أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتز حيسو - الأوضاع السورية في سياق المتحول العالمي الراهن















المزيد.....


الأوضاع السورية في سياق المتحول العالمي الراهن


معتز حيسو

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 12:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كاتب وباحث سوري
4/ 2025
الاقتصاد العالمي بمستوياته المتعددة والمختلفة مهدداً في اللحظة الحالية بنشوء أزمة عالمية اقتصادية وسياسية، يُتوقع أن تفضي إلى نشوء تحالفات دولية بقيادة جديدة تعمل على إحداث تغير اقتصادي وسياسي وجيوسياسي يرتبط بتغيير خرائط غير دولة.
تتحدد أزمة رأس المال العالمي في سياق ميوله المحكومة بقوانين الاحتكار والتوسع والهيمنة العولمية، ويتجلى ذلك بأشكال متعددة تختلف من مرحلة إلى أخرى. نشير هنا إلى أن عولمة رأس المال المالي وميله إلى التغول في سياق اغترابه عن قاعدته المادية المتمثلة في الإنتاج المادي، يدفع به إلى تجاوز كافة القوانين الناظمة لحركته، والمحددة له، وصولاً إلى التوحّش الذي يؤدي إلى انهياره المتزامن مع ظهور أشكال من الرأسمالية تمتلك المقدرة على التكيف مع المتغير العالمي السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي، وذلك في سياق ظهور شكل جديد من الرأسمالية على قاعدة الاختلاف والتناقض مع مشروع أمريكي يعمل على فرض أحادية قطبية يقودها رأسمال مالي متوحش. وإذا كان رأسمال المال العالمي المعولم بصيغته الراهنة بقيادة واشنطن، يدَّعي أنه تجاوز الهويات الوطنية وجبَّها لصالح المعولمة منها، فإنه مازال يشتغل على اعتماد هويات قبل وطنية في غير دولة، ويوظّفها مرحلياً في خدمة مصالحه الاستثمارية المتناقضة مع مصالح الشعوب كافة. مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر، واتساع التناقضات المجتمعية وتعميقها. يتقاطع ذلك أيضاً مع اشتغاله على إجهاض أي شكل سياسي تعددي ديمقراطي وطني يمكن أن يكون له دوراً تنموياً مستقلاً عن ميولها الهيمنية.
بناءً على ذلك يمكننا فهم استمرار تعثر المشاريع التنموية في كثير من الدول التي تُمارس عليها ضغوطاً بأشكال ومستويات متعددة لتمكين التبعية الاقتصادية والارتهان السياسي لدول رأسمالية مركزية بعينها. يكشف عن ذلك استمرار سياسات الإفقار، وتمكينها بأساليب مختلفة .
نشير في السياق المذكور إلى أنه في حال تحالف رأس المال مع حركات أو سلطات دينية، فإنه لا يمكن التنبؤ بالمآلات التاريخية لمستقبل التطور السياسي والاجتماعي. يكشف عن ذلك ارتباط حكومات رأس المال العالمي المهيمنة، والمحكومة بمصالح وتوجهات رأسماليين عولميين، مع سلطات جهادية تشكلت بدعم وتوجيه رأس مال عالمي( مخابراتي) لتقوم بدور وظيفي في اللحظة المناسبة. والسلطات المذكورة بحكم آليات تفكيرها واشتغالها الأحادية الإقصائية والمغلقة على ذاتها بآن، تقطع مع عقل الدولة، وتتمسك بنموذج أيديولوجي شمولي يرفض الآخر المختلف دينياً، مذهبياً، سياسياً، فكرياً، عرقياً وإثنياً. يكشف عن ذلك ممارسات تؤكد تمسُّكها بنهج تفكير يعتمد عقل العشيرة والغلبة والأحادية التكفيرية. وعليه نشير إلى انعدام إمكانية تحديد شكل المستقبل الاقتصادي، السياسي، الثقافي، والمجتمعي. بمعنى آخر، يخضع مستقبل الهوية بمختلف تجلياته إلى تناقض وتجاذب واستقطاب أطراف متباينة في آليات التفكير والممارسة، وبالتالي اختلاف أهدافها الآنية والإستراتيجية. علماً أن المؤشرات جميعها تشير إلى إمكانية تصاعد مستوى التناقض والصراع الهوياتي بدعم من قوى دولية لتنفيذ مهام وظيفية تخدم مصالح قوى إقليمية ودولية متباينة لدرجة تصل مستوى التناقض الجبهي.
تقود واشنطن بالتنسيق مع إسرائيل، حرباً لتغيير وجه الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً، وأيضاً ثقافياً له علاقة بشكل وطبيعة التفكير. علماً أن مقدمات تنفيذ المشروع المذكور بدأ قبل اندلاع حرب الخليج الأولى، ولاحقاً الثانية وصولاً إلى الحرب على غزة في الثالث من أكتوبر عام 2023، وما أعقبها من معارك ضد حزب الله بسبب مساندته حركة حماس، وبعدها حرب الإثني عشر يوماً من العام 2025م على إيران. وصولاً للحرب الراهنة بين واشنطن وإسرائيل من جهة، وإيران وأدواتها الإقليمية من جهة ثانية. علماً أن المواقف الدولية من هذا الحرب، وأشكال دعمها أو المشاركة بها، تتحدد انطلاقاً من المصالح السياسية والاقتصادية. فالاقتصاد العالمي بمستوياته المتعددة والمختلفة مهدداً في اللحظة الحالية بنشوء أزمة عالمية اقتصادية وسياسية، يُتوقع أن تفضي إلى نشوء تحالفات دولية بقيادة جديدة تعمل على إحداث تغير اقتصادي وسياسي وجيوسياسي يرتبط بتغيير خرائط غير دولة.
إن إدراك أسباب الحرب الراهنة وتحديدها يساعدنا في فهم مساراتها، وأيضاً مآلاتها التي نتوقع أنها ستكون بداية لحروب أوسع وأشمل تتجاوز حدود دول الشرق الأوسط، كونها من وجهة نظرنا تُشكل تمهيداً ومنطلقاً لتغيير المشهد العالمي اقتصادياً وسياسياً لتمكين المصالح الأمريكية، وتحقيق هيمنتها العالمية، وصولاً إلى فرض أحادية قطبية في سياق مواجهة قوى دولية كبرى تمتلك القدرة على الهيمنة الاقتصادية، إضافة لدول أخرى ترى فيها واشنطن مصدراً للتهديد لها، وللكيان الإسرائيلي الذي يسعى لتوسيع وتمكين نفوذه. ومن أهدافها أيضاً فرض الهيمنة الأمريكية على مصادر الطاقة لتجاوز أزمتها، ولاستخدامها في السيطرة على الاقتصاد العالمي، وبشكل خاص اقتصاديات دول كبرى منافسة. بناءً على ذلك، يمكننا القول أننا نشهد بداية عصر جديد تعمل واشنطن على بلورته من خلال تغيير نمط الهيمنة الرأسمالية وأشكال تجلياته. في سياق التغيُّر المتوقع، يُرجَّح أنها سوف تعمل في إثارة الحروب والفوضى وإدارة الصراعات والنزاعات والاستثمار فيها جميعاً في سياق فرض هيمنة أيديولوجية أحادية تتحدد على قاعدة نموذج جديد لرأسمال أكثر توحش. يتقاطع ذلك مع تغيير المشهد السياسي العالمي، بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية التي تهدف واشنطن من خلالها بالتنسيق مع إسرائيل على فرضها بالقوة العارية.
مع ذلك لا يمكننا التنبؤ أو تحديد ما يمكن أن تحققه واشنطن من أهدافها، المُعلنة منها والسرّية في ظل تناقض دولي واستقطاب يصعب إنهاءه، تجاوزه، أو تغيير مفاعيله، بالقوة العسكرية المفرطة. فالسياسية والاقتصاد والعسكرة تقوم على علاقة ترابط وتداخل وتراكب. بهذا المعنى لا يمكن أن تكون القوة العارية بديلاً عن السياسة. فالحرب كما هو معلوم تشكل امتداداً للسياسة، وأحد أشكالها وأدواتها لفرض أوضاع جديدة ومختلفة عما هو سائد.
في السياق ذاته نشير إلى أن بعضاً من مفاعيل الرأسمالية المعولمة التي تقودها واشنطن يتجلى ظاهرياً أنه تجاوزاً للأطر والهويات الوطنية، وقبل وطنية. لكن ما نلحظه يخالف ذلك في غير دولة. إذ يمكننا ملاحظة توظيف ودعم واشنطن وبشكل يخالف تصريحاتها، أشكال من الانتماءات والهويات قبل وطنية (حركات جهادية متطرفة)، علماً أن ذلك يؤدي إلى تعميق الانقسامات المجتمعية عمودياً، ويؤثر على أشكال تجلِّي الهويات السياسية، الاقتصادية والمجتمعية المدنية. يقودنا ذلك إلى التنويه إلى إمكانية توظيف التناقض الأيديولوجي بين تلك الحركات بشقيها السني والشيعي في سياق فرض مشروع شرق أوسط جديد، كمقدمة ومدخل إلى تنفيذ مشروعها على مستوى جيوسياسي أوسع وأشمل. في ذات السياق يبدو أن ثمة توجه لإضعاف تلك الحركات من خلال تأجيج صراعات بينية. علماً أن ذلك يمكن أن يقود إلى تعميق الفوضى والتداخل في طبيعة الصراع وأشكال تجلياته ومستوياته. لقد تعرضت إدارة هكذا صراعات في سياق استخدامه وظيفياً للفشل في أكثر من تجربة، بعضها ما زال موجوداً حتى اللحظة. ما يعني أن إمكانية ضبط صراع الحركات الجهادية وظيفياً على المستوى الزمكاني معرَّض للفشل، وأيضاً للخروج عن أهدافه الوظيفية.
من البداهة بمكان أن المستويين السياسي والاقتصادي يحدد أحدهما الآخر ويتحدد به. انطلاقاً من القاعدة آنفة الذكر يمكننا تحديد بنية الاقتصاد السوري، وأشكال صيرورته المستقبلية. علماً أن الاقتصاد العالمي( الكلي، العام) ومن ضمنه الاقتصاد السوري( الخاص، الجزئي) يتمحور بأشكاله المتعددة حول نمط رأسمالي معولم يعاني من أزمة بنيوية تتقاطع مع أزمة عامة. لكن تحديد طبيعة الاقتصاد السوري، وأشكال تجلياته الراهنة، وآفاق ميوله المستقبلية يحتاج إلى إجراء مقاربة سريعة مع الوضع الاقتصادي قبل إسقاط السلطة الأسدية. لقد بات معلوماً إن التموضع السياسي للسلطة الأسدية ضمن المحور الروسي، الإيراني كان له دوراً أساسياً في تحديد شكل الاقتصاد السوري، وأيضاً دورها السياسي الوظيفي إقليمياً، وبالتالي آليات اشتغالها السياسية داخلياً وخارجياً. فالهيمنة الأمنية ونهب الثروات والموارد السورية وإفقار السوريين من قبل الطغمة الأسدية المخلوعة وأدواتها، كان من أبرز ملامح المرحلة السابقة. بالمقابل فإن تموضع السلطة الانتقالية ضمن محور تقوده واشنطن وإسرائيل ..... ، يشكِّل انقلاباً جذرياً. وقد تجلَّت تداعيات ذلك بشكل مباشرة، في أداءها السياسي والاقتصادي، وعلى طبيعة علاقاتها السياسية الاقتصادية، وأيضاً تحالفاتها العسكرية.
قبل مناقشة الوضع الاقتصادي وأشكال تجلياته الراهنة، سنقوم بتوضيح إشكالية التموضع العسكري الحالي للسلطة الانتقالية، كونه يحمل دلالات هامة ومؤثرة على مستقبل سوريا. إن موقف السلطة الانتقالية من الحرب التي تقودها واشنطن وإسرائيل ضد إيران وأدواتها في المنطقة، يحتاج إلى دقة في حساب التوازنات الدولية ومصالح السوريين والدولة السورية. ذلك نظراً لتداخل علاقة السلطة الانتقالية مع دول مواقفها متباينة، ولارتباطها العضوي مع متغير إقليمي ودولي تقود مفاعيله واشنطن. وفي حال مشاركتها عسكرياً ضد حزب الله أو الحشد الشعبي أو كلاهما. فإن تداعيات ذلك سوف تنعكس على طبيعة علاقتها مع دول الجوار، وأيضاً على الوضع السوري الداخلي. ما يعني تصاعد مؤشرات اندلاع أزمة داخلية سياسية، اقتصادية، واجتماعية. علماً أن وضعها كسلطة انتقالية يفترض التعامل مع الواقع الراهن بدبلوماسية ومرونة عالية الدقة. فالصراع الراهن يتسم في بعض تجلياته بطابع ديني ومذهبي (سني شيعي)، ما يعني أنه سوف ينعكس على طبيعة العلاقة بين مكونات الشعب السوري، ويمكن أن يساهم في إدخال السوريين في صراع مركب، معقد، ومتداخل، وبالتالي يمكن أن يساهم في ارتفاع حدة الانقسامات المجتمعية أفقياً وعمودياً، ونشوء تكتلات مجتمعية ذات طابع هوياتي قبل وطني أو مدني، تساهم في تغذية صراعات إقليمية لا يمكن التنبؤ بمآلاتها. وأيضاً يمكن أن يشكِّل إشعال فتيل هكذا صراعات مدخلاً إلى(القضاء على المجموعات الجهادية بشقيها السني والشيعي) في سياق تغيير وجه الشرق الأوسط. ما يعني أننا أمام مشهد متغير يصعب التنبؤ بمآلاته النهائية، نتيجة تداخل وتقاطع وتناقض مشاريع معدِّة للشرق الأوسط، كونه وفق معطيات متباينة سيكون مدخلاً أو مقدمة لمواجهات أخرى في غير دولة تنافس اقتصادياً وسياسياً مشروع واشنطن المرتكز إلى فرض هيمنتها الأحادية، ويتجلى ذلك أيضاً في سياق كبح تطور الاقتصاديات المنافسة لها. ما يعني أننا أمام مقدمات لمشهد عالمي مختلف عن ما هو راهن على مستويات متعددة، وبزعامة أحد أكثر أشكال رأس المال توحشاً. انطلاقاً من ذلك نرى أن موقع السلطة الانتقالية في سوريا، يضعها في اختلاف سياسي، اقتصادي، أيديولوجي مع فئات واسعة من السوريين، ومع شعوب المنطقة. يدلل على ذلك أداء السلطة الاقتصادي والسياسي. كونها ملزمة باتخاذ مواقف سياسية، وأيضاً سياسات اقتصادية تناسب تموضعها الجديد المرتبط بعلاقات معقدة مع حكومات مختلفة في مواقفها السياسية مثل: واشنطن، روسيا، إسرائيل وأنقرة....الخ. وذلك له آثار سلبية على استقرار السلطة السورية الانتقالية وتوازنها، وأيضاً على آليات اشتغالها. لذلك لن تكون قادرة على التوفيق بين مصالح حكومات متناقضة، وبين مصالح السوريين بذات اللحظة.
أن تموضع السلطة الانتقالية السياسي والاقتصادي، وارتباطها المباشر بتحالف دولي وإقليمي يخالف، إن لم نقل يناقض تحالفات السلطة البائدة، وبالتالي دورها الوظيفي، يتجلى اقتصادياً من خلال ما تتخذه من قرارات تنطلق من قاعدة (اقتصاد حر) يخالف بشكل واضح قوانين الاقتصاد السائدة في معظم الدول الرأسمالية. فالاقتصاد يتحدد على أساس جملة من القوانين تُحدِّد وتضبط آليات حركة رأس المال، وتجاوز رأس المال للقوانين التي أنتجتها الرأسمالية العالمية في سياق تطورها التاريخي، يضعه في حالة من التناقض والفوضى تتقاطع وتتزامن مع الميل إلى هيمنة مالية أحادية القطبية تعتمد قوة عسكرية مفرطة، أحادية، لاعقلانية.
تمثل السياسات الاقتصادية الراهنة في سورية، أحد أشكال تحرير الاقتصاد وفق سياق يتعارض مع القوانين الاقتصادية الناظمة لميول رأس المال الاستثمارية. فالاستثمارات المُعلَن عنها لا تستند حتى اللحظة إلى متطلبات التنمية الوطنية المستدامة، وتعتمد إضافة إلى ذلك على توجهات ومصالح فردية تتقاطع مع ميول سياسية تتجلى من خلال معاهدات واتفاقيات لم تتجاوز حتى اللحظة سقف الفقاعات الإعلامية.
نشير هنا إلى أن إعتماد مبدأ المحاصصة الذي يتم التعامل بموجبه مع المستثمرين، إضافة إلى اضطراب الوضع الأمني، عدم الاستقرار الاجتماعي، الاستقطاب البيني الداخلي والخارجي، انهيار البنية التحتية الإدارية والتشريعية والخدمية، يحول دون دخول الاستثمارات، ومشاريع التعافي المبكر حيز التنفيذ. ويساهم أيضاً في إعاقة إطلاق مشاريع إعادة الإعمار المرتهنة بداهة إلى مصالح حكومات ورساميل فوق وطنية متناقضة متداخلة ومتراكبة.
إن السياسيات الاستثمارية، وآلياتها، وطبيعة التعامل مع المستثمرين، إضافة إلى شكل الاقتصاد المتحدِّد بسياسات نقدية ومالية تحريرية، يناقض مصالح السوريين، ويفاقم من معاناتهم أيضاً. لقد بات واضحاً أن معدل الفقر المطلق تجاوز عتبة الـ 92%، ومعدل اقتصاد الظل تجاوز80% من الاقتصاد السوري. يتزامن ذلك مع عودة معدل التضخم إلى ما كان عليه، ارتفاع مستوى الانكماش، تراجع القدرة الشرائية، انخفاض حجم السيولة النقدية في سوق التداول، عدم التناسب بين معدل الدخل، وحاجة الأسرة من المواد الاستهلاكية الضرورية، تراجع درجة الأمن الغذائي إلى مستويات تهدد بانهياره، اضطراب معدلات النمو على المستوى العام والجزئي، تراجع معدلات الإنتاج في كافة القطاعات العامة والخاصة، ارتفاع معدل البطالة، انخفاض حجم الإيرادات السنوية للموارد والثروات الوطنية، عدم الشفافية في اتخاذ القرارات، وتضاربها في أحيان كثيرة، وتحديداً المتعلقة بالموارد والثروات الوطنية، تراجع الناتج القومي الإجمالي... . وجميعها عوامل تشكل مدخلاً إلى أزمة اقتصادية عامة وشاملة تتزامن مع تراجع الحكومة عن دورها في حماية الإنتاج الوطني للحد من اضطراب الأسواق، وضمان استقرارها، وتمكين القدرة التنافسية للصناعات الوطنية. يتقاطع ذلك مع: أولاًـ تراجع السلطة الانتقالية عن دورها الاجتماعي الإيجابي في: ضمان استقرار معيشة السوريين، تأمين حياة كريمة، المحافظة على القطاع العام ومؤسسات الدولة، دعم مؤسسات التنمية المجتمعية، تأمين فرص العمل وفق معيار الكفاءة والنزاهة، تعديل سلم الأجور وفق معايير تناسب حركة الأسعار لضمان استقرار الأمن الغذائي والصحي...
ثانياًـ رفع أسعار حوامل الطاقة. بداهة سوف ينعكس ذلك على ارتفاع تكاليف الإنتاج واستقراره ومستوى النمو، وأيضاً الجودة. وبالتالي سينعكس سلباً على مستوى معيشة السوريين. أن الإجراءات المذكورة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وبشكل خاص الغذائية، يهدد استقرار الأمن الغذائي.علماً أن معظم حكومات الدول الرأسمالية تحافظ على دورها في إدارة الثروات والموارد الوطنية، واستقرار الأوضاع المعيشة، في مواجهة تغول رأس المال وميله الاحتكاري. وهذا يضع الحكومة الانتقالية أمام مسؤوليتها الوطنية في إدارة الموارد الاقتصادية، والثروات الوطنية، بشكل يحقق التنمية المستدامة، ويضمن كرامة المواطن.
نشير في السياق ذاته إلى أن إغفال معيار الكفاءة والنزاهة مقابل اعتماد مبدأ الطاعة والولاء في تعيين أشخاص في مراكز صناعة القرار لا تتوافر فيهم الحدود الدنيا للكفاءة، يساهم في مضاعفة الفشل والفساد الفردي والمؤسساتي. إن مؤسسات الدولة عانت في ظل السلطة المخلوعة من إفساد ممنهج، لكنها كانت تضم قيادات تكنوقراطية نحتاجها في المرحلة الراهنة. وكان يمكن أن تقوم الحكومة بإعادة هيكلة المؤسسات والقطاعات الإنتاجية والخدمية، ودعم آليات إدارية وتنظيمية كانت ناجحة، نتيجة تراكم الخبرات، واعتماد منطق التطوير التراكمي. ما يعني بداهة الاستفادة من الكوادر التكنوقراطية، والابتعاد عن التعامل مع مؤسسات الدولة بمنطق الثأرية والاستئثار، كونها وفق إدعاءات بعض أصحاب القرار من مخلفات السلطة المخلوعة. وأيضاً تجاوز آليات التعامل بمنطق الغلبة، الولاء، وتغليب، أو فرض منطق اللون الواحد والأيديولوجية الواحدة، على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كافة، كونها تراكم التناقضات وتعيق عملية التطوير والبناء والتنمية.
إن تجاوز التناقضات والتباينات والصراعات البينية الموروثة من مراحل سابقة، أياً يكن شكلها أو مستواها، يشكل مدخلاً لبناء سوريا على قاعدة المواطنة المتساوية. لكن وبغض النظر عن الآليات والأهداف، فإن ذلك لا يعني التسامح مع حيتان المال. إن هؤلاء شكلوا في حقبة السلطة البائدة مع من يشرف على عمليات القتل والتخريب ويديرها، وينفذها... إطاراً متماسكاً للدفاع عن السلطة البائدة، وجرائمها المرتكبة ضد السوريين بشكل عام، ومن شارك بالثورة السورية أو دعمها بشكل خاص. لذلك يجب أن يخضع هؤلاء لمحاكمات علنية عادلة، يتم بموجبها مصادرة أموالهم ووضعها في خزينة الدولة، لاستثمارها في مشاريع تلبي مصالح الشعب السوري الذي عانى، ولم يزل من النهب والإفقار. وأيضاً تقديم كل من تلطخت يده بدماء السوريين إلى محاكم عادلة لإعادة الحقوق لأصحابها الشرعيين.
إن تحقيق العدالة الانتقالية، إعادة الحقوق لأصحابها، وجبر الضرر، يشكل مدخلاً حقيقياً لضمان السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي، الذي يشكل بدوره مدخلاً للتعايش السلمي بين السوريين، ويحمي العقد الاجتماعي الذي بات مهدداً بفعل تجاوزات وانتهاكات تم ويتم ارتكابها بحق السوريين. دون ذلك لن يتم في الأمد المنظور تنفيذ أية مشاريع تنموية أو استثمارات وطنية أو غير وطنية( غير سورية).
إن ما ذكرناه آنفاً يشكل مدخلاً لعرض أزمة مجتمعية تجلت ملامحها على مدار عقود سابقة بفعل اعتماد السلطة البائدة على خطاب تميزي، وأيضاً فرض استقرار مجتمعي بالقوة الأمنية. لذلك كان الاستقرار على مدار عقود سابقة ، شكلياً وهشاً، سرعان ما تصدع، كونه لم يؤسِّس إلى بناء هوية وطنية جامعة، ما أدى إلى ما نشهده من حالات تناقض بين السوريين، تصل لحد الصراع البيني، أخطرها صراع الهويات الذي بقىَ كامناً إلى ما بعد إسقاط السلطة الأسدية.
إن ما نلحظه من أشكال تناقض وتباين واختلاف، تختلف في شكل ومستوى تجلياتها، تتخذ غالباً شكلاً عنفياً يهدد التعايش السلمي، نتيجة أسباب متعددة، من أهمها تصدع العقد الاجتماعي، إن لم نقل انهياره. يتقاطع ذلك مع قرارات تميزية، وأخرى تصادر الحريات العامة والفردية، تعرقل بناء دولة المواطنة المتساوية. يتزامن ذلك مع انتهاكات عرقية وطائفية/ مذهبية ضد فئات بعينها من السوريين. ولا تنحصر أسباب ذلك بغرض الانتقام من أشخاص، أو فئات قاموا بارتكاب جرائم بحق السوريين، وبحق من شارك بالثورة السورية أياً كان انتمائه السياسي، العرقي والديني. لكنها تأتي في سياق تمكين طابع إسلامي متطرف للدولة والمجتمع، وفق نموذج أحاديي إقصائي يلغي الآخر المختلف. إن ما نشهده من ممارسات استفزازية تهدد السلم الأهلي( جماعات منفلتة)، وإصدار قرارات تساهم بارتفاع مستوى الاضطراب المجتمعي. يتناقض مع الإسلام المديني المعتدل السائد في سوريا، ومع السوريين من عقائد أخرى مختلفة.
نشير إلى أن ما نشهده من تحوّل في طبيعة وشكل الحكم المحمول على مشروع إسلامي متشدد. يشكل مدخلاً إلى نشوء صراعات بينية على أسس دينية ومذهبية وعرقية، ويُجهض إمكانية بناء دولة المواطنة المتساوية، ويقود إلى انهيار العقد الاجتماعي الذي هو بالأساس هشاً، وإلى تفكيك المجتمع وإدخاله في مرحلة جديدة من الفوضى وانعدام إمكانية التعايش المجتمعي السلمي. ومن الممكن أن يساهم في إدخال السوريون بمقتلة مدمِّرة تختلف في أشكال تجلياتها ومستوياتها.
إن تجاوز ما أتينا على ذكره من تناقضات ومخاطر، وبشكل خاص انزلاق السوريين إلى صراع الهويات دون الوطنية، يبدأ من ضمان الحريات العامة والفردية دستورياً وواقعياً، وصون حرية الاعتقاد للسوريين كافة. ويشكل مبدأ المواطنة المتساوية المدخل الأساس لذلك، وأيضاً إلى بناء دولة تقوم على أسس التعددية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة. ونؤكد في السياق المذكور أن التنوع الثقافي في سوريا، يشكل مصدر غنى. أما اختزال السوريين بهوية أيديولوجية ضيقة يتم فرضها وتعميمها بالقوة، فإنه يتنافى مع الإرث الحضاري للسوريين، ويشكل مدخلاً لدمار سوريا على كافة المستويات وبشكل خاص المجتمعي.
نشير أخيراً إلى أن المخاطر التي تحيق بسوريا والسوريين تتجاوز العوامل الداخلية التي هي موضوعياً نتاج تحولات إقليمية ودولية ذات بعد استراتيجي يتجاوز حدود الشرق الأوسط. ما يعني أن إمكانية إدخال سوريا، وغير دولة، منها دول شرق أوسطية في الحرب التي تقودها واشنطن وإسرائيل، بات أمراً ممكن، ومن المرجَّح أنه يؤسس إلى متغيِّر عالمي شامل وعميق. وفي حال انزلاق سوريا إلى مستنقع الحرب الدائرة رحاها في الشرق الأوسط، فإنه سيكون من بوابة صراع ديني، من أهدافه القضاء على مشروع إيران العسكري والعلمي والأيديولوجي، وإدخال الفصائل الدينية المتطرفة بشقيها السني والشيعي في صراع لا يمكن التنبؤ بمآلاته. علماً أن الرئيس الأمريكي ترامب أشار إلى أنه سوف يجفف منابع الإرهاب ويقضي على الحركات الجهادية المتطرفة. هل يتحقق ذلك أم سيتم المحافظة عليها كبؤر توتر وظيفية. مما يعني إدخال مجتمعات بعينها في صراعات داخلية مدمرة، بالتزامن مع استمرار أشكال من الفوضى يصعب ضبطها أو الخروج منها. علماً أنها تحمل موضوعياً أسباب دمارها الذاتي داخلياً. ومن الممكن أن يكون للمشروع الأمريكي أهداف أخرى. لكنه بالمطلق لن يكون في مصلحة شعوب المنطقة، ومنها الشعب السوري. لقد علَّمنا التاريخ أن مصالح الدول الكبرى يتم تحقيقها في سياق حروب ضحاياها شعوب مضطهدة ومفقَّرة. ويدلل على ذلك ما تقوم به واشنطن بالتنسيق مع إسرائيل ودول أخرى، لإجهاض أي تجربة سياسية ديمقراطية، القضاء على أي قوة إقليمية ودولية منافسة، وتطويق وعرقلة كافة الاقتصاديات التنموية، ذات الطابع الوطني المستقل. علماً أنه في عصر العولمة يتم التعامل مع مفهوم الاستقلالية والسيادة والهوية، وفق آليات تخدم رأس المال المعولم بأشكاله الأكثر وحشية. لذلك نشدد على مواجهة التحولات المذكورة، والعمل على إيجاد بدائل إنسانية حضارية عادلة.



#معتز_حيسو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا هوالآخر
- أناهو الآخر
- قراءة أولية في أوضاع التجمعات المدنية والسياسية في سوريا
- بخصوص إشكالية إعادة إنتاج الذات
- مدخل إلى خطاب المظلومية
- بخصوص ثقافة العنف
- عود على بدء سؤال الهوية من جديد
- عود على بدء سؤال الهوية من جديد
- مقدمات أولية للحوار عن إشكاليات الأيديولوجيات الكبرى
- قراءة أولية في وثيقة الإعلان الدستوري
- بخصوص الوطنية والمواطنة
- قراءة في مستقبل الاقتصاد السوري
- المدخل إلى التعايش المجتمعي
- من تحديات العمل السياسي والمدني في اللحظة الراهنة
- معاً نبني سوريا حرة موحدة ديمقراطياً
- الدولة هوية
- عن إشكاليات إعادة إنتاج الذات العربية
- عن إشكالية إعادة تصنيع العقل البشري عولمياً
- سوسيولوجيا الهشاشة والفقر: سوريا أنموذجاً
- المثقفون الرُّحّل


المزيد.....




- سعادة طُمِرت تحت الركام.. مصوّرة إيرلنديّة توثّق حياة الأطفا ...
- ترامب: لو كان القرار بيدي لاستوليت على نفط إيران.. فالغنيمة ...
- -إيران تضرب تل أبيب بصواريخ انشطارية-.. ما حقيقة الفيديو الم ...
- التصعيد بالشرق الأوسط يتواصل في يومه الـ39: ضربات متبادلة وت ...
- غارة روسية على أوديسا تقتل 3 بينهم طفل
- -فاقد للوعي في مستشفى بقُم-.. تقارير تزعم تدهور صحة مجتبى خا ...
- إسرائيل تضرب بنى تحتية في طهران وإيران تقصف تل أبيب
- أبعد من أي إنسان.. أرتميس 2 تحطم الرقم القياسي بالاقتراب من ...
- ترامب: نحقق أداء مذهلا في إيران وقد يتم القضاء على البلاد في ...
- ترامب يوحد الأوروببين على شعار: هذه ليست حربنا


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتز حيسو - الأوضاع السورية في سياق المتحول العالمي الراهن