أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - حرب المهووسين فوق أنقاض العالم














المزيد.....

حرب المهووسين فوق أنقاض العالم


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 09:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العالم لا يُدار اليوم بعقول سياسية متزنة، بل بإرادات متضخمة تبحث عن إشباع ذاتها، ولو على حساب تدمير ما تبقى من توازن. هذه ليست مبالغة بل توصيف لمرحلة، حيث لم تعد الحرب استثناءً في السياسة، بل امتدادًا لاختلالها.
الحرب الجارية لم تكن مجرد صراع عابر في سجل النزاعات الدولية، بل بدت كواحدة من أكثر الحروب غرابةً وقذارةً في التاريخ الحديث، لا لأنها فقط تُدار بأدوات تدمير غير مسبوقة، بل لأنها تُقاد بعقليات مأزومة، تتقاطع فيها نزعات الهيمنة مع اختلالات نفسية وسياسية عميقة. في ذروتها، لم تكن سوى مواجهة بين أنظمة مأزومة في بنيتها، مأهولة بقيادات تتصرف وكأنها تعالج أزماتها الداخلية عبر إشعال العالم من حولها؛ من دونالد ترامب إلى بنيامين نتنياهو، إلى قادة إيران، وبعض الأنظمة العربية السنية، وصولًا إلى فلاديمير بوتين.
بدا المشهد أقرب إلى صراع إرادات مريضة منه إلى توازنات سياسية عقلانية، وكأن العالم أُحيل إلى عيادة مفتوحة، لكن المرضى هم من يديرونها، ويكتبون وصفات الحرب بأنفسهم. وهنا تكمن المفارقة، لم تعد المشكلة في وجود الحروب، بل في طبيعة من يقررونها.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن هذه الحرب لم تكن انعكاسًا لجنون السلطة فحسب، بل مرآة لوباء نفسي أوسع، تسلّل إلى قطاعات من المجتمعات نفسها، حيث لم يعد العنف يُرفض بقدر ما يُعاد تفسيره، ولم تعد الكارثة تُدان بقدر ما يُعاد تبريرها إن أصابت “الآخر”. وهنا تتحول المجتمعات من ضحايا إلى شركاء صامتين في إنتاج المأساة، لا بدافع القناعة دائمًا، بل أحيانًا بدافع التكيّف مع واقع فقد معاييره.
إسرائيل، في هذا السياق، لم تكن تخفي ارتياحها الضمني لمشهد الاستنزاف المتبادل، فهي تدرك أن كل ضربة لا تُضعف إيران وحدها، بل تُفكك ما تبقى من بنية إقليمية مأزومة أصلًا. إنها لحظة نادرة في الحسابات الاستراتيجية، حيث تتحقق الأهداف ليس عبر القوة المباشرة فقط، بل عبر ترك الخصوم يستهلكون أنفسهم.
في المقابل، بدت الأنظمة السنية في المنطقة، العربية والتركية، وكأنها تراقب المشهد بحذر بارد، تدرك مخاطره، لكنها لا تخفي ارتياحها لتآكل خصمها الإقليمي. وهنا يتداخل السياسي بالتاريخي، حيث لا يُدار الصراع فقط وفق حسابات اللحظة، بل وفق تراكمات طويلة من التوترات المذهبية والذاكرة غير المحسومة.
أما القيادات الشيعية، وفي مقدمتها إيران، فقد تعاملت مع الصراع بوصفه امتدادًا لسردية تاريخية مركبة، تختلط فيها الرمزية الدينية بالحنين الإمبراطوري. وهنا يتحول الصراع من كونه نزاعًا سياسيًا إلى محاولة لإعادة تعريف المكانة والدور، ولو عبر أدوات مدمرة.
الولايات المتحدة، وتحديدًا إدارة دونالد ترامب، بدت وكأنها تعيد تعريف أدوات الهيمنة، بالانتقال من الاقتصاد إلى القوة المباشرة، حين لم تعد أدوات الضغط التقليدية كافية لتحقيق الأهداف. هذا التحول لا يعكس فقط سياسة خارجية، بل يكشف عن أزمة أعمق في تصور الدور الأمريكي ذاته.
روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، رأت في هذا التصعيد فرصة لإعادة ترتيب التوازنات الدولية، مستفيدة من انشغال الغرب وتصدّع تحالفاته. في مثل هذه اللحظات، لا تتحرك القوى الكبرى بدافع الأخلاق، بل بدافع الفرص.

