أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة الثقافية في عالم متغير















المزيد.....

ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة الثقافية في عالم متغير


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 20:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


” حين تتحول الليبرالية من حارسة لحرية التعبير إلى رقيبة على الضمير، ومن فلسفة للتسامح إلى أداة للإقصاء الأخلاقي، فإنها لا تفقد مصداقيتها فحسب، بل تكشف عن وجه جديد للهيمنة الثقافية يرتدي قناع الفضيلة “.

” ليست ثقافة الإلغاء دفاعاً عن القيم، بل إعلاناً عن نهاية التسامح حين يتحول الاختلاف إلى جريمة، والحرية إلى امتياز مشروط “ (الكاتب).

- المقدمة:
شكلت الليبرالية الغربية، منذ عصر التنوير، أحد أهم الأسس الفكرية التي قامت عليها قيم الحداثة، وعلى رأسها حرية التعبير، والتعددية، واحترام الاختلاف. وقد مثلت هذه القيم مرجعية أخلاقية وفلسفية للنظام العالمي المعاصر، وأسهمت في ترسيخ صورة الغرب بوصفه حاملاً لمشروع إنساني كوني. غير أن التحولات الثقافية والسياسية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، ولا سيما في سياق العولمة الثقافية والرقمية وصعود أزمة سياسات الهوية، أفرزت مفارقة لافتة، إذ بدأت هذه القيم ذاتها تُوظف أحياناً في اتجاه مغاير لغاياتها الأصلية.

وفي هذا الإطار، برزت ظاهرة " ثقافة الإلغاء " بوصفها إحدى أبرز تجليات هذا التحول، حيث انتقل الخطاب من الدفاع عن التسامح إلى ممارسة أشكال جديدة من الإقصاء الأخلاقي والرمزي. ومن هنا تبرز إشكالية هذا المقال، التي تتمثل في تحليل التحولات السوسيولوجية التي تشهدها الليبرالية الغربية، واستشراف أثرها في إعادة تشكيل الخريطة الثقافية العالمية.

أولاً- من حرية التعبير إلى أمان التعبير (تحول المفهوم الليبرالي): شهدت المجتمعات الغربية تحولاً ملحوظاً في مفهوم حرية التعبير، حيث باتت الأولوية تمنح لما يُعرف " بأمان التعبير "، أي تجنب الخطابات التي قد تشعر الأفراد أو الجماعات بالتهديد أو الإقصاء. وقد برز هذا التحول بوضوح داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية، التي تحولت من فضاءات للحوار الحر إلى بيئات تفرض معايير أخلاقية صارمة على الخطاب العام. وفي هذا السياق، يرى بعض النقاد أن حماية الحساسيات الاجتماعية، رغم مشروعيتها الأخلاقية، قد تتحول إلى آلية رقابية تقيد التفكير النقدي.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن تفسير هذه الظاهرة في إطار صعود أزمة سياسات الهوية، حيث أصبحت الاعتبارات المرتبطة بالجندر والعرق والثقافة مركزية في تشكيل المجال العام. ومع أن هذه التحولات أسهمت في تصحيح مظالم تاريخية، فإنها أفضت في بعض الحالات إلى ما يعرف " بالإقصاء الأخلاقي "، حيث يتم نزع الشرعية عن الآراء المخالفة بدلاً من مناقشتها، الأمر الذي يهدد التوازن بين الحرية والمسؤولية.

ثانياً- ازدواجية المعايير في السياسة الدولية: تتجلى إشكالية الليبرالية الغربية أيضاً في ممارساتها على المستوى الدولي، حيث يلاحظ وجود تفاوت في تطبيق مبادئ حرية التعبير وحقوق الإنسان تبعاً للاعتبارات الجيوسياسية. ففي الوقت الذي يتم فيه الدفاع عن هذه القيم بوصفها مبادئ كونية، تطبّق بصورة انتقائية عندما تتعارض مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى. وقد أدى هذا التناقض إلى تآكل المصداقية الأخلاقية للخطاب الليبرالي، وأثار انتقادات واسعة، لا سيما في دول الجنوب العالمي.

ويعكس هذا الواقع ما وصفه بعض منظري ما بعد الاستعمار " بالمعيار المزدوج "، حيث تتحول القيم الإنسانية إلى أدوات رمزية للهيمنة الناعمة. ونتيجة لذلك، أخذت الشعوب غير الغربية تنظر إلى الخطاب الليبرالي بوصفه خطاباً انتقائياً، يفتقر إلى الاتساق بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.

