أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي حياوي المؤذن - أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية















المزيد.....



أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 01:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الثاني من أكتوبر 2024م، لم يسقط الأمين العام التاريخي لحزب الله، حسن نصر الله، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت مقرًا تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت فحسب؛ بل سقط معه نموذج كامل من العمل العسكري والسياسي ظل قائمًا لنحو أربعة عقود. تلك اللحظة، التي توجت أسابيع من الاختراق الاستخباراتي غير المسبوق الذي تجلى في عملية " البيجر " وتدمير آلاف الأجهزة اللاسلكية لعناصر الحزب، مثلت أكثر من مجرد ضربة قيادية. لقد كانت صدمة وجودية هزت أسس التنظيم عسكريًا وتنظيميًا وعقائديًا .

ما تبع ذلك من حرب مفتوحة استمرت نحو ثمانية أسابيع، شنّت خلالها إسرائيل واحدة من أعنف الحملات الجوية في تاريخ المنطقة، استهدفت تدمير البنية التحتية الصاروخية لحزب الله في جنوب لبنان والبقاع. وبحسب تقديرات استخباراتية غربية، دُمر نحو 70% من الترسانة الصاروخية بعيدة المدى للحزب، وقُتل أو أُصيب بالعجز أكثر من 40% من كوادره الوسطى، بما في ذلك قادة "قوة الرضوان" و"الوحدة 3800" المسؤولة عن الدقة والتوجيه. ثم تلا ذلك اجتياح بري محدود أوقف عند خطوط قريبة من الشريط الحدودي، لكنه نجح في تفكيك شبكة المراقبة والدفاع الجوي التي نصبها الحزب على مدار سنوات.

هذه الضربات الموجعة لم تؤدِّ إلى انهيار حزب الله كليًا ، كما توقع بعض المحللين الإسرائيليين. لكنها أرغمته على خيار دراماتيكي إما الانكماش والتوقف عن القتال، وإما إعادة ابتكار جذرية لأدبياته القتالية وعقيدته العسكرية. المعطيات الميدانية التي تلت وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024م ، والاشتباكات الحدودية المتقطعة التي استمرت حتى صيف 2025، تشير بوضوح إلى أن الحزب اختار الخيار الثاني. لكنه لم يعد ذلك الحزب الذي كان يرهب إسرائيل بترسانته الصاروخية الهائلة وقدراته على ضرب العمق. لقد تحول إلى كيان عسكري مختلف تمامًا، أكثر مرونة، أقل مركزية، وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا منخفضة التكلفة وعالية التأثير، وعلى نموذج "الاستنزاف الطويل" بدلًا من "الردع القصير".

يهدف هذا المقال إلى تفكيك وتحليل تطور أدبيات القتال في حزب الله على ثلاثة مستويات متكاملة : أولًا ، المستوى العملياتي والتكتيكي المتمثل في التحول من الدفاع الثابت القائم على التحصينات والمنصات إلى الدفاع الديناميكي القائم على المجموعات الصغيرة والمناورة المرنة. ثانيًا ، المستوى التقني والتسليحي المتمثل في الانتقال من هيمنة الصواريخ التقليدية إلى عصر المسيرات الذكية والذخائر الموجهة محليًا . ثالثًا ، المستوى الخطابي والاستراتيجي المتمثل في تحول النبرة من لغة "توازن الرعب" و"فائض القوة" إلى لغة "الصمود" و"إدارة الاستنزاف". وسنختم بتحليل لسيناريوهات المستقبل : هل ينجح حزب الله في ترسيخ نموذجه الجديد كقوة حرب عصابات تكنولوجية؟ أم أن الضربات الإسرائيلية ستظل قادرة على توجيه نزيف مستمر يمنعه من التعافي الكامل؟ وهل يستطيع الحزب الحفاظ على تماسكه الداخلي وإرادة القتال في غياب القيادة الكاريزمية التي صنعت أسطورته؟ كل ذلك يتمثل فيما يلي :

أولًا : التحول في العقيدة العملياتية – من حرب المواقع إلى حرب الخلايا
1. انهيار نموذج "القاعدة القتالية الراسخة"
قبل حرب 2024م ، كانت عقيدة حزب الله القتالية تقوم على مبدأ "القاعدة القتالية الراسخة" ، وهو نموذج استوحاه الحزب من تجربتين تأريخيتين :
أولًا ، تجربة حرب التحرير اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي (1982م-2000م) حيث أثبتت التحصينات الجبلية والكهوف الطبيعية فعاليتها في إطالة أمد المواجهة.
ثانيًا ، تجربة حرب يوليو 2006م التي أرست معادلة "توازن الرعب" القائمة على قدرة الحزب على إطلاق آلاف الصواريخ على المستوطنات الشمالية رغم التفوق الجوي الإسرائيلي.

