أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني للأحزاب السياسية في العراق















المزيد.....

الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني للأحزاب السياسية في العراق


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 14:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وُلدت منظمات المجتمع المدني في جوهرها النظري لتكون صوت المجتمع المستقل ومساحةً حرة بين الدولة والمواطن. وظيفتها الأساسية هي الدفاع عن الحقوق، وتعزيز المشاركة، ونشر قيم المواطنة والعدالة، ومراقبة أداء السلطة. لكن هذه الفكرة النبوية تعرضت في العراق، خلال السنوات الماضية لتشوهات عميقة، تمثلت في تحول بعض هذه المنظمات تدريجياً إلى امتدادات غير معلنة للأحزاب السياسية، تعمل ضمن حساباتها وتتحرك وفق مصالحها الضيقة.
شهد العراق بعد عام 2003 طفرة كبيرة في أعداد منظمات المجتمع المدني، مستفيداً من الانفتاح السياسي والدعم الدولي السخي. سُجِّلت آلاف المنظمات التي تنوعت مجالات عملها بين حقوق الإنسان والتنمية وتمكين المرأة والإغاثة ومراقبة الانتخابات. وكان يُفترض بهذا الانتشار أن يعكس حيوية المجتمع ورغبته في بناء فضاء مدني مستقل. إلا أن الواقع كشف لاحقاً أن جزءاً غير قليل من هذه المنظمات إما نشأ برعاية أحزاب سياسية أو وقع تحت تأثير شخصيات حزبية نافذة، مستغلة ضعف الخبرة المؤسسية وهشاشة مصادر التمويل المستقلة.
عندما تدخل الأحزاب إلى فضاء العمل المدني، فإنها غالباً ما تحاول توجيهه بما يخدم أهدافها. فتتحول المنظمة من إطار يمثل المجتمع إلى أداة للدعاية السياسية، أو وسيلة لبناء نفوذ اجتماعي، أو قناة للحصول على التمويل المحلي والدولي. وفي مثل هذه الحالات، يصبح نشاط المنظمة مرتبطاً بمواقف الحزب الذي يقف خلفها: تدافع عن قضاياه، وتتجنب نقده، وقد تشارك في حملاته الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذه الظاهرة تخلق عدداً من الإشكالات الخطيرة. أولها إضعاف ثقة المجتمع بمنظمات المجتمع المدني. فحين يشعر المواطن بأن المنظمة ليست مستقلة بل مرتبطة بحزب معين، فإنه يتعامل معها بوصفها جزءاً من الصراع السياسي لا جزءاً من المجتمع. وهنا تفقد المنظمة أهم رأسمال تملكه، وهو المصداقية.
أما الإشكال الثاني فيكمن في تشويه مفهوم العمل المدني نفسه. فالمجتمع المدني يفترض أن يكون مساحة جامعة تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، لكن عندما تخضع المنظمات لهيمنة الأحزاب فإنها تصبح جزءاً من منظومة الاستقطاب ذاتها التي يعاني منها المجتمع.
وثالث هذه الإشكالات هو إقصاء المبادرات المدنية الحقيقية. فالمنظمات المرتبطة بالأحزاب غالباً ما تمتلك موارد أكبر، وعلاقات أوسع، وقدرة أعلى على الوصول إلى التمويل أو المؤسسات الرسمية. وهذا يضع المنظمات المستقلة، التي تعتمد على جهود تطوعية صادقة، في موقع ضعيف وغير متكافئ.
إن استقلال المجتمع المدني ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء دولة ديمقراطية سليمة. فالمجتمع المدني المستقل يستطيع أن يراقب السلطة، وينتقدها، ويدافع عن حقوق المواطنين دون خوف أو حسابات حزبية. أما حين يتحول إلى تابع للأحزاب، فإنه يفقد دوره الرقابي ويتحول إلى جزء من منظومة النفوذ نفسها.
لذلك فإن حماية العمل المدني في العراق تتطلب تعزيز الشفافية في تمويل المنظمات، ووضع معايير واضحة للفصل بين النشاط الحزبي والعمل المدني، وتشجيع المبادرات المستقلة التي تنبع فعلاً من احتياجات المجتمع لا من حسابات السياسة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للمجتمع المدني أن يكون صوت المجتمع إذا كان صدىً للأحزاب؟ إن الجواب عن هذا السؤال يحدد إلى حد بعيد مستقبل الحياة المدنية والديمقراطية في العراق.
