|
|
حرب إيران والتحول الطاقي: مُحفّز أم عائق للتعادل المناخي الصفري؟
ماهر عزيز بدروس
(Maher Aziz)
الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 16:00
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أصدر مركز البيئة والتنمية للمنطقة العربية وأوربا CEDARE منذ أسابيع قليلة علي موقعه الالكتروني دراسة قيمة بعنوان: Iran War and the Energy Transition: [Accelerator´-or-Anchor on Net Zero]
وقد قمت بترجمتها إلي العربية لتعميم الفائدة للقراء الأعزاء.
ملخص تنفيذي :
تسببت الحرب الحالية في إيران في إحداث صدمة حادة في أمن الطاقة تركزت في منطقة الخليج ومضيق هرمز، الذي يعد أحد أكثر نقاط الاختناق حرجاً في العالم لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال. وتشير التقارير إلى ارتفاع مخاطر الانقطاع وقفزات في الأسعار مرتبطة بالتهديدات التي تواجه الشحن, وتواجه هياكل البنية الأساسية الإقليمية للطاقة (تايم، 2026).
توجد وجهتا نظر في هذا الصدد:
1 - الأولى : ترى أن هذه الصدمة قد تدفع الحكومات والشركات إلى "مضاعفة الجهود" لتحقيق التعادل المناخي الصفري، لأن الطاقة المتجددة تقلل من التعرض لتدفقات الوقود المعرضة للمخاطر الجيوسياسية (ذا تيليغراف، 2026).
2 - الثانية : ترى أن الحرب والتشرذم الجيوسياسي قد يعوقان عملية التحول الطاقي من خلال تقويض ثقة المستثمرين، وتقييد سلاسل إمداد المعادن النادرة والمكونات الحرجة، ورفع تكاليف التمويل، وتشتيت انتباه الدول نحو إدارة الأزمات قصيرة المدى بدلاً من التخطيط طويل المدى لإزالة الكربون.
يجادل هذا المقال بأن كلا الطرحين يمكن أن يكونا صحيحين في آن واحد؛ فصدمة الحرب الإيرانية قد تسررع وقد تعووق تحول الطاقة في الوقت ذاته، فهي تعزز الحجة الداعية للتعادل المناخي الصفري كوسيلة لتقليل الاعتماد على التدفقات المتقلبة للوقود الأحفوري، كما أنها قد تقوض الاستقرار وثقة المستثمرين وتدفق سلاسل الإمداد التي يتطلبها التحول.
مقدمة
الحق إن تسارع أو تباطؤ التعادل المناخي الصفري يعتمد على ما يلي :
1 - مدة الاضطرابات العالمية وكثافتها. 2 - كيفية استجابة السياسات لقفزات الأسعار، وهل تسرع نحو طفرة في الاستثمار النظيف ، أم تبقي رهينة للوقود الأحفوري. 3 - مدى استباقية الحكومات لتأمين المعادن النادرة، وبناء "الاقتصاد الدوار" في إعادة التدوير، وإعادة الاستخدام، والتعدين الحضري، لتقليل ضعف الإمدادات.
وفي المنطقة العربية قد يجني المصدرون - مع توسيع الحرب للفجوة بين الدول المصدرة والدول المستوردة - إيرادات قصيرة الأجل، لكنهم يواجهون مخاطر تشغيلية ولوجستية أعلى، بينما يواجه المستوردون مخاطر في ميزان المدفوعات، وتضخماً في الأسعار، وضغوطا على الدعم؛ في الوقت الذي تختبر فيه الحرب خطط التنويع الاقتصادي، حيث تعتمد ثقة المستثمرين في السياحة واللوجستيات وهياكل البنية الأساسية الرقمية على مظهر "الملاذ الآمن" المستقر، الذي يمكنه أن يقوض عدم الاستقرار. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يتسارع التحول إذا حولت حكومات دول الحرب الصدمة إلى تغيير هيكلي، من خلال توسيع نطاق الطاقة المتجددة، والشبكات، والتخزين، وكفاءة الطاقة.
