدولة مستعد لفعل أي شيء، حتى لو كان غير عقلاني أو مدمراً للذات، مما يدفع الخصم إلى التراجع خوفاً من تصعيد لا يمكن السيطرة عليه. مع عودة دونالد ترمب إلى المشهد السياسي الأمريكي، وتصاعد التوتر مع إيران حول ملفها النووي ووكلائها في المنطقة، يبرز سؤال محوري" هل ما نراه من تصريحات نارية، وتهديدات مبطنة، وحسابات غير تقليدية، هو مجرد انعكاس لشخصية ترمب الاندفاعية، أم أنه تطبيق متعمد ومدروس لنظرية الرجل المجنون".
هذا المقال يحلل سلوك ترمب تجاه إيران في ضوء هذه النظرية، ويفحص مدى نجاحها أو فشلها في إعادة تشكيل موازين الردع في الشرق الأوسط.
أولاً: نظرية الرجل المجنون – الجذور والآليات
ظهرت نظرية الرجل المجنون في سياق الحرب الباردة، حيث كان نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر يبحثان عن مخرج من مستنقع فيتنام دون أن يبدوا ضعفاء أمام الاتحاد السوفييتي والصين. كانت الفكرة أن يصور نيكسون نفسه كقائد غير متوقع، قد ينزلق إلى ردود فعل عنيفة وغير محسوبة، مما يجعل الخصوم – وفي مقدمتهم موسكو – يضغطون على فيتنام الشمالية لقبول شروط سلام أمريكية؛ جوهر النظرية ليس الجنون الحقيقي، بل القدرة على خلق تصور بالجنون أو عدم القدرة على التنبؤ؛ وهذا يتطلب تناقضات متعمدة في الخطاب مثل إطلاق تهديدات مروعة تليها فترات صمت، وقرارات تبدو غير عقلانية، ورفض الالتزام بقواعد الاشتباك التقليدية.
من الناحية النفسية، تستغل النظرية ميل البشر إلى تجنب المخاطر الكارثية غير المؤكدة، فالخصم، حين يواجه احتمالاً – مهما كان صغيراً – بأن رد فعل القائد الآخر سيكون غير متناسب أو مدمراً، قد يفضل التراجع بدلاً من المخاطرة بسيناريو لا يمكن توقعه؛ لكن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على ثلاثة عناصر: مصداقية التهديد (أن يصدق الخصم القدرة على التنفيذ)، وغرابة السلوك (أن يكون الفعل خارج الإطار التقليدي)، وغياب البدائل الآمنة للخصم.
ثانياً: ترمب وإيران – سجل حافل من التصعيد غير التقليدي.
عند النظر إلى سلوك ترمب تجاه إيران منذ ولايته الأولى من 2017 إلى 2021، نجد نمطاً يتوافق مع فرضيات نظرية الرجل المجنون، حيث في عام 2018، انسحب ترمب من الاتفاق النووي (JCPOA) رغم توصيات مستشاريه وحلفاء أوروبا، في خطوة وُصفت بأنها غير عقلانية من منظور الدبلوماسية التقليدية التي تفضل الاتفاقات المبرمة على الفوضى المفتوحة. ثم تلا ذلك سياسة "الضغوط القصوى" التي شملت استهداف قائد فيلق القدس/ قاسم سليماني ،في اغتيال جوي مباشر في بغداد عام 2020 – وهي خطوة كانت خارج كل قواعد الاشتباك التقليدية بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 .
هذا النمط من "القفز فوق الخطوط الحمراء" دون سابق إنذار واضح، والتصعيد الذي يبدو غير متناسب مع الاستفزازات الإيرانية السابقة، يخلق لدى القيادة الإيرانية حالة من عدم اليقين الدائم. فإيران، التي بنت استراتيجيتها لعقود على قراءة "القواعد" الأمريكية المستقرة (لا اغتيالات لقادة كبار، لا تدمير كامل للبنية التحتية، حدود للنزاع عبر وكلاء)، وجدت نفسها فجأة أمام خصم لا تلتزم حساباته بالمنطق التقليدي، هذا يتوافق تماماً مع الهدف الأول لنظرية الرجل المجنون هي "زعزعة حسابات الخصم وإجباره على إعادة تقييم المخاطر".
