|
|
إيران وسورية وحزب الله ، تحالف طبيعى
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 09:45
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تثير العلاقات بين إيران وشركائها الإقليميين، مثل سوريا ( فى عهد بشار الأسد) وحزب الله في لبنان، جدلاً واسعاً وتفسيرات متباينة في المشهد العربي. فغالباً ما تُختزل هذه العلاقات المعقدة في اتهامات جاهزة أو شعارات طائفية، متجاهلةً الأبعاد التاريخية والاستراتيجية التي تشكل جوهر هذه التحالفات،و يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة متأنية لهذه العلاقات، لنوضح أنها تتأسس على تاريخ طويل من الدعم المتبادل والمصالح الاستراتيجية، يمكن فهمها بشكل أدق في سياق "العرفان" و"رد الجميل"، لا مجرد "هيمنة" أو "تبعية عمياء".
أولاً: إيران وسوريا، وفاء استراتيجي وتاريخ مشترك
عندما اندلعت الأزمة السورية في عام 2011 وتحولت إلى صراع مسلح، سارعت إيران إلى تقديم دعم حاسم للدولة السورية ونظام الرئيس بشار الأسد. ورغم أن هذا الدعم يُفسَّر أحياناً ضمن إطار مشروع توسعي أو طائفي، إلا أن هذا التفسير يتجاهل عاملاً تاريخياً محورياً يربط بين البلدين. فقد كانت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) لحظة مفصلية في تشكيل الوعي السياسي الإيراني. ففي تلك الحرب الطويلة، التي حظي فيها العراق بدعم واسع من قوى إقليمية ودولية، وجدت إيران نفسها في عزلة شبه تامة على الصعيد العربي. في هذا السياق، برز موقف استثنائي من سوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد، الذي كان الوحيد تقريباً بين القادة العرب الذي وقف إلى جانب إيران سياسياً وإعلامياً، وقدم لها دعماً مباشراً وغير مباشر. وتجلّى الدعم السوري لإيران في عدة أشكال حاسمة: من بينها إغلاق خط أنابيب كركوك-بانياس (أبريل 1982):حيث قامت سوريا بإغلاق هذا الخط الحيوي الذي كان ينقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط، مما حرم العراق من حوالي نصف صادراته النفطية آنذاك، وشكل ضربة اقتصادية قوية لنظام صدام حسين. كذلك قدمت سورية الدعم العسكري واللوجستي، حيث زودت سوريا إيران بصواريخ "سكود" (Scud) التي استخدمتها طهران في "حرب المدن" للرد على القصف العراقي، كما قدمت تدريبات عسكرية وخبرات فنية. بالاضافة للدعم السياسي والدبلوماسي:حيث كانت سوريا، إلى جانب ليبيا، الدولة العربية الوحيدة التي عارضت الإجماع العربي ضد إيران في الجامعة العربية، مما وفر لإيران غطاءً سياسياً ودبلوماسياً مهماً. كما استقبلت المستشفيات السورية آلاف الجرحى الإيرانيين خلال سنوات الحرب، مما عكس عمق التضامن بين البلدين.
لم يكن هذا الموقف تفصيلاً عابراً في الذاكرة الإيرانية، بل تحول إلى رصيد استراتيجي وأخلاقي. وعندما واجهت الدولة السورية خطر السقوط بعد عام 2011، لم تنظر طهران إلى المسألة باعتبارها مجرد أزمة إقليمية، بل كاختبار لوفاء تاريخي ومصلحة استراتيجية. فالدفاع عن سوريا لم يكن فقط رد جميل لحليف قديم وقف معها في لحظة عزلة وجودية، بل كان أيضاً دفاعاً عن عمق استراتيجي لإيران في المنطقة، وعن خطوط إمداد حيوية لمحور المقاومة.