1 - السياق : لماذا تهم حرب إيران مسارات التحول الطاقي ؟
1-1 مضيق هرمز "نقطة خنق" :
يوصف مضيق هرمز على نطاق واسع بأنه نقطة اختناق بحرية رئيسية لتجارة الطاقة العالمية؛ وقد رُبطت المخاوف من الاختناق، والانخفاض الفعلي في الشحن، بارتفاع أسعار النفط والغاز، والتأثيرات التجارية الأوسع (تايم، 2026).
وتؤكد التقارير على تقلبات السوق، والتداعيات على الاقتصاد الحقيقي، مثل تكاليف التأمين، وطرق التحويل، وأسعار الشحن، ما يرفع فاتورة استيراد الطاقة، ويكثف الضغوط السياسية لاستجابات "أمن الطاقة" (ذا غارديان، 2026).
2-1 التحول الطاقي لا يقتصر على إنتاج الطاقة بل يمتد إلي المواد النادرة والشبكات والتمويل :
فتعتمد مسارات التحول الطاقي الحديثة نحو التعادل المناخي الصفري بشكل كثيف على المعادن النادرة، وهياكل البنية الأساسية. وتشير الوكالة الدولية للطاقة (2024 ,IEA) إلى أن المعادن النادرة ضرورية لتقنيات الطاقة النظيفة، وأن سلاسل الإمداد تواجه اختناقات ومخاوف جيوسياسية، كما يبرز برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) مركزية المعادن النادرة كالنحاس، والليثيوم، والنيكل، والكوبالت، إلخ للطاقة المتجددة والكهرباء، مع احتمال زيادة الطلب بشكل هائل في العقود القادمة (UNEP, 2025). ويعني هذا أن الصدمات الجيوسياسية، مثل حرب إيران واضطراباتها، يمكن أن تدفع التحول عبر أسعار الطاقة، ولكنها تعوقه في الوقت ذاته من خلال نقص المواد وسلاسل الإمداد.
2 - أطروحة "المُحفّز" : كيف يمكن للحرب أن تدفع التحول الطاقي والتعادل المناخي الصفري ؟
يحلل هذا القسم المنطق المؤيد للتحول، المتمثل في إطار "التعادل المناخي الصفري كحل لأزمة الطاقة".
1-2 قفزات الأسعار وانعدام أمن الإمدادات يعززان الحجة للطاقة المحلية مستقرة الأسعار عندما ترتفع أسعار النفط والغاز بسبب المخاطر الجيوسياسية، وتزداد الجاذبية النسبية للطاقة المتجددة والكهرباء، علي الأخص للدول المستوردة. وتربط التغطية الأخيرة بين الصراع الإيراني وارتفاع أسعار الطاقة وزيادة مخاطر الانقطاع في هرمز (ذا تيليغراف، 2026)، وبعكس الوقود الأحفوري لا توجد مخاطر في أسعار الوقود بالنسبة لطاقة الرياح والشمس؛ فتكاليفها تتمثل غالباً في رأس المال التشغيلي الأولي، والحجة هنا هي أن السبيل للخروج من أزمات الطاقة المتكررة هو تقليل الاعتماد على الواردات الأحفورية المتقلبة من خلال التوسع في الطاقة المتجددة والشبكات والكفاءة (ياهو، 2026).
2-2 سياسات الأزمات قد تطلق العنان لزخم سياسات التحول، كما تخفف إعادة تخصيص رأس المال غالباً أزمات الطاقة من القيود السياسية؛ حيث يمكنها تسريع إصدار التصاريح، والاستثمار في الشبكات، وتمكين معايير كفاءة أكثر صرامة، وتسريع سياسات المضخات الحرارية والمركبات الكهربية، وعندما يصبح أمن الطاقة أمراً ملحاً، يمكن دفع الإصلاحات التي نوقشت لسنوات مثل "إجراءات طوارئ".
