|
|
إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من القسم الاول من كتاب : غرب آسيا
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 21:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
القسم الأول: بنية التكامل الاستعماري في غرب آسيا
الفصل الأول: إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة
(1) لماذا نرفض البداية من "الصراع العربي الإسرائيلي"؟
كل الكتب التي قرأتها عن هذه المنطقة تبدأ من نقطة تبدو بديهية: "الصراع العربي الإسرائيلي". وكأن هناك صراعاً بين طرفين متماثلين، وكأن هناك "عرباً" من جهة و"إسرائيليين" من جهة أخرى، وكأن المطلوب هو "تسوية سلمية" ترضي الجميع. هذه البداية، التي تبدو محايدة، هي في الواقع أكثر البدايات انحيازاً. لأنها تشرعن وجود الكيان الصهيوني كـ"دولة" لها حقوق مثلها مثل أي دولة أخرى، وتختزل القضية الفلسطينية في "نزاع حدودي" يمكن حله على طاولة مفاوضات.
هذا الكتاب يبدأ من مكان آخر. لا يوجد "صراع عربي إسرائيلي". يوجد استعمار استيطاني، بدأ في أواخر القرن التاسع عشر، وتوج بوعد بلفور 1917، واكتمل بالنكبة 1948، واستمر بالتوسع والتوحش حتى اليوم. الاستعمار لا يُساوم عليه، ولا يُقسّم إلى "دولتين"، ولا يُدار عبر "تطبيع". الاستعمار يُقاوم، ثم يُفكك، ثم تُبنى على أنقاضه علاقات جديدة بين البشر الأحرار.
لكن حتى هذا التوصيف – "استعمار استيطاني" – غير كافٍ لنا في هذا الكتاب. لأن الاستعمار الاستيطاني التقليدي (كالأبريتيد في جنوب أفريقيا، أو الاستعمار الفرنسي في الجزائر) كان يقوم على فكرة بسيطة: المستوطنون البيض يأتون ليحلوا محل السكان الأصليين، ويسيطرون على الأرض والثروة. لكن إسرائيل اليوم مختلفة. إسرائيل لم تعد مجرد مستعمرة استيطانية، بل أصبحت عضواً عضوياً في سلسلة إنتاج استعماري عالمية، تؤدي وظيفة محددة بدقة داخل نظام الهيمنة في غرب آسيا.
دعني أوضح.
……
(2) من "دولة" إلى "أداة": تحول تاريخي في الوظيفة
عندما تأسست إسرائيل في 1948، كانت بالفعل دولة استعمارية استيطانية بالمعنى التقليدي. مستوطنون يهود قادمون من أوروبا، مدعومون من القوى الغربية (خاصة بريطانيا ثم أمريكا)، يقيمون كياناً على أنقاض شعب آخر. كانت الوظيفة واضحة: تأمين موطئ قدم غربي في قلب العالم العربي، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وفشل المشاريع الاستعمارية المباشرة.
لكن بعد حرب 1967، وتحديداً بعد أن أثبتت إسرائيل تفوقها العسكري الساحق على الجيوش العربية، بدأت وظيفتها تتغير. لم تعد مجرد "موطئ قدم"، بل أصبحت الذراع العسكري الغربي في المنطقة. صارت أمريكا ترى في إسرائيل ما رأته سابقاً في شاه إيران: حامياً للمصالح البترولية، ودرعاً ضد المد القومي العربي (الذي كان يمثله جمال عبد الناصر آنذاك)، ومختبراً لأحدث الأسلحة الأمريكية.
حرب أكتوبر 1973 كانت مفترق طرق. حين كسر الجيشان المصري والسوري أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، أدركت أمريكا وإسرائيل معاً أن الوظيفة القديمة لم تعد كافية. لم يعد ممكناً الاعتماد على التفوق العسكري وحده، لأن العرب تعلموا واستعدوا وضربوا ضربتهم. من هنا ولد مشروع "كامب ديفيد" (1978)، ثم "أوسلو" (1993)، ثم "التطبيع" مع الخليج (2020-2023). الوظيفة الجديدة لإسرائيل أصبحت: تطبيع الهزيمة العربية، وتحويل "المقاومة" إلى "إرهاب"، وجعل العرب يقبلون بوجود إسرائيل كحقيقة لا رجعة فيها، بل كـ"شريك استراتيجي" و"نموذج تكنولوجي" يحتذى.