ثالثاً- تسييس الجوائز الثقافية وإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية: لم يقتصر هذا التحول على المجال السياسي، بل امتد إلى الحقول الثقافية والفنية، حيث أصبحت الجوائز الأدبية والمعارض الفنية تعكس، في بعض الأحيان، توجهات إيديولوجية تتجاوز معايير الإبداع الفني. وقد أدى هذا التسييس إلى التشكيك في استقلالية المؤسسات الثقافية العالمية، وإلى تصاعد الانتقادات بشأن دورها في إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية.

ويمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء " نظرية رأس المال الرمزي " عند الفرنسي بيير بورديو، التي تفترض أن الفعل الثقافي لا ينتج داخل فراغ محايد، بل داخل حقل اجتماعي تحكمه علاقات قوة غير مرئية تحدد من يمتلك الشرعية الرمزية ومن يُحرم منها. فالمؤسسات الثقافية ومن بينها دور النشر، الأكاديميات، والجوائز الدولية لا تمارس دوراً تقييمياً صرفاً قائماً على " القيمة الجمالية والفنية " فقط، بل تشارك في إعادة إنتاج البنية الهرمية نفسها التي توزع الاعتراف والشرعية داخل النظام الثقافي العالمي.

ومن هذا المنظور، تصبح الجوائز الدولية آليات معقدة لـتراكم وتوزيع رأس المال الرمزي، حيث لا يقاس " التميز والإبداع " بمعايير فنية خالصة فحسب، بل يتداخل مع معايير غير معلنة ترتبط باللغة، والموقع الجغرافي، والانتماء الثقافي، وحتى القابلية للاندماج داخل السردية الثقافية المهيمنة. وبذلك، تتحول هذه الجوائز إلى ما يشبه " بوابات اعتراف " تحدد من يُمنح حق الحضور في المركز ومن يترك على هامشه.

وتتجلى هنا دقة التحليل في فهم أن المركزية الثقافية الغربية لا تُمارَس بوصفها فعلاً مباشراً أو قسراً صريحاً، بل من خلال إنتاج معايير معرفية وجمالية تتخذ طابعاً كونياً مفترضاً، بينما هي في الواقع مشروطة تاريخياً بسياقات تشكل الحقل الثقافي الغربي. فهذه المعايير تقدم باعتبارها محايدة وموضوعية، في حين أنها تحمل ضمن بنيتها التكوينية أثراً ممتداً لمسارات تاريخية من التفوق الرمزي وإعادة إنتاجه داخل النظام الثقافي العالمي.

وفي هذا السياق، لا يقصى الإنتاج الثقافي القادم من فضاءات الجنوب عبر المنع، بل عبر إدخاله في شبكة من الشروط غير المعلنة للاعتراف، حيث يطلب منه أن يخضع لعمليات إعادة صياغة دلالية وجمالية تضمن قابليته للاندماج داخل الأفق المعياري للمركز. وبذلك، يصبح الاعتراف الثقافي مشروطاً بمدى توافق التجربة الإبداعية مع البنية الرمزية المهيمنة، لا بخصوصيتها الذاتية أو اختلافها الجذري.

وهكذا، لا تعكس الجوائز الدولية مجرد تقدير للإبداع، بل تجسد أيضاً آلية لفرز الرموز الثقافية وإعادة توزيع الاعتراف العالمي، بما يعزز استمرار تفاوتات رمزية بين المركز والأطراف، حتى في ظل خطاب العولمة الثقافية الذي يفترض المساواة والتعددية.

رابعاً- الفلسفة ضد الممارسة (مفارقة الأخلاق الليبرالية): تُدرّس الجامعات الغربية أعلام الفكر الأخلاقي الذين جعلوا من " الآخر " محوراً للإنسانية، إلا أن الممارسة الواقعية تكشف أحياناً عن تناقض بين المثال الفلسفي والتطبيق العملي. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الفلسفة الأخلاقية على الانفتاح والحوار، تشهد بعض المؤسسات الأكاديمية حالات من الإقصاء الرمزي أو " الاغتيال المعنوي " لمن يطرح تساؤلات نقدية حول قضايا حساسة.

ويمثل هذا التناقض مفارقة بنيوية داخل المشروع الليبرالي المعاصر، إذ تتجاذبه نزعتان متعارضتان الأولى نزعة إنسانية تسعى إلى حماية الكرامة الفردية، وأخرى إيديولوجية تميل إلى فرض معايير فكرية محددة. ونتيجة لذلك، يتقلص الفضاء النقدي الذي شكل تاريخياً جوهر الفكر الغربي الحديث.

ومن منظور (نقدي – سوسيولوجي)، يمكن لنا فهم هذه المفارقة باعتبارها تعبيراً عن تحول داخلي في بنية الليبرالية نفسها، من كونها مشروعاً لتحرير المجال العمومي من الإكراهات السلطوية، إلى كونها جهازاً ناعماً لإدارة الاختلاف وضبطه ضمن حدود معيارية جديدة. فبدل أن تُمارس الحرية بوصفها قدرة مفتوحة على مساءلة كل أشكال السلطة، يتم إعادة تعريفها ضمن إطار أخلاقي مؤسساتي يحدد مسبقاً ما يعتبر مقبولاً وما يعد انحرافاً عن " الإجماع القيمي ".

وهنا تتجلى آليات الهيمنة الرمزية، حيث لا يلغى الصوت المخالف بشكل مباشر، بل يفرغ من شرعيته عبر وصمه أخلاقياً أو تصنيفه كتهديد للفضاء العام، مما يؤدي إلى إنتاج شكل جديد من الانضباط الفكري غير المرئي. وبهذا المعنى، لا يعود تقلص الفضاء النقدي مجرد نتيجة ظرفية، بل مؤشراً على إعادة تشكيل بنيوية للعلاقة بين الحرية والمعرفة داخل الحداثة المتأخرة، حيث يتداخل الخطاب التحرري مع منطق الضبط الرمزي في صيغة تبدو متناقضة لكنها فاعلة في آن واحد.

خامساً- نحو تعددية ثقافية عالمية (صعود مراكز بديلة): إن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر أعادت طرح سؤال الريادة الثقافية في سياق تاريخي جديد، يتجاوز ثنائية المركز والهامش التي هيمنت طويلاً على المشهد المعرفي العالمي. فقد أسهمت العولمة الثقافية، بما رافقها من ثورة رقمية وتوسع في شبكات الاتصال، في تفكيك احتكار الغرب للإنتاج المعرفي، وفتحت المجال أمام ظهور فاعلين جدد في آسيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. ولم يعد إنتاج المعرفة حكراً على المؤسسات الغربية، بل بات فضاءً كونياً تتقاطع فيه الرؤى والتجارب، بما يعكس انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الثقافية الأحادية إلى مرحلة التعددية الحضارية.

ويمكن تفسير هذا التحول في ضوء نظرية الحقول الثقافية، التي تؤكد أن المعرفة ليست نتاجاً محايداً، بل تتشكل ضمن علاقات القوة والهيمنة الرمزية. وقد ساهمت التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في إعادة توزيع رأس المال الثقافي والرمزي، الأمر الذي أتاح للمجتمعات غير الغربية إعادة إنتاج ذاتها معرفياً، والتحرر تدريجياً من المركزية الأوروبية. وفي هذا السياق، لم يعد " الهامش " مجرد متلقٍ للمعرفة، بل أصبح منتجاً لها وشريكاً في صياغة الخطاب العالمي، مما يعكس تحولاً بنيوياً في طبيعة النظام الثقافي الدولي.

كما يمكن قراءة هذه الظاهرة في إطار نظرية ما بعد الاستعمار، التي سعت إلى تفكيك أنماط الهيمنة المعرفية وإعادة الاعتبار لأصوات الجنوب العالمي. فقد دعا مفكرو هذا التيار إلى " تحرير المعرفة " من النزعة المركزية الغربية، وإلى الاعتراف بتعدد مصادر الحقيقة. وهكذا، لم يعد العالم يعيش ضمن نموذج معرفي واحد، بل ضمن فسيفساء حضارية تتكامل فيها الخبرات الإنسانية، بما يعزز من إمكانات الحوار والتفاعل الخلاق بين الثقافات.

وتعزز هذه التحولات أطروحة الانتقال من " العولمة " إلى " التعددية الكونية "، حيث لم تعد العولمة تعني فرض نموذج ثقافي مهيمن، بل أصبحت فضاءً لتفاعل النماذج الحضارية المختلفة. وقد أدى هذا التحول إلى نشوء ما يمكن تسميته " بالعولمة متعددة المراكز "، وهي مرحلة تاريخية تتسم بإعادة توزيع السلطة الرمزية والمعرفية على نطاق عالمي، بحيث تتقاسمها قوى ثقافية متنوعة مثل الصين وروسيا. وبهذا المعنى، يتراجع مفهوم " المركز " بوصفه سلطة مطلقة، ليحل محله مفهوم " الشبكة الحضارية " القائمة على التفاعل والتكافؤ.

وعلى المستوى المعرفي، أفضت هذه التحولات إلى بروز أنماط جديدة من إنتاج المعرفة، تقوم على التداخل بين التخصصات، وتستفيد من الإمكانات التي تتيحها الثورة الرقمية. فقد أتاحت المنصات الإلكترونية والجامعات العالمية المفتوحة ووسائل النشر الرقمية فضاءات بديلة للتعبير الفكري، مما أسهم في دمقرطة المعرفة وتحريرها من القيود الجغرافية والمؤسساتية. ونتيجة لذلك، أصبح المثقف في دول الجنوب قادراً على مخاطبة العالم مباشرة، دون الحاجة إلى المرور عبر الوسائط التقليدية التي كانت تهيمن عليها المراكز الغربية.

ومن الناحية الفلسفية، يعكس هذا التحول بروز نموذج جديد يمكن تسميته " بالإنسانية التعددية "، وهو نموذج يقوم على الاعتراف المتبادل بين الثقافات، ويرفض ادعاء التفوق الحضاري أو احتكار الحقيقة. ويمثل هذا الاتجاه امتداداً معاصراً لفكرة " حوار الحضارات "، حيث تصبح الاختلافات الثقافية مصدراً للإثراء المعرفي بدلاً من أن تكون سبباً للصراع أو الهيمنة. وهنا يتبلور أفق أخلاقي جديد يرسخ مبدأ العدالة المعرفية، ويعيد الاعتبار للتنوع بوصفه شرطاً للإبداع والتقدم الإنساني.

وإبداعياً، يمكن القول إن العالم يشهد تشكل " جغرافيا معرفية جديدة "، تتوزع فيها مراكز الإشعاع الثقافي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. ولم تعد الريادة الثقافية امتيازاً جغرافياً ثابتاً، بل أصبحت نتاجاً لقدرة المجتمعات على إنتاج معرفة نقدية أصيلة قادرة على التفاعل مع القضايا الإنسانية الكبرى. وفي هذا الأفق، يتجه النظام الثقافي العالمي نحو نموذج تعددي قائم على التكامل والتفاعل، لا على الإقصاء أو الاحتكار.

وعليه، فإن الانتقال من أحادية المركز إلى تعددية الأقطاب الثقافية لا يمثل مجرد تحول جغرافي في مراكز الإنتاج المعرفي، بل يشكل إعادة صياغة عميقة لمفهوم الثقافة ذاته. إنه انتقال من ثقافة الهيمنة إلى ثقافة الحوار، ومن مركزية الصوت الواحد إلى تعددية الأصوات، ومن احتكار المعنى إلى ديمقراطية المعرفة. وبذلك تتشكل ملامح نظام ثقافي عالمي أكثر توازناً وإنسانية، يقوم على التفاعل الخلاق بين الحضارات، ويؤسس لعصر جديد تكون فيه المعرفة جسراً للتفاهم لا أداة للسيطرة.

- خلاصة القول: يتضح من التحليل السابق أن الغرب يعيش مفترق طرق تاريخياً، حيث تواجه الليبرالية المعاصرة تحدياً بنيوياً يتمثل في التوفيق بين حماية الحريات الفردية والحفاظ على فضاء مفتوح للنقاش النقدي. فقد تحولت، في بعض تجلياتها، من مظلة تحمي التعددية إلى أداة قد تفرض نمطية فكرية جديدة، الأمر الذي يهدد جوهرها الإنساني.

وهكذا ندرك في هذا السياق التحليلي - النقدي كيف تحولت الليبرالية من فلسفة تحمي التعددية إلى إيديولوجيا تقنن الإقصاء، ومن درع لحرية التعبير إلى محكمة أخلاقية تصادر الاختلاف، تنكشف مفارقة الحداثة الغربية في أبهى صورها، إذ يدان الفكر باسم الفضيلة، ويحاصر النقد باسم العدالة، وتعاد صياغة الهيمنة الثقافية ببلاغة إنسانية ناعمة. عندها لا تغدو ثقافة الإلغاء دفاعاً عن الكرامة بقدر ما تصبح إعلاناً عن زمن يحتفى فيه بالصمت بوصفه حكمة، وبالامتثال بوصفه فضيلة، وبالإقصاء بوصفه شكلاً جديداً من أشكال التسامح.

غير أن هذا المأزق لا يعني أفول المشروع الليبرالي بالمطلق، بل يفتح المجال لإعادة مراجعته وتطويره بما يضمن اتساقه مع مبادئه الأصلية. وفي الوقت ذاته، فإن استمرار هذه التناقضات قد يسهم في بروز مراكز ثقافية بديلة في الشرق والجنوب العالمي، تعيد تشكيل الخريطة الفكرية الدولية على أسس أكثر عدلاً وتوازناً.

لكننا بالمقابل نجد أن الليبرالية الغربية تجاوزت حدود شعاراتها المزخرفة عن الحرية والتعددية، لتصبح اليوم آلة إقصاء ممنهجة، تصادر الاختلاف باسم الفضيلة، وتقتل النقاش باسم العدالة. الأزمة السياسية الراهنة أظهرت أن من يخالف السردية الرسمية لا يجرم فكرياً فحسب، بل يلغى اجتماعياً ومؤسساتياً، ويصل هذا الإقصاء إلى كل شخص يجرؤ على طرح رأي مختلف، حتى لك أنت كمثال حي على هشاشة الحرية المزعومة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد سوء تطبيق للقيم الليبرالية، بل انقلابها على ذاتها، لأن مؤسسات كانت حارسة للحقوق الإنسانية صارت أدوات لتكريس الهيمنة، والحرية التي يفترض أنها قيمة أساسية صارت امتيازاً مشروطاً. فمن يحيد عن الرواية الرسمية يحاصر، يسحب منه الدعم، ويسكت، بينما يكرم من ينسجم مع الأجندة السياسية. هذا الانقلاب يجعل من ثقافة الإلغاء سلاحاً سياسياً لا يقل خطورة عن أي قمع مباشر.

وبالتالي، فإن مستقبل الفكر والريادة الثقافية لن يحدد بعدد الجوائز أو سلطة المراكز الغربية، بل بقدرة المجتمعات على إنتاج فضاءات بديلة تحمي حرية التعبير، تعزز الاختلاف، وتعيد للمعرفة والإنسان قيمتهما الحقيقية. فالشرعية لن تقاس بالهيمنة أو القوة، بل بمدى قدرة الفكر على خدمة الإنسان وصون كرامته، بعيداً عن الإقصاء السياسي والفكري.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز
- التوازن النفسي في المجتمعات المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية ...
- التروما والوعي الإنساني (من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج الم ...
- علم الاجتماع نافذة تنويرية لفهم الذات والعالم
- أن تحمي إنسانيتك دون أن تفقد ذاتك ( رؤية تحليلية – نقدية في ...
- الانحدار الأخلاقي المعاصر (مقاربة سوسيولوجية نقدية لأزمة الق ...
- المنظّر السوسيولوجي وصناعة المعنى (من الرأي إلى فعل التنظير)
- قيم العمل بين الخطاب الأخلاقي والممارسات الاجتماعية في العال ...
- بين الفكرة والفعل جدل الفلسفة والتغيير
- الإيمان بالنفس وصناعة الوعي النفسي: قراءة نقدية لأطروحة علي ...
- وظائف النظرية السوسيولوجية بين التأسيس النظري والتطبيقات الم ...
- الأزمة الصامتة... كيف يعيد التفكك الأسري تشكيل البنية الاجتم ...
- أزمة التعليم أم أزمة إنتاج التفكير في المجتمعات العربية؟
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ...
- الشباب العربي كموضوع للمعرفة (قراءة سوسيولوجية في أنماط الاه ...
- الفرد السوي في المجتمع المريض قراءة نقدية للهوية والاغتراب ف ...
- الحقيقة المفقودة قراءة نقدية لمقولة علي الوردي الحقيقة بنت ا ...
- الحداثة المعاصرة في علم الاجتماع: أدوات التحليل السوسيولوجي ...
- نظرية الصراع الاجتماعي المحدثة: أدوات التحليل السوسيولوجي، م ...
- النظرية البنائية الوظيفية المحدثة: أدوات التحليل السوسيولوجي ...


المزيد.....




- وساطة إماراتية جديدة بين روسيا وأوكرانيا تنجح في إطلاق 350 أ ...
- بعد تصريحات ترامب.. الجيش الأمريكي يكشف عن بدء تطور عسكري في ...
- -مش حلب ولا إدلب-.. ما حقيقة الفيديو المنسوب لدمار واسع النط ...
- إيران تحذر: هناك أصوات تدعو لاغتيال مفاوضينا.. والوفود تستكم ...
- فوز ليفركوزن على دورتموند يُهدي بايرن فرصة ذهبية نحو اللقب
- الحرب في الشرق الأوسط: ما السيناريوهات المحتملة لإدارة مضيق ...
- إيران تسعى للتمسك بكامل حقوقها في مفاوضات إسلام آباد
- جدل بشأن شحنات صواريخ صينية محمولة على الكتف لإيران
- المسيّرات تشعل الخلاف.. أوكرانيا وإيران على حافة صدام مفتوح ...
- وُلدت بعد عناء.. هكذا أنهى قناص إسرائيلي حياة -ريتاج- على مق ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة الثقافية في عالم متغير