أما الصين، فقد التزمت صمتًا محسوبًا، مدركة أن الفوضى العالمية، رغم مخاطرها، تفتح أبوابًا اقتصادية واسعة. فالحروب لا تنتهي عند الدمار، بل تبدأ بعدها مرحلة إعادة البناء، وهي مرحلة لا تقل أهمية في حسابات القوى الصاعدة.
أوروبا، من جهتها، بدت الأكثر ارتباكًا، إذ وجدت نفسها بين كلفة الحرب وخطرها، دون امتلاك أدوات حاسمة للتأثير. فهي تدفع ثمنًا لا تملك قرارًا كاملًا في صناعته، وهي إحدى مفارقات النظام الدولي المعاصر.
هكذا، لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين دول، بل فضاءً مفتوحًا تتقاطع فيه العقد النفسية مع الحسابات السياسية، والتاريخ مع الحاضر، في مشهد يعكس أزمة أعمق من مجرد صراع جيوسياسي. إنها أزمة في فهم القوة، وفي تعريف الشرعية، وفي قدرة الإنسان على التمييز بين ما يمكن تبريره، وما يجب رفضه.
وربما الحقيقة الأكثر إزعاجًا ليست أن العالم يقترب من حافة الانهيار، بل أن كثيرين باتوا يتعاملون مع هذا الانهيار وكأنه مسار طبيعي، لا خلل يجب تصحيحه.
أما السؤال الذي يبقى معلّقًا، فهو ليس من سينتصر في هذه الحرب،
بل: كم من الخسارات ستُسمّى لاحقًا انتصارات، فقط لأن أحدهم امتلك القوة لكتابتها كذلك.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
7/4/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل كانت المسيّرات الإيرانية الشرارة الخفية للحرب الكبرى؟
- هل تريد إسرائيل حربًا أطول مما يحتمل ترامب؟
- ماذا لو أخطأ الطرفان في الحسابات وتحولت الحرب المحدودة إلى م ...
- ما الذي ينتظر القضية الكوردية في ظل صعود المشروع الإسلامي في ...
- المجلس الوطني الكوردي وقسد بين تمثيل الحقوق وإدارة الواقع ال ...
- سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد
- من تمثيل شعب إلى حضور شكلي، ماذا حدث؟
- هل تقود الحرب إلى التفاوض أم إلى إعادة رسم التوازنات؟
- الحلقة الثامنة، كوردستان أولًا، نحو ميثاق وطني فوق حزبي
- لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟
- هل يمكن أن تكون إيران موضوع صفقة كبرى بين القوى العظمى؟
- الحلقة السابعة، الواقعية السياسية لماذا لا يُصلَح الخطأ بخطأ ...
- سرّ الصمود الإيراني
- لماذا نقف مع بيان وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان؟
- الحلقة السادسة، لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الان ...
- الحلقة الخامسة، من يصنع نار الفتنة بين الأطراف الكوردستانية؟ ...
- اقتصاد إيران في عالم ما بعد خسارة الحرب
- الحلقة الرابعة، بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، خلاف سيا ...
- إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع
- صواريخ الشرق الأوسط وتريليونات الاقتصاد، حرب تهز العالم لكنه ...


المزيد.....




- قاليباف: لبنان جزء من الهدنة مع أمريكا.. -أخمدوا النار فورًا ...
- الهيئة العامة للطيران المدني توضح حقيقة استئناف الرحلات بمطا ...
- الجيش الإسرائيلي يصدر أمرا بإخلاء واسع النطاق في جنوب بيروت ...
- الكابينيت الإسرائيلي يصادق سرًّا على إنشاء 34 مستوطنة جديدة ...
- كيف يصنع الشباب اللبناني الأمل في زمن الحرب؟
- تقارير: رسائل ترامب ونتنياهو المتضاربة وضربات إيران حيدت الأ ...
- ماذا قالت الصحافة الإسرائيلية عن اتفاق وقف إطلاق النار بين ط ...
- ترصد نبضات القلب..ما هي -غوست مورمور- التي استخدمتها الاستخب ...
- ما الوضع الميداني في لبنان وجنوبه بعد الغارات الإسرائيلية ال ...
- آلاف الإيرانيين يحيون مرور أربعين يوما على رحيل آية الله علي ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - حرب المهووسين فوق أنقاض العالم