في هذا النموذج، كان الحزب يستثمر بشكل كبير في بناء شبكة من التحصينات تحت الأرض، والمخابئ المحصنة، ومنصات إطلاق الصواريخ الثابتة أو شبه المتحركة المنتشرة في القرى الجنوبية (مثل القليلة، اللبونة، عيتا الشعب، رميش) وفي وديان استراتيجية مثل وادي الحجير ووادي السلوقي. كانت هذه القواعد مرتبطة ببعضها عبر أنفاق طويلة تسمح بحرية الحركة تحت الأرض، ومجهزة بمنصات رادار وأنظمة دفاع جوي قصيرة المدى (مثل المسائل الإيرانية، والسام 7 المطورة) لحماية المجال الجوي القريب. وكانت "قوة الرضوان" المدربة على العمليات الخاصة تمثل الذراع الهجومية لهذه المنظومة، القادرة على التسلل خلف خطوط العدو وتنفيذ عمليات اقتحام واحتجاز.
كان هذا النموذج ناجحًا نسبيًا في حرب 2006م . فبالرغم من التفوق الجوي والبري الإسرائيلي الساحق، تمكن الحزب من إلحاق خسائر فادحة بالجيش الإسرائيلي (121 قتيلًا ، تدمير نحو 50 دبابة ميركافا، إصابة عدد من البوارج الحربية). كما منع الاحتلال من التقدم إلى ما بعد نهر الليطاني رغم أنه أعلن ذلك هدفًا استراتيجيًا لكن النجاح كان مكلفًا للحزب نفسه حيث نحو 1200 قتيل ، تدمير أحياء بكاملها في الضاحية والجنوب، وتهجير نحو مليون لبناني. ومع ذلك، ظل الحزب يعتبر أن نموذجه قد أثبت جدارته، واستمر في تعزيزه وتوسيعه على مدى السنوات الثماني عشرة التالية.
في حرب 2024م، انكشف هذا النموذج تمامًا. السبب ليس ضعف التحصينات أو سوء التدريب، بل ثورة في الاستخبارات والتكنولوجيا الإسرائيلية لم يكن الحزب مستعدًا لها. فاعتماد الحزب على أجهزة اتصال شبه ثابتة (البيجر ، أجهزة اللاسلكي) جعل من السهل اختراق شبكته وتفجيرها عن بُعد، مما أدى إلى مقتل أو إصابة آلاف من عناصره في لحظة واحدة، وشلّ جزءًا كبيرًا من شبكة القيادة والسيطرة. كما أن التحصينات تحت الأرض، التي كانت تعتبر ميزة دفاعية كبرى، تحولت إلى "مقابر جماعية" بفضل استخدام إسرائيل لقنابل خارقة للتحصينات من الجيل الجديد، مثل القنابل المصممة خصيصًا لتدمير الأنفاق العميقة متعددة الطبقات. والأهم من ذلك، أن الاعتماد على منصات إطلاق ثابتة أو شبه ثابتة جعل من السهل على طائرات الاستطلاع والمسيرات الإسرائيلية رصدها وتدميرها قبل أن تطلق صواريخها، مما أدى إلى تدمير أعداد هائلة من الصواريخ بعيدة المدى (زلزال، فجر، خيبر، قدر) وهي لا تزال في مخازنها أو على منصاتها. - الخلاصة - أن نموذج "القاعدة القتالية الراسخة"، الذي نجح في 2006م جزئيًا بسبب المفاجأة الاستراتيجية ونقص الاستخبارات الإسرائيلية الدقيقة، أصبح غير صالح للاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي والمراقبة المستمرة والذخائر الدقيقة. الحزب الذي راهن على التحصين والثبات وجد نفسه محاصرًا في خرسانته.
2. ولادة نموذج "الدفاع الفسيفسائي" أو "المجموعات القتالية المستقلة" :
استجابة لهذه الإخفاقات المدوية، بدأ حزب الله، حتى خلال الحرب نفسها، في التحول نحو نموذج عملياتي جديد يمكن تسميته بـ "الدفاع الفسيفسائي" أو "نموذج المجموعة القتالية المستقلة" . في هذا النموذج، لم تعد هناك خطوط أمامية ثابتة أو قواعد خلفية محددة أو هيكل قيادة هرمي صارم. بدلًا من ذلك، تم تقسيم منطقة العمليات (جنوب لبنان، البقاع الغربي، الضاحية الجنوبية) إلى عشرات الجيوب الصغيرة، يتراوح حجم كل مجموعة قتالية بين 3 إلى 12 مقاتلًا كحد أقصى، يعملون باستقلالية تكتيكية عالية جدًا .
هذا التحول لم يكن مجرد تعديل تكتيكي، بل كان إعادة هندسة شاملة للعقيدة العسكرية، تستند إلى استيعاب عميق لدروس حرب 2024م القاسية. ولتفسير ذلك، يمكن تفكيك خصائص هذا النموذج الجديد على النحو التالي:
أولًا : اللامركزية الجذرية في القيادة والسيطرة. لم تعد الأوامر التكتيكية تأتي من غرفة عمليات مركزية، لأن معظم غرف العمليات الكبرى تعرضت للقصف في الأيام الأولى للحرب. كما أن شبكة الاتصالات التقليدية دمرت أو اخترقت. لذلك، أصبحت القرارات التكتيكية تُتخذ على الأرض من قبل قادة المجموعات أنفسهم، بناءً على توجيهات استراتيجية عامة ومبادئ قتالية ثابتة تم تدريبهم عليها مسبقًا . هذه المبادئ تشمل "لا تبق في موقع أكثر من 48 ساعة"، "استخدم المسيرات للاستطلاع قبل أي تحرك"، "أطلق النار عند التأكد من الهدف ثم انسحب فورًا "، "لا تخض اشتباكًا مباشرًا دون تفوق عددي أو كميني". هذه اللامركزية جعلت من الصعب جدًا على إسرائيل شل القيادة والسيطرة بشكل كامل، لأن كل خلية تعمل ككيان شبه مستقل يمكنه الاستمرار في القتال حتى لو تم تدمير الخلايا المجاورة أو قتل القادة الكبار.