واليوم، بعد طوفان الأقصى 2023 وحرب الإبادة التي تلته، نكتشف أن الوظيفة تتحول مرة أخرى. إسرائيل لم تعد قادرة على أن تكون "درعاً" لأمريكا، لأن درعاً يخترق بهذه الطريقة المروعة لا يمكن لأحد أن يثق به. لكنها أصبحت شيئاً آخر: عضلة عقابية فوق وطنية. هي التي تقوم بالأعمال القذرة التي لا تستطيع أمريكا القيام بها علناً. هي التي تجرب أسلحة الفوسفور الأبيض والذكاء الاصطناعي في الإبادة الجماعية، ثم تبيع هذه التجارب لـ"حلفائها" الجدد في الخليج وآسيا. هي التي ترعب الأنظمة العربية ليس بقوتها العسكرية فقط، بل بقدرتها على فضح هشاشتها: كم من الأنظمة العربية سقطت أو اهتزت بعد حرب غزة؟ وكم منها أيقن أن "التطبيع" لا يحميها من غضب شعوبها؟
……
(3) إسرائيل كشركة أمن خاصة فوق وطنية
ربما التشبيه الأكثر دقة لإسرائيل اليوم هو أنها شركة أمن خاصة عملاقة، تمتلك أسلحة نووية وطائرات F-35 وذراعاً استخباراتياً (الموساد) يضرب في كل عاصمة، لكنها لا تملك سيادة حقيقية بالمعنى الكلاسيكي. هل تستطيع إسرائيل اتخاذ قرار استراتيجي واحد دون تنسيق مسبق مع واشنطن؟ هل تستطيع وقف حرب غزة إذا أرادت، أم أن القرار بيد الإدارة الأمريكية وشركات السلاح واللوبي الصهيوني في الكونغرس؟ هل تستطيع إسرائيل تطبيع علاقاتها مع السعودية دون موافقة أمريكية، أم أن "صفقة القرن" كانت خطة أمريكية قبل أن تكون إسرائيلية؟
إسرائيل ليست دولة، لأن الدولة الحقيقية هي التي تملك القرار السيادي المستقل. وإسرائيل لا تملك هذا. إسرائيل هي واجهة للهيمنة الأمريكية، ذراع تنفيذية، مختبر للتجارب، محرض دائم على الفوضى كي تبقى الحاجة ملحة لوجود "حامٍ" أمريكي.
انظر إلى سلوك إسرائيل بعد طوفان الأقصى. هل تصرفت كدولة تسعى لأمن مواطنيها؟ لو كانت كذلك، لكان عليها أن تقبل بصفقة تبادل الأسرى في الأيام الأولى، وأن تعيد النظر في عقيدتها الأمنية بأكملها. لكنها تصرفت كـآلة انتقام عمياء: قتلت من قتلت، دمرت ما دمرت، وخرجت من الحرب بعد 18 شهراً (ربيع 2025) معلنة "النصر"، بينما لم تحقق أي من أهدافها المعلنة: لا تحرير الأسرى، ولا القضاء على حماس، ولا إعادة المستوطنين إلى غلاف غزة، ولا تطبيع كامل مع السعودية. ماذا حققت إذن؟ حققت الإبادة كغاية في حد ذاتها، وعلمت العالم أن إسرائيل قادرة على قتل 200 ألف فلسطيني دون أن تتحمل أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية. وهذا بالضبط هو ما تريده أمريكا: تخويف كل من يفكر في معارضة الهيمنة الغربية في أي مكان في العالم. "انظروا ماذا نفعل بغزة، واعرفوا ما سنفعله بكم".