لكن مبدئياً، يُفترض بمنظمات المجتمع المدني أن تكون مرآةً للمجتمع، تعكس همومه وتطلعاته، وتدافع عن مصالحه بعيداً عن ضغوط السلطة وتقلبات السياسة. فهي في الأصل مساحة مستقلة بين الدولة والمجتمع، تعمل على تمكين المواطنين، ومراقبة الأداء الحكومي، والمساهمة في ترسيخ قيم المشاركة والشفافية. لكن هذا الدور يفقد معناه عندما تتحول هذه المنظمات إلى امتداد غير معلن للأحزاب السياسية.
في كثير من الأحيان، لا يكون الخلل في فكرة المجتمع المدني نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها بعض منظماته. فعندما تتسلل الأحزاب إلى هذه المنظمات عبر التمويل أو النفوذ أو التعيينات، تصبح برامجها وأنشطتها انعكاساً لأجندات حزبية أكثر مما هي استجابة لحاجات المجتمع. عندها لا يعود المجتمع المدني صوتاً للمواطنين، بل يتحول إلى صدىً لخطاب سياسي مُعدّ سلفاً.
تكمن خطورة هذا التحول في أنه يفرغ مفهوم المجتمع المدني من جوهره. فالمجتمع يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تمثيله والدفاع عن مصالحه بمعزل عن الصراع الحزبي، خصوصاً في المجتمعات التي تعاني من انقسامات سياسية أو طائفية. أما إذا أصبحت منظمات المجتمع المدني جزءاً من هذا الصراع، فإنها تفقد ثقة الناس بها، وتتحول إلى أداة إضافية لتعميق الانقسام بدلاً من أن تكون جسراً للحوار.
ولا يعني هذا أن المجتمع المدني يجب أن يكون معزولاً تماماً عن السياسة، فالقضايا التي يتناولها – مثل الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية – هي بطبيعتها قضايا سياسية. لكن الفرق كبير بين الانخراط في الشأن العام من موقع الاستقلال، وبين العمل كواجهة أو ذراع غير رسمية لحزب أو تيار سياسي.
إن استقلالية المجتمع المدني هي الشرط الأساسي لصدقيته. وهذه الاستقلالية لا تتحقق بالشعارات، بل عبر الشفافية في التمويل، والديمقراطية في إدارة المنظمات، ووضوح الأهداف والبرامج. كما أن المجتمع نفسه مطالب بمتابعة أداء هذه المنظمات ومساءلتها، حتى لا تتحول إلى كيانات مغلقة تخدم مصالح ضيقة.
في النهاية، لا يمكن للمجتمع المدني أن يكون صوت المجتمع إذا كان صدىً للأحزاب. فالصوت الحقيقي هو الذي ينطلق من الناس ويعود إليهم، يعبر عن احتياجاتهم ويستمد شرعيته من ثقتهم. أما الصدى، فهو مجرد تكرار لصوت آخر، مهما حاول أن يبدو مستقلاً. وبين الصوت والصدى يكمن الفرق بين مجتمع مدني حيّ، وآخر فقد دوره ومعناه.
كيف تتمكن بعض الأحزاب السياسية في العراق إستمالة منظمات المجتمع المدني لكي تعمل لصالحها ووفق أجنداتها الحزبية؟
تتمكّن بعض الأحزاب السياسية في العراق من استمالة منظمات المجتمع المدني والعمل من خلالها بطرق متعددة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر. يعود ذلك غالبًا إلى طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية بعد عام 2003، حيث نشأت آلاف المنظمات بسرعة كبيرة، أحيانًا دون خبرة مؤسسية أو مصادر تمويل مستقلة. وفيما يلي أبرز الآليات التي تُستخدم عادة:
اولاً- التمويل والسيطرة المالية: أن الكثير من منظمات المجتمع المدني تعتمد على التمويل للبقاء، فتستغل ذلك بعض الأحزاب عبر تقديم دعم مالي مباشر للمنظمة أو لمشاريعها، أوتسهيل الحصول على منح أو عقود حكومية من خلال نفوذها السياسي، أوتمويل غير معلن مقابل تبني مواقف أو نشاطات تخدم الحزب.
وعندما تصبح المنظمة معتمدة مالياً على جهة حزبية، يتشكل نوع من الارتباط غير المعلن الذي يؤثر على قراراتها ونشاطها.
ثانياً- إنشاء منظمة واجهة: إذ بعض الأحزاب تقوم اساساً بتأسيس منظمات مجتمع مدني تابعة لها، لكنها تُقدّم للجمهور كمنظمات مستقلة؛ هذه المنظمات قد تنظم فعاليات تبدو مدنية أو ثقافية، أو تصدر بيانات أو تقارير تدعم مواقف الحزب، أو تعمل على تحسين صورة الحزب في المجتمع.