ثانيًا: التنقل الدائم كاستراتيجية بقاء. تتخلى هذه المجموعات تمامًا عن التحصينات الثابتة والمواقع الدائمة. فهي تتحرك ليلًا بين القرى والحقول والأودية، وتستخدم المنازل المهجورة، والكهوف الطبيعية، والخنادق المؤقتة، وحتى المجاري المائية الجافة كقواعد انطلاق مؤقتة. قاعدة "لا تبق في مكان واحد أكثر من يوم" أصبحت من المبادئ الأساسية التي يُعاد تدريب المقاتلين عليها باستمرار. هذا التنقل الدائم يجعل من المستحيل تقريبًا على الاستخبارات الإسرائيلية تثبيت أهدافها قبل ضربها، ويقلل بشكل كبير من فعالية القصف الجوي المسبق والضربات الوقائية. فبحلول الوقت الذي تصل فيه القنبلة إلى موقع تم رصده قبل ساعات، تكون المجموعة القتالية قد انتقلت إلى موقع آخر.
ثالثًا : الاعتماد على التضاريس بدلًا من التحصينات. بدلاً من بناء أنفاق عملاقة مكلفة وسهلة الرصد (تحتاج إلى معدات هندسية ثقيلة وتستغرق سنوات)، يعود الحزب إلى التكتيكات القديمة لحرب العصابات في جنوب لبنان، والتي أثبتت فعاليتها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. هذه التكتيكات تشمل - استغلال الأودية العميقة (وادي الحجير، وادي العيون، وادي السلوقي، وادي حنين) كطرق إمداد طبيعية محمية من المراقبة الجوية والحرارية؛ استخدام التلال والمرتفعات (مثل تلة الحمامص، تلة العزية، تلة اللبونة) كمناطق مراقبة وإطلاق كمائن؛ والاختباء في البساتين الكثيفة (خاصة بساتين الزيتون والتبغ والحمضيات) التي تشكل غطاءً طبيعيًا ممتازًا ضد المراقبة الجوية والمسيرات الحرارية - .
هذه العودة إلى التضاريس ليست مجرد خطوة إلى الوراء، بل هي تكيف ذكي مع الحقائق الجديدة ، في عصر الأقمار الاصطناعية والمسيرات التي تستطيع رصد أي بناء بشري أو حفر هندسي، فإن أفضل غطاء هو الغطاء الطبيعي نفسه، الذي يصعب تمييزه عن البيئة المحيطة.
3. تكتيك "الاستدراج نحو المقتلة" كبديل للمناورة الكلاسيكية :
النموذج العملياتي الجديد لم يأت فقط بتغيير هيكلي في التنظيم والتعبئة، بل أحدث ثورة في تكتيكات الاشتباك المباشر على الأرض. فبدلًا من محاولة مواجهة القوات الإسرائيلية المتقدمة بقوة نارية مكافئة (وهو ما كان مستحيلًا بعد تدمير معظم الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى وتدمير جزء كبير من المدفعية الثقيلة)، تبنى الحزب تكتيكًا يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ "الاستدراج نحو المقتلة" . يتلخص هذا التكتيك في السماح للقوات الإسرائيلية بالتقدم إلى نقاط معينة تم إعدادها مسبقًا كمصائد، ثم تطويقها من عدة محاور باستخدام أسلحة خفيفة ومضادة للدروع (مثل صواريخ كورنيت، والفاغوت، والتاو المصنعة محليًا )، مدعومة بمسيرات انتحارية من نوع "شهاب" و"مُرسد". الهدف ليس تدمير القوة المتقدمة بأكملها، بل إيقاع خسائر مؤثرة (قُتل عدد من ضباط الجيش الإسرائيلي، بينهم قادة كتائب وسرايا، في كمائن من هذا النوع خلال ربيع وصيف 2025م) ثم الانسحاب السريع قبل وصول التعزيزات الجوية أو البرية. هذا التكتيك يحقق عدة أهداف استراتيجية وتكتيكية في آن واحد.
أولًا : يرفع التكلفة النفسية للجيش الإسرائيلي، حيث يخلق شعورًا بعدم الأمان وعدم القدرة على التنبؤ بمكان الخطر، مما يبطئ وتيرة التقدم ويزيد من حذر القوات.
ثانيًا ، يجعل أي عملية توغل بري مكلفة للغاية، ليس فقط في الأرواح والمعدات، بل في الوقت والجهد الاستخباراتي المطلوب لتأمين كل متر مربع.
ثالثًا ، يحافظ على الكادر البشري للحزب، لأن المجموعات القتالية لا تخوض معارك استنزافية طويلة، بل تضرب وتختفي، مما يقلل من خسائرها مقارنة بنموذج المواجهة المباشرة.
شهدنا نموذجًا تطبيقيًا بارعًا لهذا التكتيك في عملية كمين "وادي حنين" في فبراير 2025م، حيث تمكنت مجموعة قتالية من حزب الله (لا تتجاوز 10 مقاتلين) من استدراج سرية استطلاع إسرائيلية إلى ممر ضيق بين تلتين مشجرتين. استخدم المقاتلون منشورات دعائية مزيفة عن "مخزن أسلحة مهجور" تم رصده بالمسيرات، وعند دخول السرية إلى الممر، فُجّرت عبوات ناسفة عن بُعد زرعت قبل أيام، ثم أُطلقت وابل من قذائف آر بي جي ومسيرات انتحارية من أعلى التلتين، مما أسفر عن مقتل 5 جنود إسرائيليين وتدمير دبابة وناقلة جند، قبل أن تختفي المجموعة عبر ممرات محددة سلفًا في وديان جانبية. هذا التكتيك الجديد، الذي أصبح جزءًا من أدبيات القتال الرسمية لحزب الله، يمثل اعترافًا ضمنيًا بأن الحزب لم يعد قادرًا على تحقيق "نصر ساحق" أو "تحرير" عبر عملية عسكرية كلاسيكية. لكنه في المقابل، يمنحه القدرة على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته إلى مستويات قد تجعل استمراره غير مجدٍ للطرف الآخر على المدى الطويل. وهنا نلمح الانتقال من استراتيجية "الردع" إلى استراتيجية "الاستنزاف".

