نبهان خريشه
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 12:46
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في لحظة تاريخية كثيفة بالتحولات، يتشكل في الفضاء العربي والإسلامي تيار فكري لا يمكن اختزاله بوصفه ظاهرة عابرة أو نخبوية محدودة التأثير، بل هو أقرب إلى حركة مراجعة معرفية عميقة تمس الأسس التي استقر عليها الوعي الديني والتاريخي عبر قرون طويلة. هذا التيار لا ينطلق من فراغ، بل من تراكم أسئلة مؤجلة، ومن شعور متزايد بأن كثيراً مما اعتُبر مسلّمات إنما هو نتاج سياقات بشرية قابلة للفحص والنقد. في هذا السياق، لم يعد النقل بوصفه سلطة معرفية مطلقة قادراً على احتكار الفهم، بل بات عرضة لمساءلة عقلية تتجاوز التلقي السلبي إلى الفحص النقدي، ومن التسليم إلى التفكيك.
هذا التحول لم يمر دون مقاومة. إذ يواجه هذا التيار اتهامات حادة من قبل أنصارالنقل السلفيين الذين يرون فيه تهديداً مباشراً لبنية الدين ذاته، ويصنفونه أحياناً ضمن مشاريع الهدم أو التغريب. غير أن قراءة متأنية لمضامين هذا التيار تكشف أنه لا يسعى إلى تقويض الدين بقدر ما يسعى إلى تحريره من طبقات تراكمت فوقه عبر التاريخ، وربما حجبت بعض معانيه أو أعادت تشكيله وفقاً لمصالح وسياقات لم تعد قائمة. هنا يتجلى جوهر الصدام: ليس بين إيمان وكفر، كما يُروَّج، بل بين نمطين من التفكير؛ أحدهما يرى في النقل سلطة نهائية، والآخر يعيد الاعتبار للعقل بوصفه أداة أصيلة في الفهم والتأويل.
وتتجلى ملامح هذه الحركة المعرفية الحداثية في إعادة مساءلة الأدوات المعرفية نفسها، فالحداثة الفكرية اليوم لا تكتفي بقراءة النصوص بروح عصرية، بل تذهب بعيداً نحو تفكيك "الآلة" التي أنتجت الفهم التقليدي. وبدلاً من التسليم المطلق بالروايات التي نقلها الأقدمون، يسعى الباحثون الحداثيون إلى وضع هذه الروايات في سياقها التاريخي والسياسي الصرف.
إن البحث في مدى تأثر الموروث الفقهي والحديثي بعوامل خارجية، سواء كانت ثقافات الأمم المفتوحة أو صراعات القصور الأموية والعباسية، يفتح الباب أمام حقيقة أن الكثير مما نعتبره "ديناً" هو في الواقع "تاريخ" بشري تم إضفاء القداسة عليه بمرور الزمن. فعندما نتأمل في نشأة المذاهب واختلافات الفقهاء، نجد أن البيئة الجغرافية والمصالح السياسية كانت تلعب دوراً محورياً في توجيه دفة "النقل"، مما يجعل من "العقل" ضرورة لا غنى عنها للتمييز بين الجوهر الإلهي الثابت وبين التأويل البشري المتغير.
إن الجرأة التي اتسم بها هذا التيار في تناول قضايا كانت إلى وقت قريب تعد من المحرمات الفكرية، تعكس تحولاً في بنية الوعي ذاته. فقد بات ممكناً اليوم إعادة طرح مسائل فقهية وكلامية كبرى، من قبيل طبيعة النص، وحدود التأويل، ومشروعية الاختلاف، دون أن يكون ذلك بالضرورة خروجاً على الدين. بل إن هذه الجرأة تستند إلى إرث إسلامي قديم كان فيه العقل حاضراً بقوة، كما في تجارب المعتزلة مثلا، قبل أن تتراجع مكانته لصالح نزعة نصية أكثر صرامة في عصور لاحقة.