3-2 الاستقلال الاستراتيجي : تدفع الحرب إلي تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن نقاط الاختناق، فالمخاطر المحيطة بمضيق هرمز ليست مجرد "قصة نفط"، بل تتعلق بالجيوسياسية والاستراتيجية الاقتصادية، وعندما تصبح طرق الشحن غير آمنة، تسعى الدول لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد عبر التوسع في الطاقات المحلية، وبناء روابط طاقة عابرة للحدود، وتطوير تجارة الطاقة النظيفة علي النطاق الإقليمي في كل من الهيدروجين الأخضر، وخطوط شبكات التيار المستمر عالي الجهد HVDC)، والسعات التخزينية المضافة لتقليل الاعتماد على الغاز.
وبصيغة أوضح : يمكن في عصر الصراعات إعادة صياغة التحول الطاقي ليصبح أقل شبهاً "بالإيثار المناخي" وأقرب شبها "بالاستقلال الاستراتيجي".
4-2 قد ترفع الحرب تكلفة الفرصة البديلة للارتهان للوقود الأحفوري، حيث يزيد تقلب أسعار الوقود الأحفوري من المخاطر المالية المصاحبة لبناء هياكل بنية أساسية أحفورية جديدة طويلة الأمد؛ فإذا توقع المستثمرون صدمات جيوسياسية مستمرة، قد يطالبون بعلاوات مخاطر أعلى للمشروعات الأحفورية، مما يميل الكفة نحو هياكل البنية الأساسة النظيفة، خاصة في نظم الطاقة التي صارت فيها الطاقات المتجددة منافسا من حيث التكلفة في سياقات عديدة.
وتتلخص أطروحة "المُحفّز" في إمكان حرب إيران أن تسررع من وتيرة التحول الطاقي إذا ترجم صنّاع السياسات الصدمة إلى إجراءات هيكلية، واستغلوا اللحظة لتوسيع نطاق المتجددات، وتحديث الشبكات، وتحسين الكفاءة، وكهربة القطاعات النهائية، بدلاً من مجرد دعم استهلاك الوقود الأحفوري.
3 - أطروحة "العائق" : كيف يمكن للحرب أن تقوض الاستقرار اللازم للتحول
ترى وجهة النظر المقابلة أن الحرب تقوض الظروف الأساسية المطلوبة للتحول المستدام، التي تشمل بالأساس مناخا استثماريا مستقرا، وسياسات يمكن التنبؤ بها، وتجارة مفتوحة، وسلاسل إمداد آمنة للمعادن.
1-3 قصر نظر السياسات : تزيح إدارة الأزمات التحول طويل الأمد، وتؤدي قفزات أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب إلى ضغوط سياسية جائرة لضمان استمرار التيار الكهربائي، والحد من التكاليف الباهظة للوقود الأحفوري، وتأمين إمداداته.
قد تستجيب الحكومات في البداية عبر : (1) تأمين مصادر لشراء المزيد من الوقود الأحفوري على المدى القصير (ذا غارديان، 2026)، و(2) إطالة أمد تشغيل محطات الفحم أو الغاز القديمة، و(3) تعليق تسعير الكربون أو خفض ضرائب الوقود، و(4) إعادة توجيه الأموال العامة بعيداً عن الاستثمار في الطاقة النظيفة.
وحتى لو استمر القادة في تأييد التعادل الصفري، فإن عدم الاستقرار الطويل غالباً ما يفرض هذه المقايضات قصيرة الأجل، مما يبطئ وتيرة مشروعات الطاقة المتجددة.
2-3 ارتفاع تكلفة رأس المال واضطراب سلاسل الإمداد يبطئان التنفيذ، حيث تحتاج مشروعات الطاقة النظيفة إلى استثمارات أولية ضخمة.