ثانيًا : الثورة في فلسفة التسلح – من هيمنة الصواريخ إلى عصر المسيرات الذكية

إذا كان التحول في نمط الحرب البرية والعقيدة العملياتية يمثل الجانب التنظيمي والهيكلي من تطور أدبيات حزب الله القتالية، فإن التحول في فلسفة التسلح يشكل الجوهر التقني الأعمق والأكثر دراماتيكية لهذا التطور. فبعد أن كان الحزب يراهن لعقدين كاملين على "توازن الرعب" القائم على ترسانة صاروخية هائلة (تجاوزت 150 ألف صاروخ بمختلف الأنواع عشية حرب 2024م، وفق تقديرات استخباراتية إسرائيلية)، ها هو اليوم يعيد توجيه ميزانيته القتالية وموارده الصناعية نحو المسيرات كبديل أخفّ كلفة، وأكثر مرونة، وأقل قابلية للاعتراض، وأكثر فعالية في ظل الظروف الجديدة.

1. انهيار نموذج "الردع الصاروخي"
لماذا تخلى حزب الله عن النموذج الذي راهن عليه طوال سنوات؟ الإجابة تكمن في ثلاثة عوامل تقاطعت لتجعل الترسانة الصاروخية عبئًا استراتيجيًا بدلًا من أن تكون رصيدًا ردعيًا حيث :
العامل الأول | التدمير المنهجي للبنية التحتية الصاروخية. في الأيام الأولى لحرب 2024م، شنّت إسرائيل عملية "سهام الشمال"، وهي واحدة من أكبر الحملات الجوية الاستباقية في تاريخها. استهدفت الحملة بدقة متناهية مخازن الصواريخ ومنصات الإطلاق الثابتة وشبه المتحركة، ومراكز القيادة والتحكم، ومصانع الصواريخ محلية الصنع. وبحسب تقرير لمركز ألما الإسرائيلي، دُمر نحو 70% من الصواريخ بعيدة المدى (فوق 100 كم) ونحو 40% من الصواريخ متوسطة المدى (30-100 كم). كما دُمرت أو تعطلت معظم منصات الإطلاق البرية، خاصة تلك المثبتة على شاحنات أو في حاويات.

العامل الثاني | انهيار خطوط الإمداد الإيرانية. بعد سقوط نظام الأسد في سوريا نهاية 2024م، انهارت شبكة التهريب البرية المعقدة التي كانت تنقل الصواريخ والمكونات من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. أصبح الطريق البري مقطوعًا أو خاضعًا لسيطرة فصائل معادية أو مراقبة جوية إسرائيلية مكثفة. كما أن الجسر الجوي الإيراني إلى مطار بيروت أصبح تحت المراقبة المستمرة، وتعرضت عدة طائرات شحن للاعتراض أو القصف المزعوم. هذا يعني أن قدرة الحزب على إعادة بناء ترسانته الصاروخية بالحجم نفسه أصبحت شبه مستحيلة في المدى المنظور.

العامل الثالث | تفوق الدفاعات الجوية الإسرائيلية. حتى لو تمكن الحزب من إطلاق بعض الصواريخ، فإن منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات (القبة الحديدية، مقلاع داوود، حيتز 2 و3) أثبتت فعالية استثنائية في اعتراض الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، بنسبة نجاح تجاوزت 90% في حرب 2024م. أما الصواريخ بعيدة المدى التي قد تشبع الدفاعات، فقد تم تدمير معظمها قبل إطلاقها. هذا يعني أن العائد الاستراتيجي من الصواريخ المتبقية أصبح ضئيلًا نسبيًا مقارنة بالاستثمار الهائل الذي تطلبه تخزينها وحمايتها.

2. المسيرات: سلاح "المستضعف" الجديد
في مواجهة هذه الإخفاقات الثلاثة، لم يجد حزب الله بدًا من التحول نحو المسيرات (الطائرات بدون طيار) كسلاح أساسي في ترسانته. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل كان نتاج استلهام متأخر لتجارب حروب الجيل الجديد، وخاصة الحرب في أوكرانيا (2022م-2025م) حيث أثبتت المسيرات أنها سلاح "المستضعف" بأمتياز ، منخفضة التكلفة، صعبة الاعتراض، وقادرة على تحقيق اختراقات نوعية بفضل قدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة، والتخفي عن الرادارات، وتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف متحركة وثابتة.
تشير تقديرات استخباراتية غربية إلى أن حزب الله حوّل معظم ميزانية إعادة التأهيل لعام 2025م (التي قُدرت بنحو 500-700 مليون دولار، معظمها من إيران) إلى تطوير وإنتاج مسيرات انتحارية واستطلاعية، بدلًا من الاستثمار في الصواريخ الدقيقة والكاتيوشا التقليدية. كما أُغلقت أو حولت معظم الورش السرية التي كانت تجمع الصواريخ في الضاحية الجنوبية والبقاع إلى ورش لتجميع المسيرات. ولتفسير هذا التحول، يمكن تفكيك مزايا المسيرات الاستراتيجية مقارنة بالصواريخ :

أولًا : التكلفة المنخفضة مقابل الفعالية العالية. سعر مسيرة "شهاب" الانتحارية التي يستخدمها حزب الله (وهي نسخة مطورة من المسيرات الإيرانية من نوع "شاهد 136" و"أبابيل") يقدر بنحو 10-20 ألف دولار فقط، بينما سعر صاروخ كاتيوشا عادي يتراوح بين 500-2000 دولار، وصاروخ دقيق بعيد المدى مثل "زلزال 2" قد يصل إلى 100 ألف دولار أو أكثر. لكن الفارق الحقيقي ليس في السعر فقط، بل في معدل الاعتراض بينما تنجح القبة الحديدية في اعتراض أكثر من 90% من الصواريخ التقليدية، فإن معدل اعتراض المسيرات المنخفضة والبطيئة (التي تطير على ارتفاع 50-200 متر فقط) لا يتجاوز 50-60%، لأنها صعبة الاكتشاف على الرادار وتشبه الطيور في بصمتها الرادارية والحرارية.
ثانيًا : المرونة التكتيكية والقدرة على المناورة ، على عكس الصاروخ الذي يتبع مسارًا باليستيًا شبه متوقع (قوس صاعد ثم هابط)، يمكن للمسيرة أن تغير مسارها في الجو، وتتحرك في مسارات متعرجة، وتتفادى نقاط الاعتراض، بل وتتربص بهدفها لساعات قبل أن تنقض عليه. هذا يجعل من الصعب جدًا توقع وجهتها أو اعتراضها. كما يمكن إطلاق المسيرات من أي مكان تقريبًا من داخل مبنى سكني، من شاحنة نقل، من قارب صيد، أو حتى من دراجة نارية. هذا التنوع في منصات الإطلاق يجعل من المستحيل على إسرائيل تدميرها قبل الإطلاق.
ثالثًا : الدقة المتناهية في الاستهداف. المسيرات الانتحارية مزودة بكاميرات بصرية وحرارية تسمح للمشغل بمشاهدة الهدف لحظة بلحظة وتوجيه المسيرة نحو نقطة محددة (مثل فتحة برج الدبابة، أو غرفة القيادة في المقر، أو رادار معين). هذا يعطيها دقة شبه جراحية لا تتوفر في الصواريخ غير الموجهة، ويجعلها فعالة جدًا ضد الأهداف المتحركة كالدبابات والآليات والمشاة.
رابعًا : التصنيع المحلي وسهولة الإخفاء. على عكس الصواريخ الكبيرة التي تحتاج إلى مصانع ضخمة ومكونات يصعب إخفاؤها، يمكن تجميع المسيرات في ورش صغيرة جدًا (تصل مساحتها إلى 50 مترًا مربعًا ) باستخدام مكونات متوفرة تجاريًا (بطاريات ليثيوم، محركات كهربائية، كاميرات تجارية، دوائر إلكترونية مطبوعة). هذا يعني أن الحزب يمكنه توزيع عشرات الورش السرية في المناطق السكنية المزدحمة (الضاحية، صور، صيدا، البقاع) وجعل من المستحيل تقريبًا على الاستخبارات الإسرائيلية رصدها وتدميرها جميعًا .

