أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وليد الأسطل - الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جديدة؟















المزيد.....

الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جديدة؟


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 19:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يبدو أن العالم يسير في اتجاه مقلق، حيث تتراجع الديمقراطية خطوة بعد أخرى، بينما تزداد قوة النزعات السلطوية. لم يعد الأمر مجرد تحولات سياسية معزولة، وإنما أصبح نمطا عالميا يتجلى في صعود القوميات، وتآكل الحريات العامة، وتراجع قدرة المؤسسات على ضبط السلطة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام انعطافة تاريخية طويلة الأمد، أم مجرد مرحلة عابرة يمكن تجاوزها؟

في هذا السياق، يتجدد صدى تحذيرات حول طبيعة التحولات الديمقراطية عبر الزمن، إذ يشير بعض منظّري السياسة إلى أن مسارات التوسع الديمقراطي ليست خطية، وإنما قد تتعرض لارتدادات دورية. وهذا ما يفتح تساؤلا حادا: هل نعيش اليوم لحظة ارتداد تاريخية ثالثة تعيد تشكيل النظام العالمي؟ وقد تناول صامويل هنتنغتون هذه الفكرة في تحليله لما أسماه "موجات الديمقراطية".

في السنوات الأخيرة، تكاثرت المؤشرات التي توحي بأن الديمقراطية، وخاصة في صورتها الليبرالية، لم تعد في وضع مريح. صعود الحركات الشعبوية، توسّع التيارات المتطرفة، ووصولها إلى الحكم في عدة دول، كلها عوامل تعكس أزمة عميقة لا تقتصر على منطقة دون أخرى. حتى الدول التي كانت تُعتبر نماذج مستقرة لم تعد بمنأى عن هذا التحول.

ولا تتجلى هذه الأزمة فقط في تراجع الممارسات الديمقراطية، ولكن في تحوّل أعمق يمس جوهرها القيمي، حيث يمكن أن تستمر الانتخابات شكليا في العمل بينما تتآكل القيم الليبرالية التي تمنحها معناها. وهو ما يفتح الباب أمام أنظمة تُنتخب ديمقراطيا وتُحكم سلطويا، كما يحذر ياشا مونك في حديثه عن "أزمة الديمقراطية الليبرالية".

لا يقتصر الأمر الأكثر إثارة للقلق على تراجع عدد الأنظمة الديمقراطية، وإنما يشمل أيضا انكماش الفضاء الذي تعيش فيه الشعوب ضمن أنظمة تضمن حقوقها الأساسية. فبعد عقود من التوسع الديمقراطي الذي أعقب سبعينيات القرن الماضي، يبدو أن كثيرا من تلك المكاسب قد تآكلت تدريجيا، ولم يعد ما تحقق عبر موجات طويلة من التحول السياسي ثابتا كما كان يُعتقد.

ويُوصَف هذا الوضع أحيانا بحالة من "الركود الديمقراطي"، حيث تتباطأ عمليات التحول وتتزايد حالات التراجع، وهو توصيف يقدمه لاري دايموند، ويثير في الوقت نفسه تساؤلا عميقا حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار دون إصلاح جذري. ولا يحدث هذا التراجع بصورة فجائية، وإنما يتسلل ببطء؛ فالديمقراطيات لا تنهار دائما بانقلابات واضحة، وإنما قد تُفرغ من مضمونها تدريجيا، مع الحفاظ على شكلها الخارجي من انتخابات ومؤسسات ودساتير، بينما تفقد جوهرها المتمثل في استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وتكافؤ الفرص السياسية. يكمن الخطر في أن هذا التدهور يصبح أقل وضوحا وأكثر قابلية للتطبيع.

وفي هذا الإطار، يبرز نمط من الانهيار يتم عبر الأدوات القانونية والمؤسساتية نفسها، حين تُستخدم القواعد لإضعاف المنافسين بدل حمايتهم، وهو ما أشار إليه ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات في تحليلهما للانحدار الديمقراطي المعاصر.