وترفع الحرب من حدة المخاطر وعدم اليقين، مما يؤدي إلي زيادة تكاليف التمويل، وزيادة أقساط التأمين وتكاليف الشحن وتقلبات العملة، خاصة في الأسواق الناشئة، وتشير التقارير إلى اضطراب الشحن، وارتفاع تأمين مخاطر الحرب، وطول مسارات الرحلات البديلة، مما يرفع التكاليف اللوجستية الإجمالية (ذا غارديان، 2026).
وتتدفق هذه التكاليف المرتفعة بعد ذلك إلى سلاسل إمداد الطاقة المتجددة (مثل توربينات الرياح، والمحولات، والكابلات)، ما يجعل مشروعات التحول الطاقي أبطأ وأكثر تكلفة.
3-3 المعادن النادرة : تصاعدت وقائع الضعف في ظل الجيوسياسيات الحرجة وقيود التصدير - حتى قبل ظروف الحرب - وحذرت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) من أن إمدادات المعادن النادرة تواجه بالفعل اختناقات ومخاطر جيوسياسية، فأبرزت أن العديد من المعادن - خاصة في مراحل المعالجة والتكرير - تتركز في دول قليلة.
وتزيد حرب إيران في اختناق المعادن النادرة عبر رفع تكاليف النقل، وتغيير مسارات السفن أو مواجهتها لمخاطر أمنية عالية، كما قد تضيف آثاراً أوسع للعقوبات تعقد من عمليات الدفع والتمويل والتأمين حتى للدول غير المشاركة مباشرة في الحرب.
وفي الوقت نفسه، قد تشدد الحكومات الرقابة على تصدير المعادن الاستراتيجية، مما يضيف مزيداً من عدم اليقين لسلإسل الإمداد الهشة أصلاً، وهو ما يعوق الجداول الزمنية للتعادل المناخي الصفري، لا سيما مع تعطل جهود "الاقتصاد الدوار".
4-3 الاقتصاد الدوار : هو اقتصاد ضروري ولكن يصعب توسيعه في ظل عدم الاستقرار. ويعتبر الاقتصاد الدوار - الذي يشتمل علي إعادة التدوير، وإعادة الاستخدام، و"التعدين الحضري" - أمراً لا غنى عنه لأمن إمدادات المعادن واستدامتها، وبناء احتياطيات لامتصاص صدمات الإمداد (الوكالة الدولية للطاقة، 2026). ومع ذلك، فإنه يتطلب استقراراً في السياسات طويلة الأمد، واستثماراً في هياكل البنية الأساسية، وتنظيمات لوجستية وادارية واضحة.
ولقد تبطئ الحرب عبر تأخير الاستثمار في محطات إعادة التدوير، وتعطيل التجارة في الخردة والمواد الثانوية، وتحويل الميزانيات العامة نحو الدفاع والدعم العاجل. باختصار تزيد الحرب من الحاجة للاقتصاد الدوار، لكنها تقلل من القدرة على تطويره وتوسيع نطاقه.
وتتلخص أطروحة "العائق" في أنه يمكن لحرب إيران أن تعوق الوصول للتعادل المناخي الصفري للابتعاثات الكربونية عبر رفع تكاليف التمويل، وتعطيل التجارة والمواد النادرة، وتحفيز ردود فعل قصيرة الأمد تعتمد على الوقود الأحفوري، وتقويض بيئة الحوكمة المستقرة اللازمة لنشر تحول طاقي سريع ومستدام.
4 - التوفيق بين الرؤيتين : ما الذي يحدد النتيجة النهائية؟
مآل الأمور بين كونها "مُحفزاً" أو "عائقاً" ليس قدراً محتوماً، بل تعتمد النتيجة النهائية بشكل كبير على ثلاثة متغيرات رئيسية : (1) مدة وتأثير الاضطرابات، و(2) مسارات السياسات المتبعة، و(3) استراتيجية جانب العرض.
