أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - كيف نُحوّل القتلة إلى عظماء؟














المزيد.....

كيف نُحوّل القتلة إلى عظماء؟


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 09:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من أكثر المفارقات قسوةً ومرارةً في التاريخ الإنساني، أن البشرية لم تكتفِ بصناعة الطغاة، بل أبدعت، بمهارة لافتة، في إعادة تدويرهم كرموز، ثم علّقت أسماءهم على جدران الذاكرة بوصفهم (عظماء). لم يكن الخلل في أفعالهم وحدها، بل في آلية الوعي التي استقبلتهم وأعادت إنتاجهم: كيف يتحول العنف، حين يكون واسع النطاق ومنظمًا، إلى “إنجاز”، وكيف تُعاد صياغة الدماء بلغة المجد، حتى يصبح القاتل مؤسسًا، والمذبحة لحظةً تاريخية تستحق الاحتفال.
ما سُمّي بالعظمة لم يكن، في كثير من الأحيان، سوى تضخّم مرضي في إرادة السيطرة، يقابله ضمور حاد في الحس الإنساني. هذا الاختلال لم يُقرأ كخلل، بل أُعيد تسويقه كعبقرية. فالقائد الذي لا يتردد في سحق مدن بأكملها يُوصَف بالحاسم، والذي يعيد رسم الخرائط فوق جماجم البشر يُقدَّم بوصفه صانع التاريخ، وكأن معيار التقييم لم يعد الإنسان، بل القدرة على إخضاعه وإلغائه.
وحين ننتقل إلى الحقل الديني، تتضاعف الخطورة وتتعقّد الصورة، لا لأن جوهر الإيمان عنيف، بل لأن المقدّس، عبر التاريخ، أُخضع لإرادات السلطة والتأويل. هنا لا يصبح العنف مجرد وسيلة، بل يتحول إلى واجب، والقتل إلى رسالة، والحرب إلى فعلٍ مغطّى بقداسة لا تُمس. لم يكن الخطر في النصوص بقدر ما كان فيمن احتكر تفسيرها، وحوّلها إلى أداة للهيمنة، حيث تُخاض الصراعات باسم السماء، بينما تُدار في حقيقتها بمنطق الأرض.
في المسارين معًا، السياسي والديني، يتكرر النمط ذاته، سلطة تتضخم، ثم تبحث عن لغة تبرّر نفسها. مرة باسم المجد، ومرة باسم الخلاص. والنتيجة واحدة، تاريخ مثقل بالدماء، يُعاد ترتيبه لاحقًا ليبدو كمسار حضاري، لا كسلسلة من الكوارث التي فُرض على البشرية أن تنساها كي تستمر.
وإذا أردنا الذهاب أبعد من ذلك في تفكيك هذه الظاهرة، فإن المقارنة بين مسارات تشكّل السلطة تكشف عن مفارقة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. فنحن لا نقف أمام نمط واحد من إنتاج “العظمة”، بل أمام مسارين مختلفين في البداية، متشابهين في النهاية.
في المسار الديني، والبعض الإيديولوجي، تبدأ الفكرة قبل القوة. تتشكل رؤية أو منظومة تُقدَّم بوصفها هداية أو خلاصًا، وترتقي تدريجيًا في وعي أتباعها إلى مستوى الحكمة والتنوير. لكن هذه الفكرة، حين تصطدم بالرفض أو بالمقاومة، لا تبقى دائمًا في حدود الإقناع، بل تتحول، في تجارب تاريخية عديدة، إلى أداة فرض، ومن خطاب معنوي إلى صراع مادي، فتدخل في دائرة العنف، وتُرتكب باسمها مجازر كبرى تحت غطاء الحقيقة المطلقة.
أما المسار الأول، فيسير بالعكس تمامًا، تبدأ القوة أولًا، بلا فكرة مكتملة، بلا نظرية، بل بإرادة سيطرة صافية. يرتقي صاحبها عبر القسوة، ويصل إلى القمة دون أن يحمل مشروعًا متماسكًا، ثم، حين تستقر السلطة، يبدأ بالبحث عن غطاء يبررها، فتُصاغ الأفكار لاحقًا، وتُبنى الأيديولوجيا كقشرة تحمي الواقع القائم، لا كأساسٍ له.
نحن، إذن، أمام تناقض ظاهري حاد، أحدهما يبدأ بالفكرة وينتهي إلى العنف، والآخر يبدأ بالعنف ثم يبحث عن فكرة.
لكن المفارقة الأعمق أن النتيجة واحدة، كلاهما يُنتج سلطة تُبرّر نفسها، وكلاهما يعيد تشكيل وعي الناس ليجعلهم يقبلون، وأحيانًا يبرّرون، ما كان يجب أن يُرفض من الأساس.
ولهذا، لم تكن الهيمنة في التاريخ دائمًا للأقسى فقط، بل للأقدر على بناء سردية. فالقوة المجردة قد تُخضع، لكنها لا تدوم، أما القوة التي تتكئ على فكرة، حتى لو وُلدت بعد العنف، فإنها تتحول إلى نظام، وإلى ذاكرة، وإلى “حقيقة” يصعب تفكيكها.
وهنا تتجلّى المفارقة الأكثر فجاجة، المجرم الفردي يُدان لأنه قتل إنسانًا أو بضعة أفراد، بينما يُخلَّد من قاد حروبًا أبادت شعوبًا بأكملها. ليس لأن فعله أقل فظاعة، بل لأنه نجح في تحويل الجريمة إلى نظام، وفي فرض روايته بوصفها الحقيقة. إنها أخلاق مقلوبة، كلما اتسع نطاق العنف، ارتفعت فرص تبريره، وكلما صار القتل جماعيًا، أصبح أكثر قابلية للتقديس.
لكن السؤال الأكثر إزعاجًا لا يتعلق بهم وحدهم، بل بنا نحن، هل كانت البشرية ضحية لهؤلاء، أم شريكًا في صناعتهم؟ هل صفّقنا للدم حين أُعيد تسميته مجدًا، أم أننا ورثنا ذاكرةً مُفلترة لا ترى إلا ما يسمح لها بالبقاء دون أن تنهار تحت ثقل الحقيقة؟
ربما لم يكن النسيان ضعفًا في الذاكرة، بل آلية دفاع جماعية؛ فلو تذكّرت البشرية كل شيء بدقته الوحشية، لما استطاعت أن ترفع قاتليها إلى مرتبة القديسين، ولا أن تكسو جلاديها بألقاب العظمة.
والحقيقة الأكثر قسوة ليست أن التاريخ كُتب بيد المنتصرين، بل أن الضحايا أنفسهم تعلّموا، مع الوقت، كيف يروون القصة كما يريدها جلادوهم.
بل ربما، في لحظة صفاء جارحة، يجب أن يُقال دون مواربة:
إن بعض من نُعلّق أسماءهم على جدران الخلود، لو جُرّدوا من سطوة القوة وهالة القداسة، لوقفوا اليوم في قفص الاتهام، لا في قاعات التكريم.
وربما الأشد صدمة من ذلك كله، أن البشرية لم تفشل فقط في إيقاف تكرار المأساة، بل أتقنت فنّ تسويقها.
بل، وبقسوة أكبر، لم نتعلم كيف نمنع الجريمة، بل كيف نمنحها اسمًا أجمل.