ثالثاً: تصريحات ترمب – لغة الجنون المقنن.
لا يمكن فهم نظرية الرجل المجنون في حالة ترمب دون تحليل خطابه. فترمب يستخدم باستمرار لغة تهديدية غير مسبوقة في تاريخ الرؤساء الأمريكيين المعاصرين، وتصريحاته الغريبة مثل "إذا ضربت إيران، ستمحى من الوجود" أو "سيكون هناك عواقب لم يشهدها أحد من قبل" تحمل غموضاً متعمداً. هذا الغموض هو سلاح استراتيجي: فهو لا يحدد طبيعة الرد (نووي؛ تقليدي شامل؛ حرب إلكترونية)، ولا مداه، ولا شروطه. والهدف هو ترك الخصم ليتخيل أسوأ السيناريوهات، وهذه التخيلات غالباً ما تكون أكثر ردعاً من أي تهديد محدد ولكنها لم تنجح مع ايران العنيدة.
لكن اللافت أن ترمب يمزج هذه التهديدات برسائل مضادة تبدو عقلانية أو حتى انعزالية؛ ففي لحظات أخرى، يتحدث عن رغبته في "اتفاق عظيم" مع إيران، أو ينتقد "الحروب التي لا نهاية لها" في الشرق الأوسط، أو حتى يشير إلى إمكانية التفاوض دون شروط مسبقة. هذا التناقض الظاهري ليس ضعفاً في الاستراتيجية، بل هو جوهرها، فالخصم لا يعرف أبداً أي ترمب سيواجه غداً؛ ترمب المفاوض أم ترمب المهاجم. هذا يجعل حسابات المخاطرة أكثر تعقيداً، ويدفع الخصم تلقائياً نحو الحذر.
رابعاً: نقاط الضعف في تطبيق النظرية – متى يفشل الجنون.
رغم جاذبية نظرية الرجل المجنون، فإن تطبيقها في حالة ترمب وإيران يواجه إشكاليات جوهرية منها التالي:
أ-النظرية تفترض أن الخصم لديه مجال للتراجع.
في حالة إيران، النظام يعتبر بقاءه مرتبطاً بموقفه من التهديدات الخارجية، والتراجع عن مواقف أساسية مثل "حق إيران في تخصيب اليورانيوم" أو "طرد القوات الأمريكية من المنطقة" قد يكون مكلفاً للنظام من الناحية الداخلية أكثر من مواجهة التصعيد. لذا فإن "الجنون الأمريكي" قد لا ينتج تراجعاً، بل قد ينتج تشدداً إيرانياً معادياً كرد فعل نفسي على الضغط.
ب-النظرية تحتاج إلى مصداقية بأن القائد المجنون قادر على تنفيذ تهديداته فعلاً.
الرجل البرتقالي/ترمب، رغم خطابه المتشدد، أظهر في ولايته الأولى ميلاً إلى تجنب الاشتباكات العسكرية الواسعة (مثل إلغاء الضربة الانتقامية ضد إيران بعد إسقاط طائرة مسيرة أمريكية عام 2019، حيث تراجع في اللحظة الأخيرة بحجة "عدم التناسب"). هذا التراجع المسجل يقلل من مصداقية التهديدات المستقبلية، لأن الإيرانيين قد يستنتجون أن "الجنون" له حدود، وأن هناك خطاً أحمر لا يتجاوزه ترمب فعلياً.
ج-النظرية تصطدم بواقع أن الخصم قد يتبنى استراتيجية "التطبيع مع المجنون" بدلاً من الخوف منه.
فالحرس الثوري الإيراني أثبت عبر عقود قدرة على التعامل مع خصوم غير متوقعين، من خلال تشتيت القوى، واستخدام الوكلاء، وتحمل خسائر كبيرة،قد تنظر القيادة الإيرانية إلى ترمب على أنه "صوت للضوضاء أكثر من عضاض"، خاصة بعد أن نجت ايران من اغتيال سليماني واستمرت في سياستها الإقليمية.
خامساً: السياق الإقليمي – حلفاء ترمب في المنطقة.