1-4 مدة وتأثير الاضطرابات : قد تتراوح بين : • صدمة قصيرة وحادة : يمكن أن تعمل كشرارة للإصلاح والاستثمار (مُحفز). • صراع يطول أمده مع انعدام أمن بحري متكرر يؤدي إلى ترسيخ التضخم، تضييق الخناق المالي، وتعطيل سلاسل الإمداد (عائق).
2-4 مسارات السياسات : التحول الهيكلي للطاقة مقابل "التحصين" بالوقود الأحفوري بعد حدوث صدمة طاقة كبرى ناتجة عن الحرب، وتتحرك الحكومات عادةً في أحد اتجاهين:
• المسار ( أ ) : عن طريق المحور الهيكلي للطاقة النظيفة، حيث يتعامل القادة مع الأزمة كسبب لتسريع الانتقال الطاقي، من خلال تسريع تصاريح الطاقة المتجددة، والاستثمار بكثافة في توسيع الشبكات، ووضع معايير كفاءة صارمة، وحماية الأسر الضعيفة عبر دعم مستهدف لا يضعف الحوافز طويلة الأمد للتحول عن الوقود الأحفوري.
• المسار (ب) : عن طريق التحصين الأحفوري، حيث تركز الحكومات على تخفيف الأسعار وتأمين الإمدادات على المدى القصير، من خلال دعم الوقود على نطاق واسع، وإبرام عقود غاز مسال طويلة الأمد دون خطة واضحة لخفض الكربون، وبناء هياكل بنية أساسية أحفورية جديدة قد تؤدي "للارتهان للانبعاثات" (Fossil Lock-in).
ويعني ذلك أن : المسار ( أ ) : يوصل إلي التحول الهيكلي النظيف (المُحفز)، و المسار (ب) : يوصل إلى الاستقرار الأحفوري (عائق)، و الإجراءات الضرورية في المسار الثاني هي : * تسريع تصاريح الطاقة المتجددة، مع دعم عام وشامل للوقود. * بناء شبكات كهربية ضخمة، مع عقود غاز مسال طويلة الأمد. * تفويضات صارمة لكفاءة الطاقة، مع هياكل بنية أساسية أحفورية جديدة تكرس الانبعاثات. * تسريع سياسات المضخات الحرارية والمركبات الكهربة، مع تهميش لأسواق الكربون ومعايير المناخ. * دعم مستهدف للفئات والدول الضعيفة دون المساس بإشارات الأسعار.
3-4 استراتيجية جانب العرض : أمن المعادن والاقتصاد الدوار، فبما أن الوكالة الدولية للطاقة تحذر من تركز إمدادات المعادن النادرة، فإن أي خطة موثوقة للتعادل المناخي الصفري في بيئة جيوسياسية متوترة تحتاج إلى "خطة مواد".
عملياً، يعني ذلك تنويع مصادر المعادن، وأماكن معالجتها، وإنشاء احتياطيات استراتيجية للمكونات الرئيسية، وتوسيع نطاق إعادة التدوير والاقتصاد الدوار لتوليد تدفق إمدادات ثانوي موثوق.
5 - التداعيات على السياسات : كيف نحول صدمة الحرب إلى مُحفز للتحول؟
1-5 حزم أمن الطاقة : يتعين أن تمنح استجابات أمن الطاقة الأولوية للحلول النظيفة منذ البداية، بحيث تعزز مجريات الأزمة عملية التحول، بدلاً من تكريس التبعية للوقود الأحفوري. ويشمل ذلك : * حماية الأسر من خلال إغاثة مستهدفة للفئات الأكثر تضرراً. * الحفاظ على "إشارات الأسعار" (Price Signals) سليمة قدر الإمكان لتجنب تشجيع زيادة استهلاك الوقود الأحفوري. * تخصيص جزء من الإنفاق العام في حالات الطوارئ لتحديث الشبكات، والتخزين الطاقي، وتحسين الكفاءة بدلاً من هياكل البنية الأساسية الأحفورية.
