أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟















المزيد.....

2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 20:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تتساءل ديسمبر اليوم: لماذا تتحول القوة الاجتماعية إلى قدرة على شل النظام لا إلى قدرة على الحكم؟ هذا السؤال سبق أن طرحه السودانيون قبل ثلاثة وثلاثين عاماً، بنفس الحدة، وبنفس العجز، وبنفس النتيجة. لأن ديسمبر لم تكن بداية السؤال، بل كانت تكراره.

الأسئلة التي طرحها المقال التمهيدي ليست أسئلة ديسمبر وحدها. إنها الأسئلة نفسها التي طرحتها أبريل 1985، في سياق مختلف بالطبع، لكن تحت سقف البنية نفسها. هناك، كما هنا، توقفت القطارات عن الحركة. هناك، كما هنا، أضرب عمال النسيج والكهرباء والسكة الحديد. هناك، كما هنا، نزل الأطباء والمحامون والمدرسون إلى الشارع. هناك، كما هنا، أعلن الجيش انحيازه للجماهير في اللحظة الحاسمة، والتقط السلطة بدلاً منهم. هناك، كما هنا، وجدت الجماهير التي صنعت الانتفاضة نفسها خارج غرفة القرار، تتابع على شاشات التلفزيون كيف يُعاد ترتيب البيت الذي أحرقته.

هذا التكرار ليس مصادفة تاريخية، وليس مجرد سوء حظ يلاحق الحركة الثورية السودانية. إنه بنية. بنية أعادت إنتاج نفسها مراراً لأن الفصل بين القوة الاجتماعية والسلطة السياسية لم يُكسر في المرة الأولى. ولهذا، لفهم لماذا تظهر القوة أسرع مما تُبنى السلطة في ديسمبر 2018، يجب أن نفهم كيف تشكلت هذه المعادلة أول مرة في أبريل 1985. لأن البنية التي أنتجت أزمة 1985 لم تُحسم، بل أُعيد إنتاجها تحت مسميات مختلفة: مرة تحت راية "الانتقال الديمقراطي"، ومرة تحت راية "الإنقاذ الإسلامي"، ومرة تحت راية "الثورة الثالثة". كل مرة، تخرج الجماهير، وكل مرة، يعاد اختراقها.

الرأسمالية الطفيلية لم تنشأ مع البشير. ورثها البشير عن نميري، الذي ورثها بدوره عن نظام عبود الذي سبقه. وحين سقط نميري في أبريل 1985 دون أن تُمس هذه البنية، لم يكن ذلك إخفاقاً عرضياً يمكن ترميمه بانتخابات نزيهة أو بدستور أفضل. بل كان الدرس الأكثر أهمية الذي لم تتعلمه الحركة الثورية السودانية قبل ديسمبر. لأن ما سقط في أبريل كان رجلاً، وليس نظاماً. وما بقي كان علاقات الإنتاج نفسها، وتبعية الاقتصاد نفسها، وهشاشة الدولة نفسها. وهذا البقاء هو ما أنتج، بعد أربع سنوات فقط، انقلاب 1989 وصعود الإسلاميين إلى السلطة. لم تأت الإنقاذ من فراغ؛ جاءت لتملأ الفراغ الذي تركته انتفاضة لم تستطع تحويل قوتها إلى سلطة.

هذه السلسلة إذن ليست تأريخاً لانتفاضة 1985، ولا هي استعادة حنين لأمجاد مضت. هي تشريح لسؤال لا يزال حياً يضرب في صدر كل محاولة تغيير في السودان: لماذا تنتج الأزمة البنيوية قوة اجتماعية تكفي لإسقاط الديكتاتور، لكنها لا تكفي لبناء سلطة جديدة؟ والإجابة على هذا السؤال لا توجد في ديسمبر وحده، لأن ديسمبر لم يختبر بعد – أو لم يختبر بالكامل – ما حدث بعد أبريل. لكننا نعرف ما حدث بعد أبريل: الانتقال العسكري، الانتخابات البرلمانية الهشة، عودة المدنيين إلى الحكم دون أن يعود إليهم القرار، ثم الانقلاب الذي محى كل شيء. هذه الدورة الكاملة، التي استغرقت أربع سنوات فقط، هي المختبر الحقيقي لفهم لماذا تفشل الانتفاضات في الأطراف الرأسمالية في تحويل نفسها إلى ثورات ناجزة.

ما الذي يجعل 1985 مختبراً أفضل من 2019 لفهم هذه المعضلة؟ ثلاثة عناصر جوهرية، لا يمكن تجاوزها.

أولاً: المسافة الزمنية الكاملة. نحن اليوم نستطيع أن نرى ما آلت إليه انتفاضة أبريل 1985 من بدايتها إلى نهايتها، من الإضراب الأول إلى المجلس العسكري، من الانتخابات إلى الانقلاب، من الديمقراطية القصيرة إلى عقود من من حكم الإنقاذ. هذه الدورة المكتملة تكشف ما لا تستطيع لحظة ديسمبر أن تكشفه بعد: كيف يتحول الفراغ الثوري تدريجياً إلى هيمنة جديدة، وكيف تُعاد إنتاج البنية القديمة تحت قناع التغيير، وكيف يصبح "الانتقال" اسماً لاستمرار الأزمة لا لحلها. ديسمبر لا يزال مفتوحاً على احتمالاته؛ أما أبريل فقد انتهى وأعطى حكمه.