3. التكيف مع انهيار خطوط الإمداد - من الاستيراد إلى التصنيع المحلي -

واحدة من أكثر التطورات إثارة للدهشة في أدبيات القتال الجديدة لحزب الله هي قدرته على التحول السريع من نموذج "المستورد" إلى نموذج "المصنّع محليًا " . بعد انهيار خطوط الإمداد البرية عبر سوريا، لم يعد الحزب قادرًا على استيراد صواريخ ومسيرات جاهزة من إيران بالحجم الذي كان عليه سابقًا . لكنه لم يستسلم لهذا الواقع، بل طوّر شبكة معقدة من الشركات الوهمية والواجهات المدنية لاستيراد المكونات المزدوجة الاستخدام (dual-use) بشكل قانوني أو شبه قانوني، ثم تجميعها في ورش داخلية.
هذه المكونات تشمل بطاريات ليثيوم عالية الطاقة (تدخل في صناعة المسيرات وأجهزة الاتصال)، محركات كهربائية صغيرة، كاميرات حرارية وبصرية، دوائر مطبوعة ورقائق إلكترونية، مركبات كيميائية لصناعة المتفجرات، وألياف كربونية لهياكل المسيرات. يتم استيراد هذه المكونات عبر موانئ بيروت وطرابلس وصيدا، أو عبر المعابر البرية مع سوريا (التي لا تزال مفتوحة رغم سقوط النظام، لكن تحت رقابة مشددة)، ثم تُنقل إلى ورش التجميع في الضاحية البقاع. ما يميز هذه الاستراتيجية الجديدة هو السرعة في التكيف والمرونة في تغيير خطوط الإمداد. فعندما تكتشف إسرائيل طريقة معينة للتهريب أو ورشة معينة، يغير الحزب أسلوبه بسرعة. على سبيل المثال، بعد أن تم تفجير أجهزة البيجرز في سبتمبر 2024م، توقف الحزب تمامًا عن استخدام أي أجهزة اتصال إلكترونية قابلة للاختراق، وعاد إلى استخدام السعاة البشريين والحمام الزاجل (وهي تكنولوجيا بدائية لكنها منيعة ضد الاختراق الإلكتروني). كما بدأ في استخدام ألياف بصرية تحت الأرض للاتصال بين غرف العمليات القريبة، مما يجعل التنصت عليها شبه مستحيل.
هذا المزيج بين التكنولوجيا المتطورة (المسيرات، الكاميرات الحرارية، التشفير) والتكنولوجيا البدائية (الحمام الزاجل، السعاة، الألياف البصرية المدفونة) هو ما يمنح حزب الله الجديد مرونة استثنائية. فهو ليس كجيش نظامي يعتمد على منظومة تقنية متكاملة يمكن شلها بضربة واحدة، بل هو كائن هجين يتنقل بين عصور التكنولوجيا المختلفة بحسب ما يمليه عليه الميدان.