2-5 تسريع الشبكات والمرونة ( الاختناق الحقيقي ) : تُظهر صدمات الوقود الناجمة عن الحرب أن التحول الطاقي لا يمكن أن يتوسع إلا إذا كانت شبكات الكهرباء قوية ومرنة. ويجب على الحكومات إعطاء الأولوية لتوسيع خطوط النقل، وتشييد الربط البيني بين المناطق والدول، وتوسيع برامج الاستجابة للطلب، ونشر المزيد من سعات التخزين.
3-5 بناء أجندة للمعادن النادرة والاقتصاد الدوار : وذلك لاستخدام الأساليب المختبرة دولياً في إعادة التدوير وأمن المعادن كمخطط عملي لتعزيز سلاسل الإمداد بالطاقة النظيفة.
ويتضمن ذلك: * الاستثمار في هياكل بنية أساسية لإعادة التدوير، و"التعدين الحضري" لاستعادة المواد القيمة من المنتجات الحالية. * وضع قواعد "التصميم من أجل إعادة التدوير" للبطاريات والألواح الشمسية لسهولة تفكيكها. * إنشاء مراكز إقليمية لإعادة التدوير لبناء القدرات المحلية، مع تطبيق ضمانات استدامة قوية لضمان شفافية هذه النظم ومسئوليتها البيئية.
4-5 تقليل مخاطر الاستثمار في الأسواق الناشئة : فغالباً ما تؤدي الصدمات المرتبطة بالحروب إلى رفع "المخاطر المتصورة" في الأسواق الناشئة، ما يجعل تمويل مشروعات الطاقة النظيفة أكثر تكلفة. ولتقليل هذه المخاطر والحفاظ على تدفق الاستثمارات، يمكن للحكومات وشركاء التنمية التوسع في تقديم ضمانات الائتمان، واستخدام "التمويل المختلط" لجذب رأس المال الخاص، وتوسيع نطاق التأمين ضد المخاطر السياسية، وتوفير أدوات التحوط من تقلبات العملة، علي الأخص لمشروعات الطاقة المتجددة، والشبكات التي تعتمد على تمويل مستقر طويل الأجل.
5-5 تجنب "أمن الطاقة العسكري" الذي يقوض التحول الطاقي : فقد تكون الحماية المادية لطرق الشحن وهياكل البنية الأساسية للطاقة ضرورية، لكن الاعتماد بشكل أساسي على التدابير العسكرية يمكن أن يكرس التبعية طويلة الأمد للوقود الأحفوري. والهدف الأذكى هو تقليل "الهشاشة" من الأساس عبر تسريع نشر الطاقة النظيفة، وتطوير الشبكات، وتحسين كفاءة الطاقة.
6 - التداعيات على المنطقة العربية :
1-6 الانقسام الحاد بين الدول المصدرة والمستوردة :
* الدول المصدرة للنفط مثل دول مجلس التعاون الخليجي :
قد تشهد زيادة في الإيرادات قصيرة الأجل نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، لكن هذه الفائدة تقابلها مخاطر تشغيلية وأمنية عالية تتعلق بالإنتاج والمعالجة والخدمات اللوجستية للتصدير، خاصة إذا استمر الاضطراب في مضيق هرمز.
ويشير حجم الاضطراب وضغوط الشحن والتأمين إلى ضعف حقيقي في النماذج المالية المعتمدة على التصدير.
* الدول العربية المستوردة للطاقة مثل مصر والأردن والمغرب وتونس ولبنان :
تواجه ضغوطاً فورية على ميزان المدفوعات نتيجة ارتفاع فواتير الوقود ورسوم الشحن الإضافية، مع تصاعد أعباء التضخم والدعم.