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرب المهووسين فوق أنقاض العالم
- هل كانت المسيّرات الإيرانية الشرارة الخفية للحرب الكبرى؟
- هل تريد إسرائيل حربًا أطول مما يحتمل ترامب؟
- ماذا لو أخطأ الطرفان في الحسابات وتحولت الحرب المحدودة إلى م ...
- ما الذي ينتظر القضية الكوردية في ظل صعود المشروع الإسلامي في ...
- المجلس الوطني الكوردي وقسد بين تمثيل الحقوق وإدارة الواقع ال ...
- سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد
- من تمثيل شعب إلى حضور شكلي، ماذا حدث؟
- هل تقود الحرب إلى التفاوض أم إلى إعادة رسم التوازنات؟
- الحلقة الثامنة، كوردستان أولًا، نحو ميثاق وطني فوق حزبي
- لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟
- هل يمكن أن تكون إيران موضوع صفقة كبرى بين القوى العظمى؟
- الحلقة السابعة، الواقعية السياسية لماذا لا يُصلَح الخطأ بخطأ ...
- سرّ الصمود الإيراني
- لماذا نقف مع بيان وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان؟
- الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الان ...
- الحلقة الخامسة، من يصنع نار الفتنة بين الأطراف الكوردستانية؟ ...
- اقتصاد إيران في عالم ما بعد خسارة الحرب
- الحلقة الرابعة، بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، خلاف سيا ...
- إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع


المزيد.....




- آخر مستجدات حركة الملاحة بمضيق هرمز مع انطلاق محادثات السلام ...
- ما الذي يحدث بمضيق هرمز بعد دخول وقف إطلاق النار مع إيران حي ...
- رئيس وزراء لبنان يؤجل سفره إلى أمريكا ويعلن السبب
- نبيل عمرو: -لن ينعم الشرق الأوسط بالاستقرار إلا إذا حلت القض ...
- العراق: البرلمان يختار السياسي الكردي نزار آميدي رئيسا جديدا ...
- إسرائيل تجدد قصف جنوب لبنان وحزب الله يرفض الحوار المتوقع بو ...
- شاهد.. حزب الله يستهدف منزلا يتحصن به جنود إسرائيليون في الب ...
- عطلة تتحول إلى مأساة.. وفيات سياح بريطانيين تهز الرأس الأخضر ...
- غزة تتعلم من جديد.. مدينة جامعية فوق الركام بمواجهة الحرب
- هل عبرت المدمرات هرمز فعلاً أم كذب الأمريكيون؟.. خبير عسكري ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - كيف نُحوّل القتلة إلى عظماء؟