ثالثًا : التحول في الخطاب الاستراتيجي والقيادي – من نبرة القوة إلى لغة الصمود

على المستوى الخطابي، الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من الأدبيات القتالية لأي فاعل سياسي-عسكري (لأن الحرب تُشن بالكلمات كما تُشن بالصواريخ)، يمكن رصد تحول جوهري يعكس التحولات السابقة في البنية العسكرية والتسليحية. فخطابات الأمين العام الجديد، الشيخ نعيم قاسم، الذي تسلم القيادة في نوفمبر 2024م بعد اغتيال نصر الله، تختلف اختلافًا بيّنًا عن خطابات سلفه. وهذه الاختلافات ليست مجرد مسألة أسلوب شخصي، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في كيفية تعريف الحزب لنفسه ولعدوه ولطبيعة الصراع من حيث :
1. مقارنة بين خطاب نصر الله وخطاب قاسم :
كان خطاب حسن نصر الله يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية: أولًا ، "فائض القوة" الحديث المستمر عن قدرات الحزب الصاروخية غير المسبوقة، وعن "كنوز" من الصواريخ الدقيقة التي يمكنها ضرب أي هدف في إسرائيل بدقة متناهية.
ثانيًا ، "توازن الرعب" التأكيد أن قدرة الحزب على إلحاق خسائر فادحة بالجانب الإسرائيلي (في الأرواح والبنية التحتية) تخلق ردعيًا متبادلاً يمنع الحرب.
ثالثِا ، "وحدة الساحات" ربط جبهة لبنان بجبهات أخرى (غزة، سوريا، العراق، اليمن) ضمن محور مقاومة موحد قادر على فرض معادلاته على إسرائيل والغرب.
في المقابل، يبدو خطاب نعيم قاسم مختلفًا جوهريًا :
أولاً ، النبرة الدفاعية والتعبوية. بدلاً من الحديث عن "فائض القوة"، يتحدث قاسم عن "الصمود" و"عدم الانكسار" و"التضحية". في خطابه الأول كأمين عام (نوفمبر 2024م)، قال: "نحن اليوم لسنا أقوى مما كنا بالأمس، لكننا لسنا أضعف مما يجب. قوتنا اليوم في إرادتنا وصمودنا وتماسكنا الداخلي، لا في أسلحتنا فقط". هذه النبرة تعترف ضمنيًا بتراجع القدرات المادية، لكنها تستبدلها بالقدرات المعنوية.
ثانيًا ، الاعتراف بتغير الميزان الاستراتيجي. في خطاب آخر (فبراير 2025م)، أقر قاسم صراحة: "نحن لا ننكر أن العدو الإسرائيلي ألحق بنا ضربات موجعة، وأن إمكاناتنا ليست متكافئة مع إمكاناته. لكن الحرب ليست دائمًا لمن يمتلك الأكثر، بل لمن يصمد أكثر". هذا اعتراف نادر من قائد كبير في حزب الله بأن التفوق العسكري والتقني لإسرائيل أصبح ساحقاً، وأن معركة الحزب لم تعد معركة نصر ساحق، بل معركة بقاء وصمود.
ثالثًا ، تحول "وحدة الساحات" من هجومية إلى دفاعية. بينما كان نصر الله يتحدث عن "وحدة الساحات" كآلية لفتح جبهات متعددة على إسرائيل وفرض معادلة إقليمية، يتحدث قاسم عن "التنسيق الدفاعي" بين الحلفاء، وعن "عدم ترك أي جبهة بمفردها"، وعن "التضامن المعنوي" أكثر من التضامن العسكري. هذا يعكس واقع أن معظم فصائل المحور (حماس في غزة، الفصائل العراقية، الحوثيون في اليمن) تعرضت لضربات قاسية أيضًا ، ولم تعد قادرة على فتح جبهات هجومية جديدة.
2. إدارة توقعات الجمهور الداخلي والمقاتلين :
واحدة من أكثر المهام تعقيدًا التي واجهها قاسم بعد توليه القيادة كانت إدارة توقعات الجمهور الداخلي للحزب. فجمهور حزب الله (الشيعي في لبنان بشكل خاص، والمتعاطفين في العالم العربي والإسلامي بشكل عام) كان معتادًا على لغة النصر والتفوق والردع. كيف يمكن إقناع هذا الجمهور بأن الحزب لم يعد قادرًا على تحقيق "نصر إلهي" جديد، وأن المعركة تحولت إلى "استنزاف طويل" قد يستمر سنوات؟ استراتيجية قاسم في هذا المجال اعتمدت على ثلاث ركائز :
- الأولى ، استحضار رمزية الشهداء والقيادة التاريخية. كل خطاب لقاسم يبدأ وينتهي بالترحم على حسن نصر الله والقادة الذين اغتيلوا، وتقديمهم كنموذج للتضحية والثبات. هذا الاستحضار المستمر يخلق شعورًا بأن الدم الذي سُفك ليس عبثيًا ، بل هو "بذار نصر قادم" (وإن كان هذا النصر غير محدد الملامح أو الزمن). كما أنه يحول الانكسار الحالي إلى حلقة في سلسلة طويلة من النضال، مما يخفف من وطأة الهزيمة الآنية.
- الثانية ، إعادة تعريف النصر. لم يعد النصر يعني "تحرير القدس" أو "إسقاط إسرائيل" (وهي أهداف كان نصر الله يلوّح بها أحيانًا في خطاباته الحماسية). أصبح النصر يعني "منع العدو من تحقيق أهدافه"، "الحفاظ على وجود المقاومة"، "إفشال مخططات التصفية". في خطاب له في مارس 2025م، قال قاسم : "إذا بقيت راية المقاومة مرفوعة بعد كل هذه الضربات، فهذا نصر. إذا لم يتمكن العدو من اجتياح لبنان أو فرض شروطه، فهذا نصر". هذا إعادة تعريف ذكية للنصر تجعله قابلًا للتحقق حتى في ظل التراجع العسكري.
- الثالثة، بناء شرعية جديدة للاستمرار. يكرر قاسم في كل مناسبة أن "سلاح المقاومة ليس للاستعراض، بل للدفاع عن لبنان وأهله". هذا التأكيد على البعد الدفاعي الوطني (بدلاً من البعد الهجومي الإقليمي) يحاول بناء شرعية جديدة لاستمرار تسلح الحزب في الداخل اللبناني، خاصة في مواجهة انتقادات القوى اللبنانية الأخرى التي ترى أن سلاح الحزب أصبح عبئاً على لبنان أكثر من كونه حماية. بالقول إن الحزب يدافع عن لبنان من الاحتلال والعدوان، يحاول قاسم نزع فتيل الانتقادات الداخلية والحفاظ على الحد الأدنى من الإجماع الوطني حول سلاح الحزب.

3. إعادة تعريف العلاقة مع إيران - من التبعية إلى الشراكة في الألم - :
أحد الجوانب الأقل وضوحًا لكنها عميقة الأثر في تحول الخطاب الاستراتيجي لحزب الله هو تعديل طريقة الحديث عن العلاقة مع إيران. في خطاب نصر الله، كانت إيران تُقدَّم كـ"السند الأكبر" و"العمق الاستراتيجي" و"مصدر القوة"، بكل ما في ذلك من إيحاءات بالتبعية أو الاستناد الكامل. بعد حرب 2024م، ومع انكشاف محدودية ما تستطيع إيران فعله لحماية حزب الله (إيران لم تتدخل عسكريًا بشكل مباشر في الحرب، واكتفت بدعم معنوي ولوجستي محدود)، كان لا بد من تعديل هذا الخطاب.
خطاب قاسم الجديد يقدّم العلاقة مع إيران بشكل مختلف كـ"شراكة استراتيجية في مواجهة عدو مشترك"، و"تكامل في الألم والتضحية" وليس في القوة فقط. كما بدأ قاسم بالتلميح إلى أن إيران نفسها تعرضت لضربات ونزيف، وأن "المحور بكامله يمر بمرحلة امتحان عسير". هذا التحول في الخطاب يخدم هدفين :
أولًا ، خفض سقف التوقعات من إيران، ومنع الإحباط عندما لا تقدم دعمًا عسكريًا حاسمًا .
ثانيًا ، تحميل الحزب نفسه مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسه، مما يعزز استقلاليته النسبية ويقلل من صورة "الوكيل" التي يلصقها به خصومه.