ثانياً: حزب الله وإيران، علاقة تأسيس ودعم متبادل
فحزب الله يقدم في كثير من الخطابات الإعلامية والسياسية العربية باعتباره "ذراعاً إيرانية"، في محاولة لتبسيط علاقته بطهران كعلاقة تبعية أحادية الاتجاه. غير أن العودة إلى السياق التاريخي لنشأة الحزب تُظهر صورة مختلفة تماماً، تتسم بالدعم التأسيسي والشراكة الاستراتيجية. فقد كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وما تلاه من احتلال للعاصمة بيروت والجنوب اللبناني، هو المحفز الأساسي لنشوء حركات مقاومة جديدة في لبنان، خاصة بعد انسحاب وتراجع أو إنهاك قوى المقاومة التقليدية، في تلك اللحظة الحرجة، دعمت إيران نشوء هذه الحركات، وقدمت لها التمويل والتدريب والخبرات، وكان حزب الله في طليعتها. ولم يقتصر الدعم الإيراني على الجانب العسكري فحسب، بل شمل أيضاً بناء مؤسسات اجتماعية وصحية وتعليمية، مما مكن الحزب من الاندماج في النسيج الاجتماعي لبيئته وتوفير الخدمات الأساسية للمجتمع. هذا الدعم التأسيسي كان عنصراً حاسماً في بناء قدرات الحزب، التي مكنته لاحقاً من تحقيق إنجازات مهمة، أبرزها إجبار إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، والصمود في حرب تموز 2006.
إذن، العلاقة بين حزب الله وإيران لا تبدأ من "الولاء" بالمعنى الطائفى التبعي، بل من الدعم التأسيسي الذي أوجد الحزب ومكنه من تحقيق أهدافه. ومن الطبيعي، في منطق السياسة والتاريخ، أن تنشأ بين الطرفين علاقة تحالف وثيق تقوم على المصالح المشتركة والأهداف المتقاربة في مواجهة التحديات الإقليمية.
لذا فإن فهم التحالفات بين إيران وسوريا وحزب الله يتطلب تجاوز التفسيرات الأحادية التي تركز إما على الطائفية أو التبعية. فالحقيقة تكمن في تداخل عميق بين "العرفان" التاريخي و"المصالح الاستراتيجية" المتبادلة: فإيران دعمت سوريا، لأن سوريا وقفت معها في حرب وجودية سابقة، ولأن بقاء سوريا كحليف يمثل عمقاً استراتيجياً حيوياً لإيران في مواجهة المشاريع الإقليمية والدولية. كما أن حزب الله يدعم إيران حاليا لأن إيران كانت شريكاً أساسياً في نشأته وبناء قدرات، ولأن استمرار هذا التحالف يضمن له الدعم اللازم لمواجهة التهديدات الإسرائيلية والحفاظ على دوره كقوة مقاومة.
بالتالي، نحن أمام شبكة علاقات معقدة ومتشابكة، تقوم على التاريخ المشترك، الدعم المتبادل، وتلاقي المصالح الاستراتيجية في منطقة مضطربة. هذه التحالفات ليست مجرد "اصطفاف أعمى" أو "تبعية"، بل هي نتاج حسابات سياسية عميقة، ووفاء لتضحيات سابقة، وسعي لتحقيق أهداف مشتركة في ظل تحديات جيوسياسية متغيرة.
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحقبة الرومانية فى مصر،،
-
التطبيع مع الخليج !!
-
التطريب السياسى !!
-
مصر الرومانية !!
-
قانون إعدام الأسرى ، أين الضفة والداخل !؟
-
القداسة الدينية !!
-
الشهيدة حميدة خليل
-
من غزة الى طهران !!
-
دماء الصغار فى رقبة من!؟
-
لاهوت الدم،،
-
تكنولوجيا القتل،،
-
لا للإحباط أو اليأس ،،
-
انتقاد موقف المصريين من أزمة الخليج !!
-
إقتصاديات رفع الأسعار ،،،
-
حرب ثيوقراطية !!
-
إيران بين الديموقراطية، والتطرف !!
-
المؤامرات الغربية لاتتوقف؟
-
عمران خان ،،
-
ضحايا القصف على ايران
-
حرب عبثية
المزيد.....
-
رجال المقاومة الإسلامية في لبنان يستهدفون عند السّاعة 08:00
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف -بعد إلتزامها بوقف إطلاق
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان: هذا الرد سيستمرّ إلى أن يتوقّف
...
-
حجة الإسلام -إيجئي- :الشهيد خرازي لم يحيد في جميع المناصب عن
...
-
حجة الإسلام -إيجئي-: الشهيد #خرازي في فترة قيادته للدبلوماسي
...
-
التلفزيون الإيراني: المرشد الأعلى يعلن نصر البلاد في بيان جد
...
-
قائد الثورة الاسلامية: إيران عازمة على الثأر لقائدها الشهيد
...
-
قائد الثورة الاسلامية: إيران تعتبر جميع جبهات المقاومة كيانا
...
-
قائد الثورة الاسلامية: الأفق الذي ينتظر الشعب الإيراني يبشر
...
-
قائد الثورة الاسلامية: ندعو أن ننتصر على العدو سواء في المفا
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|