ثالثاً- اختراق الهيئات الإدارية: أحياناً تسعى الأحزاب إلى إدخال أعضاء موالين لها إلى مجالس إدارة المنظمات أو مواقع قيادية فيها، وبمرور الوقت يمكن أن تتغير توجهات المنظمة، أو تتحول أنشطتها تدريجياً لخدمة أجندة سياسية معينة.
رابعاً- استغلال النفوذ الحكومي: أن الأحزاب التي تملك نفوذاً في مؤسسات الدولة قد تستخدمه؛ لتسهيل تسجيل المنظمات القريبة منها، وتقديم امتيازات (مقرات، تصاريح، دعم لوجستي)، والضغط غير المباشر على المنظمات المستقلة.
خامساً- توظيف الخطاب المدني لخدمة أهداف سياسية عبر تشجيع المنظمات على تنظيم ندوات أو حملات إعلامية تدعم سياسات محددة، أو التأثير على الرأي العام تحت عنوان الدفاع عن حقوق أو قضايا اجتماعية، أو المشاركة في مراقبة الانتخابات بطريقة منحازة.
سادساً- العلاقة الشخصية والشبكات الاجتماعية، وفي كثير من الأحيان يتم الأمر عبر علاقات شخصية بين ناشطين وقادة حزبيين، أو تقديم فرص عمل أو مناصب، أو إدماج ناشطين مدنيين في مشاريع سياسية أو انتخابية.
سابعاً- ضعف الإطار التنظيمي والرقابي، ويتمثل في ضعف قوانين الشفافية الخاصة بالمنظمات، أو محدودية الرقابة على مصادر التمويل، أو عدم وضوح الحدود بين النشاط المدني والنشاط الحزبي.
وعندما يحدث هذا التداخل بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، قد يؤدي إلى تسييس العمل المدني، وفقدان ثقة الجمهور بالمنظمات، وإضعاف الدور الرقابي الحقيقي للمجتمع المدني على السلطة.
في التجربة العراقية بعد 2003 لم يكن المجتمع المدني دائماً فضاءص مستقلاً تماماً، بل أصبح في بعض الأحيان ساحة صراع وتأثير بين القوى السياسية. ومع ذلك يبقى وجود مجتمع مدني حقيقي ومستقل عنصراص أساسياً لأي عملية ديمقراطية.
جدير بالذكر، توجد في العراق أيضاً منظمات مستقلة فعلاً تحاول الحفاظ على حيادها والعمل وفق مبادئ المجتمع المدني، لكنها تواجه تحديات كبيرة في التمويل والبيئة السياسية.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
- في أفول نجمة عراقية
- في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء ...
- رواية -ما تخيله الحفيد-... رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والم ...
- بغداد: ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها
- حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة
- واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر
- السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ سافر في شؤ ...
- محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحا ...
- في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. ال ...
- هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب؟ العرا ...
- هل بستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيا ...
- المرأة العراقية: قراءة في الإسهام السياسي والثقافي والاجتماع ...
- هل العراق قادر على اللحاق بالرَّكب الرقمي؟
- هل تصلح الديمقراطية في نظام طائفي؟ قراءة في الحالة العراقية
- ما جدوى معارض الكتاب في زمن الذكاء الاصطناعي؟


المزيد.....




- بعد تصريح وزير خارجية إيران.. ترامب يعلق على ازدحام مضيق هرم ...
- وقف إطلاق النار مع إيران.. ملخص سريع لما حدث فجر الأربعاء
- بعد نحو 6 ساعات على إعلان وقف إطلاق النار.. ماذا تظهر بيانات ...
- الولايات المتحدة وإيران تتفقان على وقف إطلاق النار لمدة أسبو ...
- إسرائيل تدعم تعليق قصف إيران وتقول إن ذلك لا يشمل لبنان
- -تعفن الدماغ-.. 12 طريقة لمحاربته والبداية مع الكلمات المتقا ...
- معضلة ترمب.. تزوير انتخابات التجديد النصفي للكونغرس أم إلغاؤ ...
- 8 قتلى في استهداف إسرائيلي لمدينة صيدا جنوبي لبنان
- حرب إيران شرارة اندلاع أزمة غذائية عالمية
- تناقض إيران في هرمز.. تصعيد انتهى بالتراجع


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني للأحزاب السياسية في العراق