رابعًا : أبعاد إضافية – استراتيجية إعادة التأهيل والحرب النفسية -

1. استراتيجية إعادة التأهيل - التعافي البطيء والمنهج -

القارئ العزيز ، بعيدًا عن التحولات في العقيدة والتسليح والخطاب، يواجه حزب الله تحديًا وجوديًا لا يقل خطورة ، كيف يعيد بناء قوته البشرية والتنظيمية بعد خسائر فادحة؟ التقديرات تشير إلى أن الحزب فقد ما بين 1500 إلى 2000 مقاتل بين قتيل وجريح معاق (بالإضافة إلى نحو 4000 جريح أقل خطورة) في حرب 2024م، وهو رقم كبير لمنظمة لا يتجاوز عدد مقاتليها الأساسيين 20-25 ألف مقاتل (بالإضافة إلى 30-40 ألف احتياطي). كما فقد نحو 30% من قادته الميدانيين، بما في ذلك قادة ألوية ورايا. استراتيجية إعادة التأهيل التي يتبعها الحزب تعتمد على ثلاثة مسارات متوازية:

-المسار الأول : الاستقطاب السريع لعناصر جديدة. فتح الحزب باب التجنيد بشكل واسع بعد الحرب، مستغلًا المشاعر الدينية والسياسية في أوساط الجمهور الشيعي، التي تصاعدت بسبب مشاهد الدمار والاغتيالات. كما استقطب عناصر من فصائل أخرى (خاصة في سوريا والعراق) للقتال تحت لوائه. لكن هذه العملية تواجه صعوبات، لأن التدريب العسكري المتقدم يحتاج وقتًا طويلًا (من 6 أشهر إلى سنة)، والتسرع في إدخال عناصر غير مدربين جيدًا قد يؤدي إلى خسائر أكبر.
- المسار الثاني: إعادة هيكلة هرم القيادة. بعد مقتل القادة الكبار، تمت ترقية عدد كبير من القادة الميدانيين الشباب (في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر) إلى مناصب عليا. هؤلاء القادة الجدد أكثر مرونة وأقل تمسكًا بالنماذج القديمة، لكنهم يفتقرون إلى الخبرة الاستراتيجية الطويلة لسابقيهم. كما تم إنشاء "هيئات طوارئ" بدلًا من هرم قيادة واحد، حيث تتخذ القرارات بشكل جماعي من قبل مجموعة من القادة لتجنب شلل القرار في حال اغتيال أحدهم.
-المسار الثالث : التركيز على التدريب على النماذج الجديدة. مناهج التدريب في معسكرات الحزب تغيرت جذريًا . لم يعد التدريب يركز على المناورات الكبيرة واستخدام المدفعية الثقيلة، بل على مهارات البقاء والتنقل في التضاريس الوعرة، تشغيل المسيرات (تحليقًا وصيانة وتفاديًا للاعتراض)، زرع العبوات الناسفة عن بُعد، والكمائن الصغيرة. كما تم إنشاء "أكاديمية المسيرات" سرية في البقاع لتدريب خبراء ومشغلين جدد.

2. التكيف مع الحرب النفسية والتكنولوجية الإسرائيلية

واحدة من أكثر التحولات إثارة للاهتمام في أدبيات حزب الله القتالية هي استجابته للحرب النفسية الإسرائيلية المكثفة. بعد حرب 2024م، كثفت إسرائيل حملاتها الإلكترونية والنفسية ضد الحزب، من خلال رسائل نصية لتهديد عناصره، تسريبات إعلامية عن اختراق أجهزتهم، إعلانات بالعربية تنتقد فساد الحزب وهدره لأموال الشيعة، وحتى استخدام الذكاء الاصطناعي لتزييف خطابات لقاسم أو تسريبات مفبركة. رد حزب الله على هذه الحرب النفسية كان متعدد المستويات. على المستوى التقني، عاد إلى استخدام وسائل اتصال بدائية (سعاة بشريين، حمام زاجل، ألياف بصرية) لتجنب الاختراق، وفرض قواعد صارمة لمنع استخدام الهواتف الذكية في المناطق الحساسة. وعلى المستوى الإعلامي، أنشأ الحزب وحدة خاصة للرد على "الأخبار الزائفة" وتصحيح المعلومات، وأصبح أكثر حذرًا في نشر البيانات العسكرية (توقف عن نشر أعداد القتلى بشكل دقيق، واكتفى بتعميمات فضفاضة). على المستوى النفسي، كثف من الدعم النفسي والاجتماعي لعائلات القتلى والجرحى، وأنشأ برامج "إعادة تأهيل معنوي" للمقاتلين المصابين بصدمات نفسية. هذه الاستجابة تظهر أن حزب الله أصبح يدرك أن المعركة مع إسرائيل لم تعد عسكرية فقط، بل هي حرب هجينة تجمع بين العسكري والتكنولوجي والنفسي والإعلامي، وأن البقاء في هذه الحرب يتطلب تكيفًا على كل هذه المستويات.

ختامًا : سيناريوهات المستقبل – هل يصمد النموذج الجديد؟.