ثانياً: الوضوح الطبقي للقوى الاجتماعية. كانت الحركة النقابية في 1985 أكثر تنظيماً وأوضح هوية طبقية مما صارت عليه في 2019. ففي 1985، كانت البروليتاريا الصناعية لا تزال تشكل فاعلاً مركزياً: عمال السكة الحديد، عمال النسيج، عمال الكهرباء، عمال الموانئ. كانوا يملكون وعياً بموقعهم الاستراتيجي، وكانوا يملكون أدوات تنظيمية (نقابات قوية، حزب شيوعي في ذروة حضوره) تترجم هذا الوعي إلى فعل. في 2019، بعد عقود من سياسات صندوق النقد التي فككت القطاع العام وشردت العمال وأضعفت النقابات، أصبحت الصورة أكثر ضبابية. تحليل مواقع القوى الاجتماعية في 1985 هو إذن تحليل لحالة "نقية" نسبياً، حيث يمكن قراءة التناقضات الطبقية بوضوح قبل أن تتداخل وتتشابك.

ثالثاً: الدرس التنظيمي التأسيسي. الحزب الشيوعي السوداني كان في ذروة حضوره التنظيمي في 1985. كان يمتلك شبكة نقابية واسعة، وقيادات ميدانية، وخطاباً سياسياً واضحاً، وتاريخاً نضالياً طويلاً. ومع ذلك، فشل في ترجمة كل هذا الحضور إلى سلطة. هذا الفشل ليس مجرد نكسة تاريخية؛ إنه الدرس النظري الأهم لكل نقاش حول الحزب الثوري في السودان والعالم العربي. لماذا فشل الحزب الأكثر تنظيماً في اللحظة الأكثر ملاءمة؟ هل بسبب القمع؟ لا، القمع كان موجوداً دائماً. هل بسبب الخيانة؟ لا، القيادة لم تتفق مع نميري سراً. بل بسبب غياب نظرية السلطة المزدوجة، وغياب البرنامج الانتقالي الذي يربط إسقاط الديكتاتور باقتلاع علاقات الإنتاج، وغياب الجرأة على تحويل النقابات إلى هيئات حكم. هذا الدرس، لو فُهم جيداً، لكان غيّر مسار ديسمبر 2018.

المقال التالي يبدأ من السؤال المحوري الذي لم تستطع الانتفاضتان الإجابة عليه: من كان في الشارع؟ ليس بمعنى من احتج، بل بمعنى من كان يملك القوة الاجتماعية الفعلية – القدرة على شل النظام وقطع شرايينه – ومن كان يملك فقط الحضور والتضحية بالجسد. لأن الفصل بين الاثنين هو ما يفسر كيف انتهت انتفاضة 1985 حيث انتهت، وكيف بدأت انتفاضة 2019 حيث بدأت، وكيف ستنتهي – ما لم يُكسر الفصل هذه المرة – حيث انتهت سابقتها. قبل أن ننتقل إلى تشريح الطبقات، يجب أن نكون واضحين: القضية ليست أخلاقية، ليست "خيانة" وليست "ضعف قيادة". القضية بنيوية: من كان يملك السلاح الاستراتيجي (تعطيل الإنتاج)، ومن كان يملك فقط السلاح التعبوي (الجسد في الشارع). التفاوت بين الاثنين هو التفاوت بين إسقاط ديكتاتور وبناء سلطة جديدة.

"كل ثورة تنتهي عند حدود وعيها بالسلطة، لا عند حدود شجاعتها في الشارع."

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتفاضة مارس أبريل 1985– قراءة ماركسية جذرية 1. الجذور الاقت ...
- 25. ما بعد المقالات: نحو ممارسة ثورية جديدة
- 24. الربيع العربي كحرب طبقية مؤجلة: دروس الاستراتيجية الثوري ...
- 23. ما بعد الانتفاضات: شروط بناء كتلة تاريخية قادرة على كسر ...
- 22. من الشارع إلى الفراغ: أزمة المشروع الطبقي في الربيع العر ...
- 21. نحو ماركسية عربية معاصرة: استعادة التحليل الطبقي في زمن ...
- 20. من الاقتصاد غير الرسمي إلى التنظيم الثوري: معركة الطبقات ...
- 19. البيئة والصراع الطبقي: النضالات البيئية كصراع على الموار ...
- 18. الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي: صناعة الوعي الطبقي وال ...
- 17. الإسلام السياسي كظاهرة طبقية: التحالفات الاجتماعية والاق ...
- 16. الجندر والثورة في السياق العربي: النسوية بين المطالب الط ...
- 15. التبعية والهيمنة الإقليمية: الخليج، الغرب، وإعادة إنتاج ...
- 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الر ...
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...


المزيد.....




- -حزب الله- يطلق صواريخ باتجاه إسرائيل في أول هجوم منذ وقف إط ...
- الجيش الإسرائيلي: سنواصل قتال -حزب الله- في لبنان
- -أتفهم شعوره بخيبة الأمل-.. ماذا قال أمين عام -الناتو- لـCNN ...
- غارات إسرائيلية على لبنان تخلف ما لا يقل عن 182 قتيلا وتضع ا ...
- هدوء فوق إيران ودماء في لبنان.. -وحدة الساحات- أمام اختبارها ...
- -ميمز- وألعاب فيديو: أدوات غير تقليدية في حرب أمريكا على إير ...
- من قرر الحرب على إيران.. ترمب أم نتنياهو؟
- يوم من وقف إطلاق النار.. ما أبرز تطورات هدنة حرب إيران؟
- ماكرون لترمب وبزشكيان: وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان ليك ...
- أمريكا وإيران تعلنان الانتصار.. كيف صنع كل طرف سرديته بعد 40 ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