---
(4) لماذا تحتاج إسرائيل إلى عرب ضعفاء ومفككين؟
هنا نصل إلى نقطة جوهرية. إسرائيل ليست قوية رغم ضعف العرب، بل هي قوية بسبب ضعف العرب. كلما كان الجيران أضعف، وأكثر تمزقاً، وأقل وعياً، كانت إسرائيل أكثر أماناً (في تصورها المريض). ولهذا فإن إسرائيل تعمل منذ عقود على منع ثلاثة أشياء في العالم العربي:
أولاً: منع الجيوش القوية. الجيش الوطني القوي هو الذي يمتلك عقيدة قتالية مستقلة، وسلاحاً متنوعاً، وقدرة على اتخاذ قرار الحرب والسلام دون الرجوع إلى واشنطن. إسرائيل تضرب كل محاولة لبناء جيش عربي قوي، إما عبر حروب مباشرة (كما فعلت مع العراق 1981 حين قصفت المفاعل النووي، ومع سوريا في أكثر من مناسبة)، أو عبر اتفاقيات "تطبيع" تفرض قيوداً على التسلح (كامب ديفيد مع مصر، وادي عربة مع الأردن)، أو عبر العقوبات والحصار ومنع نقل التكنولوجيا (كما تفعل مع إيران والعراق اليوم). الجيوش العربية المطلوبة لإسرائيل هي جيوش ضعيفة، مشغولة بقمع شعبها، مشتتة بين مهام داخلية لا علاقة لها بالدفاع عن التراب، تعتمد على قطع غيار أمريكية يمكن قطعها في أي لحظة.
ثانياً: منع الجامعات المستقلة. الجامعة المستقلة تنتج وعياً نقدياً، وتخلق نخباً لا تطلب الوظائف من السفراء الغربيين، وتفكر في استراتيجيات تنمية بديلة، وتطرح أسئلة محرجة حول التبعية والهيمنة. لهذا تعمل إسرائيل وأمريكا وحلفاؤهما الخليجيون على تحويل الجامعات العربية إلى مجرد معاهد تدريب مهني، تخرج طلاباً يحفظون ولا يفكرون، يقلدون ولا يبتكرون، يلهثون وراء شهادات "معادلة" من جامعات غربية لا تعترف إلا بمن يقول ما تريد سماعه. حرب غزة كانت مثالاً صارخاً: إسرائيل قصفت كل الجامعات في غزة، وليس لأن فيها "مقاتلين"، بل لأن الجامعة تنتج وعياً، والوعي أخطر من الصواريخ.
ثالثاً: منع الاقتصاد المنتج. اقتصاد منتج يعني أنك تصنع ما تستهلك، وتصدر ما يفوق حاجتك، ولا تحتاج إلى استيراد كل شيء من الخارج. هذا النوع من الاقتصاد يخلق استقلالاً قرارياً، ويقلل من تأثير العقوبات والحصار. إسرائيل تعمل على بقاء الاقتصادات العربية في دائرة الريع: بيع نفط وغاز ومواد خام، وشراء أسلحة وسلع استهلاكية وتكنولوجيا. أي محاولة لبناء صناعة محلية (كالسيارات في إيران، أو الأدوية في سوريا، أو الإلكترونيات في العراق) تُقابل بحصار واتهامات بـ"الالتفاف على العقوبات" وقصف للبنية التحتية.
رابعاً: منع الوعي الشعبي. الوعي الشعبي هو الذي يمنع التطبيع، ويدفع الناس إلى الشوارع كلما ارتكبت إسرائيل مجزرة، ويخلق أجيالاً تختار المقاومة طواعية لا إكراهاً. لهذا تعمل إسرائيل وأذرعها الإعلامية على تجهيل الشعوب العربية: إعلام خليجي يروج للترفيه والاستهلاك، مناهج دراسية تُخلو من التاريخ الحقيقي للصراع، وحملات تشويه مستمرة لكل من يسمي الأشياء بأسمائها (فالمقاوم "إرهابي"، والتحرر "تطرف"، والوطنية "عنصرية").
هذه الوظائف الأربع – إضعاف الجيش، تعطيل الجامعة، تفقير الاقتصاد، تجهيل الشعب – هي التي تقوم بها إسرائيل يومياً، ليس فقط عبر حروبها، بل عبر شبكة معقدة من العلاقات مع الأنظمة العربية التابعة، والمنظمات غير الحكومية الممولة غربياً، والإعلام المأجور، واتفاقيات "التعاون الثقافي والعلمي" التي هي في جوهرها أدوات استعمار ناعم.