ما نشهده اليوم هو تحول عام نحو تقليص المجال الديمقراطي. تتعرض حرية التعبير لضغوط متزايدة، وتواجه وسائل الإعلام قيودا مباشرة أو غير مباشرة، وتُهمّش المعارضة السياسية أو تُضعف. حتى العمليات الانتخابية لم تعد دائما تعكس إرادة حرة ومتساوية، رغم أنها تُعد حجر الأساس في أي نظام ديمقراطي.

وهنا يتجدد سؤال مركزي في أدبيات علم السياسة: متى تتحول الانتخابات إلى آلية شكلية تُستخدم لإضفاء الشرعية بدل أن تكون أداة حقيقية للمساءلة والتغيير؟

الأخطر أن هذا الاتجاه لم يعد مقتصرا على دول ذات تاريخ سلطوي، وإنما بدأ يطال دولا كانت تُعتبر معاقل للديمقراطية. في هذه الحالات، لا يكون التراجع مجرد انتكاسة، وإنما يتحول إلى تحول نوعي، لأنه يكسر افتراضا طويل الأمد بأن بعض الأنظمة محصّنة بطبيعتها.

وقد نُبّه إلى أن قوة المؤسسات لا تعتمد فقط على بنيتها الرسمية، وإنما أيضا على معايير غير مكتوبة مثل الثقة والالتزام بالقواعد، وهو ما يؤكد عليه فرانسيس فوكوياما في تحليله لطبيعة المؤسسات.

وإذا كان هذا التحول واسع النطاق، فإنه غير متجانس أيضا. فهناك دول تعمق فيها الاستبداد بشكل واضح، وأخرى تشهد تراجعا تدريجيا بعد فترات من الانفتاح، وثالثة تحافظ على توازن هش بين الديمقراطية والتسلط. غير أن القاسم المشترك بينها يتمثل في هشاشة متزايدة في البنية الديمقراطية.

وفي هذا السياق، يطرح سؤال محوري حول أسباب صمود بعض الديمقراطيات مقابل انهيار أخرى رغم تشابه الظروف الظاهرية، وهو تساؤل تناوله خوان لينز في دراساته حول استقرار الأنظمة.

من زاوية أخرى، لا يمكن فهم هذه التحولات دون النظر إلى السياق الاجتماعي والاقتصادي. الشعور بعدم المساواة، فقدان الثقة في النخب، والخوف من التغيرات السريعة، كلها عوامل تغذي الرغبة في "القيادة القوية" على حساب المؤسسات. بهذا المعنى، لا يظهر التراجع الديمقراطي كفرض قسري فقط، وإنما يظهر أحيانا كخيار يجد صدى لدى قطاعات من المجتمع.

وقد أظهرت بعض التحليلات أن القلق الاجتماعي والاقتصادي يعيد تشكيل أولويات الأفراد، حيث تتقدم الحاجة إلى الاستقرار على حساب قيم المشاركة والحرية، وهو ما يوضحه دان آشمور في دراساته.

مع ذلك، لا تبدو الصورة قاتمة بالكامل. يوضح التاريخ السياسي أن مسارات التراجع ليست حتمية، فقد استطاعت أنظمة عديدة انزلقت نحو السلطوية أن تعكس هذا المسار في مراحل لاحقة، غير أن ذلك لا يحدث تلقائيا ويتطلب شروطا دقيقة. فبقاء الديمقراطية يعتمد على توازن دقيق بين المؤسسات والفاعلين، حيث تقبل القوى السياسية قواعد اللعبة حتى عند الخسارة، كما يشير آدم برزيفورسكي.

يتمثل أول هذه الشروط في وجود مؤسسات قادرة على مقاومة التآكل، حتى في أضعف حالاتها. فالقضاء المستقل، والبرلمانات الفاعلة، والأطر القانونية المتماسكة، يمكن أن تشكل خطوط دفاع حاسمة. وقد أظهرت دراسات علم السياسة المقارن أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بنصوصها القانونية، وإنما بقدرتها الفعلية على فرض القيود على السلطة التنفيذية.

ويتعلق الشرط الثاني بحيوية المجتمع نفسه. حين تكون هناك قوى مدنية نشطة، وإعلام مستقل، ومعارضة قادرة على التنسيق، يصبح من الممكن إعادة فتح المجال السياسي. كما تلعب الاحتجاجات السلمية دورا محوريا عندما تتسع وتستمر، إذ يتحول الفعل الجماعي المنظم إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل قواعد السلطة، وهو ما تؤكده أبحاث تشارلز تيلي.

أما العامل الثالث فيرتبط بالزمن، إذ تشير التجارب إلى أن فرص التصحيح تكون أكبر في المراحل المبكرة من التراجع، قبل أن تترسخ التحولات وتصبح أكثر صعوبة في التفكيك.

وهذا يقود إلى تساؤل مركزي: متى تتحول الانحرافات المؤقتة إلى مسارات دائمة يصعب عكسها؟

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، وإنما لحظة اختبار حقيقية لفكرة الديمقراطية ذاتها. فبينما تميل موازين القوى عالميا نحو نماذج أكثر سلطوية، يبقى السؤال مفتوحا: هل تستطيع المجتمعات إعادة ابتكار أدواتها الديمقراطية، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة العلاقة بين السلطة والحرية؟

يبقى السؤال الأعمق في قلب علم السياسة المعاصر: هل الديمقراطية نموذج نهائي للحكم، أم مرحلة تاريخية قابلة للتطور أو التراجع؟ لم تُحسم الإجابة بعد، لكنها ستتحدد في السنوات القليلة القادمة، ليس فقط عبر ما تفعله الحكومات، وإنما أيضا عبر ما تختاره الشعوب. وفي هذا الاختيار يتجسد جوهر العملية السياسية كما يراها علماء السياسة: تفاعل مستمر بين المؤسسات، والأفكار، وإرادة الفاعلين داخل المجتمع.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات ...
- متاهة المعنى في رواية متاهة العدم العظيم: كتابة العدم وانفلا ...
- رواية أحلام آينشتاين.. آلان لايتمان
- حين تتحول الحرب إلى نبوءة: الدين والسياسة في الخطاب الأميركي ...
- الحياة حيث المقبرة.. بنين آل ماجد
- السرد بوصفه تجربة معرفية في المشروع الروائي لقويدر ميموني
- رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي
- مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي
- رواية متاهة الأرواح المنسية.. برهان شاوي
- ملعون أبوكي بلد.. سيد أحمد الحردلو
- رواية متاهة آدم.. برهان شاوي
- عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة
- نساء على الشاطئ.. عبد القادر شرابة
- الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري
- رواية كريستال أفريقيّ.. هيثم حسين
- قلق المعنى في روايات قويدر ميموني: دراسة مقارنة في ضوء الروا ...
- رواية الوعود اليتيمة.. جيل مارشان
- متاهة العميان: قراءة في الظلال والسلطة والوعي
- استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ
- رواية متاهة إبليس.. برهان شاوي


المزيد.....




- -حزب الله- يطلق صواريخ باتجاه إسرائيل في أول هجوم منذ وقف إط ...
- الجيش الإسرائيلي: سنواصل قتال -حزب الله- في لبنان
- -أتفهم شعوره بخيبة الأمل-.. ماذا قال أمين عام -الناتو- لـCNN ...
- غارات إسرائيلية على لبنان تخلف ما لا يقل عن 182 قتيلا وتضع ا ...
- هدوء فوق إيران ودماء في لبنان.. -وحدة الساحات- أمام اختبارها ...
- -ميمز- وألعاب فيديو: أدوات غير تقليدية في حرب أمريكا على إير ...
- من قرر الحرب على إيران.. ترمب أم نتنياهو؟
- يوم من وقف إطلاق النار.. ما أبرز تطورات هدنة حرب إيران؟
- ماكرون لترمب وبزشكيان: وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان ليك ...
- أمريكا وإيران تعلنان الانتصار.. كيف صنع كل طرف سرديته بعد 40 ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وليد الأسطل - الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جديدة؟