من العناصر التي تعزز قدرة ترمب على تطبيق نظرية الرجل المجنون هو وجود حلفاء إقليميين لترامب مثل (إسرائيل ودول الخليج) لديهم دوافع قوية للمواجهة مع إيران. ترمب يستطيع أن يخلق غموضاً إضافياً حول ما إذا كان أي عمل عسكري أمريكي سيأتي بمشاركة إسرائيلية أو دعم خليجي(فخ التوريط للعرب)، مما يزيد العبء على الحسابات الإيرانية. فهل ترمب سيشن هجوماً بمفرده أم مع إسرائيل، وهل ستُستخدم القواعد الخليجية، هذه الأسئلة المفتوحة تضاعف من حالة عدم اليقين.
لكن بالمقابل، فإن نفس الحلفاء قد يقللون و يحدون من مرونة ترمب. فالسعودية والإمارات، رغم عدائهما لإيران، تفضلان الاستقرار النسبي الذي يسمح بالتحول الاقتصادي (رؤية 2030 مثلاً) على حرب إقليمية مدمرة. كذلك إسرائيل، رغم قدراتها العسكرية، تفضل عمليات محدودة ومستمرة (ضربات في سوريا والعراق) على مواجهة شاملة قد تجر المنطقة إلى حرب متعددة الجبهات، أيضا ترمب، إذا أراد الحفاظ على تحالفاته، لا يمكنه أن يتصرف بـ"جنون" تام يتجاهل مصالح هؤلاء الحلفاء، مما يضع قيوداً عملية على تطبيق النظرية المجنونة.
سادساً: نتائج أولية – هل نجح الجنون حتى الآن.
بالمعيار الواقعي، حققت استراتيجية ترمب تجاه إيران نجاحات محدودة لكنها غير حاسمة؛ على الجانب الإيجابي منها، تعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط هائلة بسبب العقوبات الأمريكية القاسية، وتراجعت قدرة إيران على تمويل وكلائها في سوريا واليمن ولبنان بشكل كبير مقارنة بعام 2018. كذلك، أظهرت إيران مرونة تكتيكية بعد اغتيال سليماني، حيث اختارت رداً رمزياً (قصف قاعدة عين الأسد دون إصابات أمريكية) بدلاً من التصعيد الواسع، مما قد يُقرأ كانتصار أمريكي في لعبة الأعصاب.
لكن على الجانب الآخر، لم تتراجع إيران عن برنامجها النووي. بل تجاوزت القيود التي وضعها الاتفاق النووي، وقاربت عتبة امتلاك سلاح نووي (إن لم تكن عبرتها بالفعل بحسب بعض التقديرات وصنعتها فعلا ). كما عززت وجودها العسكري في العراق وسوريا عبر وكلاء جدد، وزادت استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة بواسطة المسيرات والصواريخ، وهذا يعني أن "الجنون الأمريكي" لم ينتج التراجع المنشود، بل أنتج إيراناً أكثر حذراً في المواجهة المباشرة لكنها أكثر جرأة في حرب الوكلاء، وأكثر إصراراً على تطوير قدراتها النووية كورقة حماية نهائية.
سابعاً: ترمب الثاني – هل سيكون الجنون مختلفاً.
مع عودة ترمب، في الفترة الرئاسية الثانية إلى البيت الأبيض، ومع استمرار تأثيره على السياسة الأمريكية أثناء الحرب على ايران في 28-2-2026، يبرز سؤال حول ما إذا كانت نظرية الرجل المجنون ستصبح أكثر فاعلية أم ستفقد مصداقيتها. هناك عاملان رئيسيان:
1- أن إيران قد تكون قد تكيفت مع أسلوب ترمب واستوعبت "قواعد لعبته" (تصعيد ثم تراجع، تهديد ثم تفاوض)، مما يقلل من عنصر المفاجأة.
2-أن ترمب نفسه قد كان أقل ميلاً للمغامرة العسكرية في ولاية الثانية، مركزاً على الإنجازات الاقتصادية وليس الحروب الجديدة ولكن بسبب ضغط اسرائيل وأكاذيب نتن ياهو تورط في الحرب على ايران ولكن التهديد بمسح ايران عن الخريطة،أضعف مصداقية هذه التهديدات.