……
(5) متى تكف إسرائيل عن كونها أداة؟
هذا سؤال لا يطرحه أحد، لكنه سؤال مصيري. إسرائيل لن تكف عن كونها أداة إلا إذا أصبحت عبئاً على أمريكا. وهذا يحدث فقط في حالتين: إما أن تصبح إسرائيل ضعيفة لدرجة أنها لا تستطيع حماية نفسها، فتصبح التزاماً أمنياً مكلفاً تريد أمريكا التخلص منه (وهذا لم يحدث حتى بعد طوفان الأقصى، لأن أمريكا وجدت في "الإبادة" فرصة لإعادة تأكيد هيمنتها)، أو أن تصبح إسرائيل قوية ومستقلة لدرجة أنها تتخذ قرارات تتعارض مع المصالح الأمريكية (وهذا يحدث أحياناً على المستوى التكتيكي، كبناء مستوطنات رغم اعتراض أمريكا، لكنه لم يحدث قط على المستوى الاستراتيجي).
الاستنتاج المحزن هو: إسرائيل أداة مثالية. هي قوية بما يكفي لتخويف المنطقة، وضعيفة بما يكفي لعدم القدرة على التمرد على أمريكا. هي مستقلة في التفاصيل، تابعة في الجوهر. هي تخدم مصالح واشنطن أكثر مما تخدم مصالح مواطنيها (الذين أصبح كثيرون منهم يفكرون في الهجرة بعد حرب 2023-2025).
لذلك، أي حديث عن "حل الدولتين" أو "تسوية سلمية" هو هروب من السؤال الحقيقي: كيف نفكك هذه الأداة الاستعمارية؟ كيف نحول إسرائيل من عضلة تخويف إلى كيان طبيعي يمكن التعايش معه على أساس المساواة وليس الإذعان؟
هذا السؤال يقودنا إلى الفصل التالي، حيث سنناقش القوة الحامية لهذه الأداة: الولايات المتحدة، التي تقدم الغطاء العسكري والدبلوماسي والإعلامي لكل هذه الوظائف الاستعمارية ، ولكننا سنتابع ما بدأناه في الفصل الأول لتعميقه .
…….
(6) "حدود آمنة" أم "من الفرات إلى النيل"؟
لكل أداة استعمارية شعارها. كان شعار الاستعمار البريطاني في ذروته "الشمس لا تغيب عن الإمبراطورية"، وكان شعار الاستعمار الفرنسي "مهمة تحضير المتوحشين". أما إسرائيل فشعارها يتغير حسب المرحلة، لكن الجوهر واحد: التوسع بلا نهاية، والتبرير بلا خجل.
في البداية، تحدثوا عن "حدود آمنة". كان هذا شعار حرب 1967: نحن لا نريد أرضكم، نريد فقط حدوداً لا تهدد وجودنا. فاحتلوا الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء. ثم تحول الشعار إلى "القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل". ثم إلى "منع حق العودة" للاجئين الفلسطينيين. ثم إلى "السيادة على وادي الأردن". ثم إلى "ضم الضفة الغربية تدريجياً". اليوم، وبعد حرب الإبادة على غزة، بدأ الشعار الأكثر جرأة يطل برأسه من أقاصي اليمين الإسرائيلي: "من الفرات إلى النيل". أي أن إسرائيل يجب أن تمتد من نهر الفرات في شرق سوريا إلى نهر النيل في غرب مصر، مروراً بالأردن ولبنان والسعودية والعراق.
هذا الشعار ليس مجرد حلم طائش لعنصري متطرف. بل هو تعبير صريح عن الوظيفة الاستعمارية لإسرائيل. فإذا كانت أمريكا تريد تفكيك العالم العربي إلى دويلات طائفية وعرقية صغيرة (كما سنرى في الفصل التالي)، فإن إسرائيل هي التي ستسيطر على قلب هذا العالم المفكك. لا كدولة تحتل كل هذه الأراضي مباشرة (فهذا مكلف جداً، كما رأينا في لبنان وغزة)، بل كـقوة مركزية تفرض إرادتها على كل هذه المناطق عبر مزيج من الردع العسكري، والاختراق الاقتصادي، والسيطرة على الموارد المائية والنفطية، وتوظيف العملاء المحليين.