بعد تحليل تطور أدبيات القتال في حزب الله وفق التطورات الأخيرة، نصل إلى سؤال جوهري " هل يضمن هذا النموذج الجديد بقاء الحزب واستمراره كقوة عسكرية فاعلة؟ أم أنه مجرد إجراءات مسكنة تؤجل انهيارًا حتميًا؟".
هنا يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات مستقبلية :
- السيناريو الأول : التعافي التدريجي والعودة إلى التوازن (الاحتمال الأكبر). في هذا السيناريو، ينجح حزب الله في ترسيخ نموذجه الجديد القائم على الخلايا الصغيرة والمسيرات والاستنزاف الطويل. يعيد بناء قدراته البشرية تدريجيًا ، ويعوض جزءًا من قدراته الصاروخية عبر التصنيع المحلي، ويتمكن من خلق حالة من "الردع المحدود" القائم على القدرة على إلحاق خسائر يومية بالجيش الإسرائيلي (قناصة، مسيرات، عبوات) دون القدرة على توجيه ضربة استراتيجية كبيرة. في هذا السيناريو، يستمر حزب الله كقوة مزعجة ومستنزفة لإسرائيل، لكنه يتخلى عن طموحاته الهجومية الكبرى. هذا السيناريو مرجح لأن الحزب أظهر قدرة عالية على التكيف والتعلم من الأخطاء.
- السيناريو الثاني : التآكل البطيء والتحول إلى قوة أمنية محلية (الاحتمال المتوسط). في هذا السيناريو، تفشل جهود إعادة التأهيل في استعادة القدرات المفقودة. يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته الوقائية (اغتيالات مستهدفة، ضربات جوية محدودة) مما يمنع الحزب من التعافي الكامل. يتراجع نفوذ الحزب تدريجيًا في لبنان بسبب التعب الشعبي من الحرب وتراجع القدرة على تقديم الخدمات الاجتماعية (بسبب نقص التمويل الإيراني). يتحول الحزب تدريجيًا من قوة إقليمية إلى قوة أمنية محلية تركز على حماية مصالح طائفته ومنع الانهيار الأمني في مناطق نفوذه، مع احتفاظه بقدرة رمزية على إطلاق بعض المسيرات بين الحين والآخر لإثبات وجوده. هذا السيناريو ممكن إذا استمرت الضغوط الإسرائيلية والاقتصادية والسياسية على الحزب.
- السيناريو الثالث : الانهيار والتفكك (الاحتمال الضعيف). في هذا السيناريو المتطرف، يوجه الجيش الإسرائيلي ضربة قاضية أخرى (ربما بالتزامن مع حرب واسعة ضد إيران) تقضي على ما تبقى من قدرات الحزب وتقتل قيادته الجديدة. تنهار شبكة التمويل والإمداد، وينشق بعض القادة الميدانيين أو يتخلون عن القتال. يتحول حزب الله إلى مجرد فصيل صغير عاجز عن التأثير، وتتمكن القوى اللبنانية المناهضة له من نزع سلاحه بغطاء دولي. هذا السيناريو يبدو أقل احتمالاً في المدى القصير، لأن الحزب لا يزال يملك مخزونًا من القوة البشرية المخلصة وقاعدة اجتماعية صلبة، ولأن إسرائيل نفسها قد لا ترغب في احتلال جنوب لبنان مرة أخرى (وهو ما سيكون مكلفًا للغاية). لكنه يبقى احتمالًا واردًا في حال حدوث تحولات إقليمية كبرى (مثل انهيار النظام الإيراني أو اتفاق سلام إسرائيلي-سعودي شامل يغير قواعد اللعبة).

* تأمل أخير : ما يمر به حزب الله اليوم هو مرحلة انتقالية كبرى في تاريخه العسكري، من نموذج الدولة-ضمن-الدولة الذي راهن على الترسانة الصاروخية الضخمة والمنشآت المحصنة والقيادة الكاريزمية، نحو نموذج الكيان اللامركزي القائم على الخلايا الصغيرة والمسيرات الذكية والقيادة الجماعية وخطاب الصمود بدلًا من خطاب النصر. إن دروس حرب 2024م كانت قاسية بلا شك، لكنها قد تكون البذرة التي تنتج نسخة أكثر مرونة وأقل قابلية للاستهداف من حزب الله. فكما تعلّم التنظيم دروسه من حرب 2006م (تطوير الصواريخ الدقيقة، بناء شبكة الأنفاق)، يتعلم اليوم دروسًا جديدة من حرب 2024م (اللامركزية، المسيرات، التصنيع المحلي، الحرب النفسية).
السؤال المفتوح ليس فقط كيف سيتطور حزب الله عسكريًا، بل كيف سيتعامل مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان والمنطقة ؟ ، وكيف سيحافظ على شعبيته وشرعيته في بيئة باتت تتعب من الحروب والدمار؟ . أدبيات القتال الجديدة قد تضمن بقاءه كقوة عسكرية، لكن بقاءه كقوة سياسية واجتماعية يتطلب تحولات لا تقل عمقًا على مستوى العلاقة مع الدولة اللبنانية والمجتمع. هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الأمين العام الجديد وأركان حربه في السنوات القادمة.
في المحصلة النهائية، ما نشهده هو ولادة حزب الله الجديد ، أقل طموحًا، لكن أكثر واقعية؛ أقل قوة، لكن أكثر مرونة؛ أقل خطابية، لكن أكثر قدرة على الصمود. حزب الله الذي تعلم أن الحرب في القرن الحادي والعشرين لا تُربح بقصف مدن العدو، بل بخسارة أقل مما يتحمله الخصم. وهذه، بحد ذاتها، قد تكون أعظم دروس هذه المرحلة الانتقالية.


أ. حسين علي حياوي المؤذن



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ ...
- العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
- معجزة المسيح السياسية
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...
- الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في ...
- حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول


المزيد.....




- -حزب الله- يطلق صواريخ باتجاه إسرائيل في أول هجوم منذ وقف إط ...
- الجيش الإسرائيلي: سنواصل قتال -حزب الله- في لبنان
- -أتفهم شعوره بخيبة الأمل-.. ماذا قال أمين عام -الناتو- لـCNN ...
- غارات إسرائيلية على لبنان تخلف ما لا يقل عن 182 قتيلا وتضع ا ...
- هدوء فوق إيران ودماء في لبنان.. -وحدة الساحات- أمام اختبارها ...
- -ميمز- وألعاب فيديو: أدوات غير تقليدية في حرب أمريكا على إير ...
- من قرر الحرب على إيران.. ترمب أم نتنياهو؟
- يوم من وقف إطلاق النار.. ما أبرز تطورات هدنة حرب إيران؟
- ماكرون لترمب وبزشكيان: وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان ليك ...
- أمريكا وإيران تعلنان الانتصار.. كيف صنع كل طرف سرديته بعد 40 ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي حياوي المؤذن - أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية