عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 16:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور / عبدالحكيم سليمان وادي
أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
على الرغم من المشهد المرعب الذي ترسمه تهديدات ترامب بـ"محو إيران في ليلة واحدة"، وعلى الرغم من أجواء "سيناريو القيامة" التي تخيم على المنطقة، يبقى هناك أمل حقيقي – وربما أكبر مما يظن الكثيرون – في التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب قبل فوات الأوان. هذا الأمل ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل هو قراءة واقعية لآليات عمل السياسة الدولية، ولمصالح جميع الأطراف، وللدروس التي علّمنا إياها التاريخ.
أولاً: لماذا التهديدات النووية غالباً لا تُنفذ؟
التاريخ يعلمنا أن التهديدات بـ"المحو الشامل" نادراً ما تُنفذ. منذ اختراع القنبلة النووية في 1945، استخدمت مرة واحدة فقط (في هيروشيما وناغازاكي)، ومنذ ذلك الحين، بقيت أداة تهديد وابتزاز، وليست أداة حرب فعلية.
لماذا تولدت هذه القناعة، لأن السلاح النووي، حين يُستخدم، ينهي كل شيء؛ لا ينهي العدو فقط، بل ينهي أيضاً قدرة من استخدمه على تحقيق أي أهداف سياسية؛ فما الفائدة من "محو إيران" إذا كانت النتيجة:
-عزلة أمريكية تامة عن العالم.
-انهيار كل التحالفات الأمريكية في المنطقة والعالم.
-اندلاع حرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها.
-ظهور إيران كـ"ضحية" في الرأي العام العالمي، وتحول المقاومة الإيرانية إلى أسطورة.
-فقدان أي مصداقية أخلاقية أو سياسية لأمريكا إلى الأبد.
الرجل البرتقالي/ترامب، بكل جنونيته الظاهرية، ليس أحمق، أنه يدرك أن "سلاح يوم القيامة" الذي يهدد به سيكون يوم القيامة السياسية والتغير من داخل أمريكا أيضاً، لذلك، فإن التهديد النووي في 99% من الحالات هو مجرد أداة ضغط قصوى، وليس خطة حرب حقيقية.
ثانياً: مؤشرات من الميدان تشير إلى أن الحرب تقترب من نهايتها، بل انتهت.
على الأرض، هناك مؤشرات حقيقية، رغم كل الدمار والتصعيد، أن الأطراف جميعها تبحث عن مخرج للنزول من فوق الشجرة:
المؤشر الأول: الإرهاق الإسرائيلي
بعد عامين من الحرب على قطاع غزة من اكتوبر 2023-إلى 10/اكتوبر2025، وأيضا حرب مفتوحة مع حزب الله، ومواجهة مباشرة مع إيران، في الحقيقة الجيش الإسرائيلي منهك؛ خسائره البشرية والمادية كبيرة؛ احتياطياته من الذخيرة والعتاد تستنزف؛ اقتصاده يعاني؛ المجتمع الإسرائيلي منقسم حول استمرار الحرب؛ حتى أشد المتشددين في حكومة نتنياهو يدركون أن "النصر المطلق" الذي وعدوا به النتن ياهو ليس موجوداً.
المؤشر الثاني: الصمود الإيراني المفاجئ.
الجميع توقع أن تنهار إيران تحت وطأة العقوبات والضربات، لكنها لم تنهار، وبالعكس، أظهرت قدرة على الرد والتكيف والصمود فاقت كل التوقعات. هذه الصدمة لدى واشنطن وتل أبيب تجعلهم يعيدون حساباتهم، إذا كانت إيران قادرة على تحمل كل هذا، فما فائدة الاستمرار في الحرب.
المؤشر الثالث: الضغوط الداخلية على ترامب.
يحلم الرجل البرتقالي/ترامب ،بـ"صفقة القرن" و"اتفاق العصر" و"جائزة نوبل للسلام لفتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحا قبل الحرب"، لا يريد أن يدخل التاريخ كرئيس أحرق المنطقة وقتل مئات الآلاف دون فائدة، حاشيته ومستشاروه (بمن فيهم المتشددون) يدركون أن الحرب المفتوحة مع إيران كارثة، هناك ضغوط هائلة على ترامب لإنهاء هذه الحرب بطريقة "منتصر" ولو صورياً (النصر الزائف).
المؤشر الرابع: الوساطات المكثفة خلف الكواليس
باكستان،،مصر،قطر، عُمان، تركيا، العراق، سويسرا، وحتى روسيا والصين، كلهم يعملون خلف الكواليس على صياغة اتفاق لوقف الحرب،هناك اتصالات شبه يومية بين طهران وواشنطن عبر قنوات سرية، الحديث ليس عن "إذا" توصلنا إلى اتفاق، بل عن "متى" وبأي شروط.
ثالثاً: ملامح الاتفاق المحتمل – كيف سيبدو "السلام" القادم.
أي اتفاق لوقف الحرب الاسرائيلية-الامريكيه على ايران،سيكون مؤلماً للجميع، لكنه أفضل من الاستمرار في الهاوية، وتتجلى ملامحه المتوقعة:
النقطة الأولى: وقف فوري لإطلاق النار
وساطة باكستانية-مصرية-خليجية، تؤدي إلى هدنة إنسانية فورية لمدة 60 يوماً ربما اقل وربما اكثر، تتحول إلى وقف دائم للحرب بعد التفاصيل والدخول في جولات أخرى من المفاوضات بين ايران وواشنطن.
النقطة الثانية: تجميد البرنامج النووي الإيراني.
ربما توافق إيران توافق على تجميد تخصيب اليورانيوم فوق مستوى معين،أو السماح لها بإنشاء مفاعل نووي مدني وليس عسكري يخضع للرقابة الدولية، والسماح بتفتيش موسع من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع جزء من العقوبات او كل العقوبات. ليس اتفاقاً كاملاً، بل "اتفاق مرحلي" يشبه خطة العمل المشتركة (JCPOA) لكن بشكل أخف.
النقطة الثالثة: انسحاب أمريكي محدود من المنطقة.
الرجل البرتقالي/ترامب يحتاج إلى اي "إنجاز" ليبيعه لجمهوره قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة . الانسحاب من قواعد معينة في العراق وسوريا، أو تقليص الوجود العسكري في الخليج، يمكن بيعه لأنصاره على أنه "عودة الأبطال إلى الديار" بعد النصر الزائف.
النقطة الرابعة: تعهد إيراني بعدم مهاجمة إسرائيل بشكل مباشر.
ربما إيران تلتزم بعدم شن هجوم مباشر على إسرائيل، وفي المقابل، إسرائيل تلتزم بعدم اغتيال قادة أو علماء إيرانيين أو ضرب منشآت نووية، هذا التهدئة ربما تكون غير معلنة وليست مكتوبة، لكنها ستكون مفهومة بين الطرفين.
النقطة الخامسة: إعادة إعمار غزة ولبنان
ربما تتعهد،قطر والسعودية والإمارات بتمويل إعادة إعمار غزة وجنوب لبنان، مقابل وقف فوري لإطلاق النار هناك، هذا هو "ثمن السلام" الذي ستدفعه دول الخليج لتجنب حريق إقليمي شامل، أو ترفض المساعدة بعض تعرضها للقصف الإيراني زمن الحرب.
رابعاً: العوائق التي تمنع الاتفاق اليوم (لكنها قابلة للتجاوز)
هناك عقبات حقيقية تمنع الاتفاق اليوم، لكنها ليست مستعصية:
العائق الأول: ثقة ترامب بتحقيق النصر الزائف.
الرجل البرتقالي/ترامب ،لا يزال يعتقد (أو يتظاهر بأنه يعتقد) أنه قادر على "تحقيق نصر كامل وسريع" دون حرب نووية، هذا الوهم سيتبدد تدريجياً عندما يرى أن إيران لا تنهار، ومازالت تستخدم مخزون صواريخها لقصف اسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة.
العائق الثاني: تشدد إيران المبدئي.
إيران بعد تعرضها للخيانة مرتين من طرف ترمب الذي قصفها في عام 2025,ثم عاد إشعال الحرب على ايران أثناء المفاوضات بتاريخ 28-2-2026,
لا تريد أن تظهر وكأنها "استسلمت" للمفاوضات الكاذبة، أو للتهديدات النووية ومسحها عن الخارطة، قد ترفض أي اتفاق مباشر مع أمريكا، ولكنها ستفضل اتفاقاً عبر وسيط (عمان، باكستان،قطر، العراق) للحفاظ على ماء الوجه والنزول عن الشجرة.
العائق الثالث: إسرائيل المتطرفة
المجرم/نتنياهو وحكومته المتطرفة يريدون استمرار الحرب على ايران ولبنان، ويعتقدون أن هذه فرصة تاريخية "لتصفية الملف الإيراني واللبناني للأبد"، ويعتبرون العقبة الأكبر أمام أي اتفاق، لكن واشنطن وتحديدا ترمب قادر على تجاهلهم وأخذ قرار سريع بوقف الحرب وايضاً الضغط على إسرائيل، خاصة إذا هدد بوقف المساعدات العسكرية والاقتصادية لاسرائيل.
العائق الرابع: الانقسام الفلسطيني الداخلي.
لا اتفاق إقليمياً شاملاً دون معالجة القضية الفلسطينية. استمرار حرب غزة والتهجير في الضفة يغذي المقاومة ويعطي إيران ورقة ضغط قوية، وبالتالي وقف الحرب في غزة ولبنان ربما يكون شرط أساسي لأي تهدئة إقليمية.
خامساً: لماذا الأمل أقوى من اليأس.
في لحظات كهذه، قد يبدو اليأس هو الخيار العقلاني، لكن الأمل له أسسه الواقعية:
أ- لأن لا أحد يريد حقاً حرباً شاملة وتحديدا ترامب لا يريدها،و إيران لا تريدها، وإسرائيل (اقصد العقلاء فيها) لا تريدها،أيضا روسيا والصين لا تريدانها، وأوروبا والخليج لا يريدانها، كل الأطراف تدرك أن الحرب الشاملة تعني خسارة الجميع، وهذه المعرفة المشتركة هي الأساس الوحيد لأي اتفاق.
ب- لأن الحروب تنتهي دائماً بالمفاوضات
حتى أكثر الحروب دموية في التاريخ (الحرب العالمية الأولى، الحرب العالمية الثانية، حرب فيتنام، حرب الخليج، حرب أوكرانيا) انتهت كلها بمفاوضات واتفاقات، وليس بـ"النصر المطلق" لأي طرف، وبالتالي الحرب الحالية لن تكون استثناءً لان الحرب يبدائها جندي وينهيها دبلوماسي.
ج- لأن ثمن الاستمرار أكبر من ثمن التسوية
كل يوم تمر الحرب يكلف الأطراف ثمناً باهظاً، أرواحاً، أموالاً، سمعة، مستقبلاً. في مرحلة ما، سيصبح ثمن التسوية (التنازلات المؤلمة) أقل من ثمن الاستمرار،هذه اللحظة قد تكون قريبة أكثر مما نتصور.
د-لأن الشعب الإيراني والشعب الأمريكي والمجتمع الإسرائيلي يتعبون من الحروب.
كل الحروب تنتهي عندما يتعب الناس، الشعب الإيراني يعاني عقوبات وحرب،الشعب الأمريكي لا يريد حرباً ثالثة في الشرق الأوسط، المجتمع الإسرائيلي منهك ومرهق، هذا التعب سيترجم إلى ضغوط داخلية على القادة لإنهاء الحرب رغم رغبة حكومة الاحتلال الاسرائيلي بإشعال المنطقة والضغط لاستمرار الحرب.
سادساً: يوم القيامة النووي لن يأتي.
تهديدات ترامب بـ"محو إيران في ليلة واحدة" هي أخطر ما صدر عن رئيس أمريكي منذ أزمة الصواريخ الكوبية، لكنها تبقى، في جوهرها، أداة ضغط وابتزاز، وليست خطة حرب حقيقية، وهناك أمل حقيقي ،بل هناك احتمالات كبيرة ،أن تنتهي هذه الأزمة في الشرق الأوسط (الحرب) باتفاق يتجنب "سيناريو القيامة".
وحسب وجهة نظري،السيناريو الأكثر ترجيحاً:
- ليلة الثلاثاء الموعد النهائي ستمر دون قيامة.
-ترامب يعلن "انتصاراً دبلوماسياً" بعد أن يحصل على تنازلات إيرانية (ولو شكلية).
-يبدأ وقف إطلاق النار تدريجياً.
-تبدأ مفاوضات جديدة حول الملف النووي.
-الحرب تتحول إلى أزمة باردة جديدة، لكنها لا تتحول إلى نهاية العالم.
ربما يتسألون هل هذا تفاؤل ساذج، لكن التاريخ يعلمنا أن البشر، حتى أكثرهم جنوناً، يميلون في النهاية إلى اختيار البقاء على الفناء. واستخدام سلاح القيامة تبقى في أفلام الخيال، والحياة تستمر على الأرض بتفاصيلها الصعبة والمعقدة.
نعم، الخطر حقيقي. نعم، التهديدات مرعبة. نعم، المنطقة على حافة الهاوية، لكن الهاوية ليست قدراً محتوماً، بل هناك أمل،وهناك عمل دبلوماسي خلف الكواليس، وهناك قوى عاقلة تمنع الأسوأ.
بالطبع ليلة الثلاثاء الموعد النهائي من خلال تهديدات ترمب بمسح ايران لن تكون ليلة القيامة، بل ستكون ليلة صاخبة بالتهديدات والتصريحات، لكنها ستنتهي دون ومضات نووية، ثم يعود الجميع إلى طاولة المفاوضات، لأن لا أحد يريد حقاً حرق منطقة الشرق الأوسط سوى اسرائيل لتصبح هي شرطيّ المنطقة لتحقق حلم نتن ياهو في بناء اسرائيل الكبرى،ورغم احتمال توقف الحرب بشكل نهائي لن تعود العلاقات بين دول الخليج العربي وإيران إلى طبيعتها بسبب ما تعرضت له هذه الدول من قصف إيراني.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