ولا يقتصر اضطراب سلاسل الإمداد الناجم عن الحرب على النفط، بل يمتد إلى الأسمدة والبلاستيك والمدخلات الأخرى التي تؤثر على الغذاء والصناعة.
2-6 اختبار ثقة لخطط الخليج في "التنويع الاقتصادي ما بعد النفط" :
تتمثل الثغرة الجوهرية هنا في "ثقة المستثمرين"؛ حيث تعتمد خطط التنويع في قطاعات السياحة واللوجستيات وهياكل البنية الأساسية الرقمية على سمعة المنطقة كمركز أعمال مستقر. وقد يقوض تصاعد انعدام الأمن صورة "الملاذ الآمن"، ويعطل الموانئ والمطارات وهياكل البنية الأساسية الحيوية، مما يهدد زخم التنويع بشكل مباشر.
ولذا - حتى مع زيادة إيرادات النفط - قد تظل الحرب عائقاً أمام الاستثمارات غير النفطية اللازمة لاستدامة التحول الطاقي طويل الأمد.
3-6 تسارع التحول الطاقي :
تعزز الأزمة الحالية من حجة أمن الطاقة باعتبار : * توسيع نطاق طاقة الشمس والرياح في المناطق التي أصبحت فيها التكاليف تنافسية للغاية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. * تسريع الاستثمار في الشبكات والتخزين والكفاءة لتقليل التعرض للوقود المستورد ومكامن الاختناق. ومع ذلك، إذا كانت استجابة السياسات تركز فقط على "امتصاص الأزمة" ، أي دعم واسع للوقود وصفقات طوارئ أحفورية، فقد يتأخر التحول الهيكلي.
4-6 المعادن النادرة وسلاسل الإمداد الصناعية ساحة معركة استراتيجية جديدة :
تحاول عدة دول عربية بناء دور لها في معالجة المعادن النادرة، وسلاسل توريد البطاريات، والمركبات الكهربية، كجزء من التنويع الاقتصادي. ومع ذلك، تجعل الاضطرابات اللوجستية المرتبطة بالحرب استيراد المعدات والمواد اللازمة لهذه التقنيات أكثر تكلفة، ومحفوفة بانعدام اليقين.
5-6 الاقتصاد الدوار يصبح أكثر قيمة وأصعب تنفيذاً :
ستبرز الحاجة ماسة لإعادة التدوير لتعزيز أمن الإمداد بالمعادن النادرة في الدول العربية، لكنه سيكون الأكثر تضرراً أثناء وبعد الصراع. وقد يمنع عدم الاستقرار الطويل اتفاقات الاستثمار، ويعطل تدفقات الخردة والمواد الثانوية عبر الحدود.
6-6 التعاون الإقليمي هو "هيكل بنية أساسية أمنية" :
مع الضغوط على الطرق البحرية واللوجستية سيعتمد صمود المنطقة العربية بشكل أكبر على المدخلات التالية : * تجارة الكهرباء عبر الحدود والربط البيني. * التخطيط المشترك لأمن المياه والغذاء. * التنسيق في التنبؤ والإنذار المبكر لصدمات الطاقة وسلاسل الإمداد.
7 - توصيات عملية لصناع القرار والمستثمرين العرب :
1 - تحويل "التحول الطاقي" إلى "خطة أمن طاقة" لتسريع نشر المتجددات، وتحديث الشبكات، لتقليل الارتهان لمكامن الاختناق وصدمات الوقود.
2 - تأمين المواد عبر المعادن والاقتصاد الدوار، من خلال وضع معايير واضحة لإعادة التدوير، وبناء مراكز إقليمية لتدوير البطاريات والألواح الشمسية، لتقليل الاعتماد على المواد الخام المستوردة.
3- الحفاظ على الجاذبية الاستثمارية للمشروعات النظيفة، من خلال التوسع في أدوات ضمان المخاطر السياسية، والتحوط من صرف العملات لخفض تكاليف التمويل، خاصة في الدول العربية المستوردة.