لكن بالمقابل، قد تكون السنوات الأربع التي قضاها بايدن في البيت الأبيض قد أعادت للإيرانيين شعوراً زائفاً بالأمان النسبي (استمرار الحوار غير المباشر، عدم اغتيالات جديدة، تخفيف طفيف للعقوبات على النفط).
كذلك بعد عودة ترمب للبيت الأبيض في العام 2024, فجأة عاد بخطابه وأفعاله السابقة، مما شكل صدمة أكبر هذه المرة من نظرية الرجل المحنون، لأنها جاءت بعد فترة من الهدوء النسبي وتحديدا اشتعال شرارة الحرب أثناء المفاوضات الأمريكية مع ايران. كما أن التطورات الإقليمية مثل التطبيع السعودي الإيراني بوساطة صينية، والحرب في غزة وتداعياتها، خلقت سياقاً مختلفاً جعل الإيرانيين أكثر خشونه وتصلب في مواقفهم، وأيضا أكثر قلقاً من مغامرة أمريكية غير محسوبة في لحظة إقليمية مضطربة بالفعل أشعلت المنطقة في الشرق الأوسط لإرضاء اسرائيل على حساب دول المنطقة.
خلاصة القول، ترمب يمارس نظرية الرجل المجنون تجاه إيران، لكنه يمارسها بشكل غبي و ناقص ومشوه، في تصرف أقرب إلى "جنون محدود" منه إلى "جنون استراتيجي" شامل، ونجح في خلق حالة من عدم اليقين والارتباك في الحسابات الإيرانية، وأجبر طهران على إنفاق موارد ضخمة للدفاع عن نفسها والرد على الضغوط. لكنه فشل في تحقيق الهدف النهائي للنظرية وهو إجبار الخصم على التراجع الكبير أو تغيير سلوكه الجوهري.
إيران لا تزال تقف على حافة النووي، ولا تزال تملك قدرة على إيذاء المصالح الأمريكية في المنطقة من طرفها وعبر وكلائها، ولا تزال ترى في البقاء والثبات أفضل رد على التهديدات الأمريكية. والحقيقة أن نظرية الرجل المجنون، مهما كانت جاذبتها في اللحظات الحرجة، تظل سلاحاً ذا حدين.
فالإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى استنزاف المصداقية، أو إلى رد فعل مضاد أكثر عنفاً مما توقع صانع القرار وهذا ما فعلته ايران حرفيا حيث دمرت كافة القواعد الأمريكية في دول الخليج وفي الأردن. في حالة ترمب وإيران، دخل الطرفان حرب طاحنة في 28-2-2026 تسمى "رقصة جنون" متبادلة؛ كل طرف يحاول أن يبدو أكثر لا عقلانية من الآخر، مما يزيد احتمالية سوء التقدير والانزلاق نحو حرب شاملة تحرق كافة محطات الطاقة في المنطقة،ونتائج كارثية على البيئة لا يريدها أي طرف منهما فعلاً.
واخيراً السؤال الاستشرافي ليس هل ترمب مجنوناً أم متعقلاً، بل ما إذا كانت لعبة الأعصاب هذه ستنتهي بتفاهم جديد أم بانفجار مدمر للمنطقة. وبالطبع التاريخ وحده، الذي لا يرحم صانعي السياسات المغرورين، هو الذي سيحكم في النهاية على من كان أكثر جنوناً، ومن كان أكثر حكمة في غير أوانه بعد وقف إطلاق النار وتقيم حجم الخسائر في اسرائيل وفي ايران وفي عدد القواعد الأمريكية التي تم تدميرها في الشرق الأوسط.
المراجع
Kissinger, H. (1994). Diplomacy. Simon & Schuster.
Nixon, R. (1978). RN: The Memoirs of Richard Nixon. Grosset & Dunlap.
Waltz, K. N. (2012). "Why Iran Should Get the Bomb". Foreign Affairs, 91(4), 2-5.
Mearsheimer, J. J. (2018). The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities. Yale University Press.
Parsi, T. (2017). Losing an Enemy: Obama, Iran, and the Triumph of Diplomacy. Yale University Press.
Sadjadpour, K. (2020). "The Madman Theory of the Middle East". Carnegie Endowment for International Peace.
Coll, S. (2021). "The Madman and the Ayatollah: Trump, Iran, and the-limit-s of Chaos". The New Yorker.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