تأملوا الخريطة: نهر الفرات ينبع من تركيا ويمر بسوريا والعراق. نهر النيل ينبع من أفريقيا ويمر بالسودان ومصر. بين النهرين تقع: لبنان، الأردن، فلسطين، سوريا، العراق، شمال السعودية، غرب إيران. هذه هي المنطقة التي تريدها إسرائيل "منطقة نفوذ حصرية"، خالية من أي جيش وطني قوي، أو جامعة مستقلة، أو اقتصاد منتج، أو وعي شعبي مقاوم. هذه هي المنطقة التي تريد تحويلها إلى محمية استعمارية على غرار ما كانت تفعله شركة الهند الشرقية. وهنا المفارقة المذهلة: بينما تصرخ وسائل الإعلام الغربية والعربية عن "تهديد إيران للمنطقة" و"مشروع إيران التوسعي"، فإن إيران لم تعلن أبداً عن أي شعار يذكر "من الخليج إلى المتوسط" أو "من الفرات إلى النيل". بينما إسرائيل تعلن هذه الشعارات علناً، في كنيستها، على شاشات التلفزيون، في كتب مؤرخيها العسكريين، دون أن يغضب أحد، أو يفرض عقوبات، أو يدعو إلى "قلب النظام". لماذا؟ لأن إسرائيل أداة، والأداة لا تخاف من التصريح بنوايا سيدها. أما إيران فهي دولة مستقلة نسبياً، فأي شعار توسعي لها سيواجه بحلف عسكري عالمي فوري.
……
(7) إسرائيل والاغتيال كأداة إدارة حياة
ثمة جانب آخر في وظيفة إسرائيل لا ينتبه إليه كثيرون: الاغتيال. إسرائيل تفتخر بأنها اغتالت المئات من القادة الفلسطينيين والعرب والإيرانيين على مدى عقود. لكن الاغتيال عند إسرائيل ليس مجرد عملية عسكرية أو استخباراتية، بل هو فلسفة إدارة حياة، أسلوب حكم، طريقة لقول كل من يعارضنا: لن تعيش طويلاً.
الاغتيال يصنع أمرين: أولهما الفراغ القيادي. كلما اغتالت إسرائيل قائداً وطنياً بارزاً، تترك فراغاً يصعب ملؤه، وتشعل صراعات داخلية على من يخلفه، وتجعل أي قائد جديد يعيش في خوف دائم، فيتردد في اتخاذ قرارات جريئة. ثانيهما التطبيع مع الموت، بحيث يصبح القتل خارج نطاق القانون شيئاً عادياً، ويصبح دم الفلسطيني أو العربي أو الإيراني رخيصاً، ولا قيمة له في الميزان الإعلامي أو الدبلوماسي.
لكن الاغتيالات الإسرائيلية تحمل أيضاً إفلاساً استراتيجياً لا يريد أحد الاعتراف به. هل منعت الاغتيالات المقاومة؟ اغتالت إسرائيل غسان كنفاني ، و ابو علي مصطفى ، و أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وعباس الموسوي، وفتحي شقاقي، وعماد مغنية، وقاسم سليماني، ومحسن فخري زاده، وحسن نصرالله ، وعلي الخامنئي وعلي لاريجاني و آخرين كثيرين. هل أوقفت هذه الاغتيالات المقاومة الفلسطينية؟ هل أوقفت البرنامج النووي الإيراني؟ هل أوقفت "طوفان الأقصى"؟ لا. بل زادت من عنفوانها، وأظهرت أن القادة يُستشهدون وتستمر المسيرة.
إسرائيل تعرف هذا، لكنها تستمر. لماذا؟ لأن الاغتيال ليس موجهاً فقط ضد المقاومين، بل موجهاً أيضاً ضد الرأي العام العالمي وضد الضمائر الحرة في الغرب. الاغتيال يقول لهم: "انظروا، هؤلاء إرهابيون، ونحن نتعامل معهم كما تتعاملون أنتم مع الإرهابيين". وهو أيضاً موجّه ضد الأنظمة العربية المتخاذلة: "انظروا، نحن نقتل خصومنا أينما كانوا، وأنتم عاجزون حتى عن حماية أنفسكم، فكيف تحمون شعوبكم؟".