وبدلاً من التسليم المطلق بروايات أهل النقل، يجري تفكيك هذه الروايات، والنظر في سياقاتها التاريخية والسياسية، والبحث في مدى تأثرها بعوامل خارجية. في هذا الإطار، تبرز نماذج من الطرح الذي تقدمه منصات بحثية حديثة مثل موقع "مجتمع للدراسات التاريخية والثقافية"، حيث يتم تناول قضايا التراث بمنهج يجمع بين التحليل الأكاديمي والوسائط الحديثة، بما يتيح الوصول إلى جمهور أوسع، ويكسر احتكار المؤسسات التقليدية للمعرفة.
موقع مجتمع (ومنصات ومواقع اخرى)، يتضمن دراسات ونقاشات فكرية مع مجموعه كبيرة من المفكرين، تعيد قراءة بعض الروايات التاريخية التي شكلت الوعي الجمعي للمسلمين، عبر تحليل بنيتها السردية، ومقارنة مصادرها، والكشف عن التحيزات التي قد تكون تسللت إليها. فالتاريخ هنا لا يُتعامل معه بوصفه مرآة شفافة للوقائع، بل كنص منتج، خاضع لشروط الكتابة والسلطة، ما يستدعي إعادة النظر في كثير من مسلّماته. هذا المنهج لا يهدف إلى نفي التاريخ، بل إلى تحريره من قدسيته الزائفة، وإعادته إلى مجاله الطبيعي بوصفه علماً إنسانياً قابلاً للنقد والمراجعة.
وفي السياق ذاته، يطرح هذا التيار ملف "الإسرائيليات" أو ما يمكن تسميته بالتلموديات في الفقه التراثي الإسلامي، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل. إذ يسعى بعض الباحثين إلى تتبع أصول بعض الأحكام أو التصورات الفقهية، والكشف عن مدى تأثرها بروايات يهودية أو تأويلات لاحقة تسربت إلى الفقه الإسلامي عبر قنوات متعددة. وقد تناولت بعض الدراسات المنشورة في "مجتمع" نماذج من هذه التأثيرات، من خلال تحليل نصوص تفسيرية وحديثية، ومقارنتها بمصادر يهودية قديمة، ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم مصادر المعرفة الدينية ذاتها.
هذا الطرح، رغم ما يثيره من حساسية، لا يستهدف التشكيك في الدين، بل في بعض ما أُلصق به عبر التاريخ. وهو ينسجم مع دعوة أوسع إلى إعادة بناء المنهجية التي يتم بها التعامل مع النصوص، سواء كانت قرآنية أو حديثية أو تاريخية. ففيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، يطرح هذا التيار فكرة العودة إلى اللسان العربي المبين في سياقه التاريخي الأصلي، بدلاً من الاعتماد الحصري على اللغة العربية المعاصرة، التي قد لا تكون قادرة على الإحاطة بدلالات النص في بيئته الأولى. هذا لا يعني رفض التراث اللغوي، بل مساءلته، والبحث عن أدوات أكثر دقة لفهم نص تأسيسي نزل في سياق لغوي وثقافي مختلف.
وقد قدمت بعض الدراسات المنشورة في عدد المواقع والمنصات الحداثية نماذج تطبيقية لهذا التوجه، من خلال تحليل مفردات قرآنية في ضوء استعمالاتها في الشعر الجاهلي، والنقوش القديمة، والمصادر اللغوية المبكرة، إلى جانب الاستفادة من مقاربات لسانية حديثة. هذا المنهج يفتح آفاقاً جديدة لفهم النص، ويحرره من بعض القيود التي فرضتها قراءات لاحقة قد لا تكون منسجمة مع سياقه الأصلي.
إن هذه المراجعات تقتحم أيضاً أسوار التاريخ الإسلامي بوصفه حقلاً للتجارب البشرية وليس فضاءً للمقدسات. والسؤال الجوهري الذي يطرحه التيار العقلاني اليوم هو: إلى أي مدى يمكننا الوثوق بموضوعية الروايات التاريخية التي شكلت وعينا؟ إن الكثير مما ندرسه كحقائق تاريخية كتب في ظل صراعات مذهبية وسياسية طاحنة، حيث كان "المؤرخ" غالباً ما يكتب تحت ظل سيف السلطان أو ضغط الانتماء للطائفة. ومن هنا، يبرز التعامل مع التاريخ بوصفه "نصاً منتجاً" وليس مجرد "نقل للوقائع"، حيث يتم فحص الدوافع والظروف التي أدت إلى تدوين حدث ما وإغفال حدث آخر.
وينسحب هذا النقد الجريء على عملية تدوين الحديث النبوي، وهي المنطقة الأكثر حساسية في الفكر الإسلامي. فالباحثون اليوم، وعبر منصات تحليلية وسياسية مثل "ساسة بوست"، يطرحون أسئلة عميقة حول الفجوة الزمنية بين قول النبي وبين تدوين هذا القول، وعن دورالسياسة في توجيه عملية الجمع والتوثيق. إن التساؤل عن سبب اعتماد رواة بعينهم وإقصاء آخرين، وعن أثر السلطة في تكريس أحاديث تخدم "طاعة ولي الأمر" مثلاً، يمثل قمة الصدام بين عقلانية تفكك البنى التحتية للموروث وبين سلفية ترى في مجرد السؤال "بدعة" وضلالة.
في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن الصراع القائم اليوم ليس مجرد خلاف فكري عابر، بل هو تعبير عن تحول عميق في بنية المعرفة الدينية في العالم الإسلامي. فبينما يتمسك أنصار النقل بسلطة الماضي بوصفها مرجعية نهائية، يسعى أنصار هذا التيار إلى إعادة فتح باب الاجتهاد، ليس فقط في الفروع، بل في الأصول ذاتها. وهذا لا يعني القطيعة مع التراث، بل إعادة قراءته بعين نقدية، تميز بين ما هو تاريخي وما هو ديني، بين ما هو ثابت وما هو متغير.
إن جرأة هذا التيار لا تكمن فقط في الأسئلة التي يطرحها، بل في المنهج الذي يعتمده، والذي يقوم على الجمع بين أدوات البحث الحديثة، والانفتاح على مناهج متعددة، من التاريخ إلى اللسانيات إلى علم الاجتماع. وهذا ما يمنحه قدرة على إعادة بناء المعرفة الدينية على أسس أكثر صلابة ومرونة في آن واحد. ومع ذلك، فإن مستقبل هذا التيار يبقى مفتوحاً على احتمالات متعددة. فهو من جهة يواجه مقاومة شديدة من المؤسسات التقليدية، ومن جهة أخرى يحتاج إلى تطوير أدواته، وتوسيع قاعدته الاجتماعية، حتى لا يبقى حبيس النخب. غير أن المؤكد أن الأسئلة التي أثارها لن تختفي، وأن تأثيره سيستمر في التوسع، ما دام يعبر عن حاجة حقيقية لإعادة التفكير في العلاقة بين الدين والتاريخ والعقل.
إن الصراع بين سلطة النقل وجرأة العقل ليس صراعاً على التفاصيل، بل هو صراع على "هوية المستقبل". هل سنبقى أسرى لرؤى تشكلت في عصور خلت لمواجهة تحديات لم تعد موجودة، أم سنمتلك الشجاعة لإعادة قراءة المصادر بأدوات عصرنا؟ إن التيار الحداثي الجديد، برغم كل حملات التشويه، يضع حجر الأساس لنهضة فكرية حقيقية تبدأ من "النقد الذاتي". إنه تيار يؤمن بأن القداسة للنص الإلهي وحده، أما الفهم البشري، والتدوين التاريخي، والتراكم الفقهي، فهي كلها منتجات إنسانية خاضعة للخطأ والصواب، وللتأثر بالمحيط، وللتوظيف السياسي.
واستعادة العقل لمكانته لا تعني التخلي عن الهوية، بل تعني تنقية هذه الهوية مما علق بها من أوهام وافتراءات وإسرائيليات وتوظيفات سلطوية، ليعود الدين كما بدأ: رسالة حرية، وتفكر، وبحث دائم عن الحقيقة في ملكوت السماوات والأرض. إنها رحلة من "التسليم" الذي يورث الركود، إلى "المساءلة" التي تولد الإبداع وتفتح آفاقاً جديدة للإنسان العربي والمسلم في القرن الحادي والعشرين.
#نبهان_خريشه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