4- حماية تنويع الاقتصاد من مخاطر الصراع، عن طريقة تحصين هياكل البنية الأساسية الحيوية كالموانئ ومراكز البيانات، لضمان استمرارية الأعمال، وعدم ترهيب الاستثمارات غير النفطية.
خاتمة : من المرجح أن تؤدي حرب إيران إلى تسريع الوصول للتعادل المناخي الصفري عبر جعل حجة أمن الطاقة أكثر إقناعاً لصالح المتجددات والكفاءة. ومع ذلك، يمكن للنزاع نفسه أن يبطئ التحول، عبر تعطيل الأسواق، ورفع تكاليف الاقتراض، وتصعيب تأمين المعادن النادرة.
ويبقي العامل الحاسم هو "الخيار السياسي تحت الضغط". فإذا استخدمت الحكومات الصدمة لدفع الإزالة الهيكلية للكربون، وتعزيز مرونة الشبكات والمعادن، سيتم تسريع التحول. أما إذا تراجعت نحو الدعم الشامل للوقود، والعقود الأحفورية طويلة الأمد، فستؤدي الأزمة إلى إعاقة التعادلية الصفرية عبر ترسيخ حلول مؤقتة، وتقويض ثقة المستثمرين.
وبالنسبة للمنطقة العربية، الأولوية العملية هي تحويل "عدم الاستقرار" إلى "استدامة" عبر تقليل الهشاشة بدلاً من مضاعفتها.
#ماهر_عزيز_بدروس (هاشتاغ)
Maher_Aziz#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سيناريوهات الحرب والمخاطر الاقتصادية
-
المسيح وجنكيزخان أو الأخلاق والقوة
-
المعارك الفكرية للدكتور مراد وهبه
-
اختطاف مادورو : قرصنة لا أخلاقية أم حق قانوني ؟
-
عرض كتاب : -جرثومة التخلف- للدكتور مراد وهبه
-
المشروع التنويري للدكتور مراد وهبه يؤثم جهل الأصوليين
-
مع الدكتور مراد وهبه : أحد أعظم عشرة فلاسفة في القرن العشرين
...
-
فلسفة جرائم الأسلمة القسرية للبنات في مصر
-
المتحف المصري الكبير .. والبيئة الطاردة للسياحة
-
مصر هى الخاسر الأكبر
-
القدس: مدينة الحرب أم مدينة السلام؟ (2)
-
القدس : مدينة الحرب أم مدينة السلام ؟ ( 1 )
-
استفهامات مهمة في الطاقة النووية
-
مفاهيم مغلوطة : الأحوال الشخصية للأقباط والقراءة الخطأ لآيات
...
-
جدلية القداسة والجنس
-
الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ- 8
-
الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 7
-
الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ-6
-
الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 6 معدل
-
الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - ٦
المزيد.....
-
-حزب الله- يطلق صواريخ باتجاه إسرائيل في أول هجوم منذ وقف إط
...
-
الجيش الإسرائيلي: سنواصل قتال -حزب الله- في لبنان
-
-أتفهم شعوره بخيبة الأمل-.. ماذا قال أمين عام -الناتو- لـCNN
...
-
غارات إسرائيلية على لبنان تخلف ما لا يقل عن 182 قتيلا وتضع ا
...
-
هدوء فوق إيران ودماء في لبنان.. -وحدة الساحات- أمام اختبارها
...
-
-ميمز- وألعاب فيديو: أدوات غير تقليدية في حرب أمريكا على إير
...
-
من قرر الحرب على إيران.. ترمب أم نتنياهو؟
-
يوم من وقف إطلاق النار.. ما أبرز تطورات هدنة حرب إيران؟
-
ماكرون لترمب وبزشكيان: وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان ليك
...
-
أمريكا وإيران تعلنان الانتصار.. كيف صنع كل طرف سرديته بعد 40
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|