في النهاية، الاغتيال الإسرائيلي هو اعتراف صريح بأن الحل السياسي مستحيل. لأن من يقتل خصومه بدلاً من التفاوض معهم، ومن يرى في كل قائد وطني "إرهابياً" يجب تصفيته، لا يمكنه أن يريد سلاماً حقيقياً. يريد فقط سلاماً إسرائيلياً: سلام المستعمر مع عبيده، سلام الذئب مع الخراف.
…..
(8) الخلاصة: إسرائيل كمرآة لتخلف الأنظمة العربية
نعود إلى سؤال بدا لنا بسيطاً في بداية الفصل: لماذا لم تتحول إسرائيل بعد كل هذه العقود إلى دولة طبيعية، تقبل بالجوار وتحتكم إلى القانون الدولي؟ الجواب ليس داخل إسرائيل فقط، بل داخل العالم العربي أيضاً.
إسرائيل موجودة كأداة استعمارية لأن هناك طلباً عربياً على هذه الأداة. الأنظمة العربية (باستثناء القليل) تحتاج إلى إسرائيل لتخويف شعوبها، وتبرير قمعها، وصرف النظر عن فشلها الذريع في بناء دولة وطنية حقيقية.
اسأل أي مواطن عربي عادي: هل يخاف من إسرائيل؟ سيقول نعم، لكن ليس بنفس قدر خوفه من أجهزة أمن بلده، أو من تدهور العملة، أو من انقطاع الكهرباء والماء، أو من الفساد المستشري، أو من غياب أي أفق لحياة كريمة. إسرائيل تزدهر في هذا المستنقع العربي. كلما كان المواطن العربي أكثر فقراً وجهلاً ومرضاً وانقساماً، كانت إسرائيل أكثر أماناً. وهذا هو الدرس الأقسى: مقاتلة إسرائيل تبدأ بمقاتلة التخلف والتبعية في الداخل العربي. لا يمكن تحرير فلسطين في غياب مشروع نهضوي عربي شامل. لا يمكن هزيمة الأداة دون تفكيك النظام الذي يستخدمها.
لهذا، فإن أي حديث عن "المقاومة" بمعزل عن مشروع وطني نهضوي هو مجرد إدارة أزمات، لا حل جذري. وهذا ما سنناقشه في نهاية الكتاب. أما الآن، وقد فهمنا إسرائيل كأداة، فعلينا أن نفهم من يصنع هذه الأداة ويشغلها ويمولها: الولايات المتحدة أولاً، والخليج ثانياً، وتركيا ثالثاً. وهذا ما سنفعله في الفصول الثلاثة القادمة.
……
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات
...
-
مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
-
غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا
...
-
هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية
...
-
في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
-
سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن
...
-
الفخ المقدس..رواية قصيرة
-
مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
-
مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف
...
-
ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
-
مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
-
مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال
...
-
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
-
إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
-
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي
...
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
المزيد.....
-
بعد تصريح وزير خارجية إيران.. ترامب يعلق على ازدحام مضيق هرم
...
-
وقف إطلاق النار مع إيران.. ملخص سريع لما حدث فجر الأربعاء
-
بعد نحو 6 ساعات على إعلان وقف إطلاق النار.. ماذا تظهر بيانات
...
-
الولايات المتحدة وإيران تتفقان على وقف إطلاق النار لمدة أسبو
...
-
إسرائيل تدعم تعليق قصف إيران وتقول إن ذلك لا يشمل لبنان
-
-تعفن الدماغ-.. 12 طريقة لمحاربته والبداية مع الكلمات المتقا
...
-
معضلة ترمب.. تزوير انتخابات التجديد النصفي للكونغرس أم إلغاؤ
...
-
8 قتلى في استهداف إسرائيلي لمدينة صيدا جنوبي لبنان
-
حرب إيران شرارة اندلاع أزمة غذائية عالمية
-
تناقض إيران في هرمز.. تصعيد انتهى بالتراجع
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|