أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء اسكندرون؟














المزيد.....

كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء اسكندرون؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 01:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من أكثر مشاهد النفاق السياسي فجاجة في المنطقة أن تخرج تركيا بوجه المدافع الشريف عن حق سوريا في الجولان، بينما تجلس هي نفسها فوق لواء إسكندرون وكأنها لم تبتلعه من الجغرافيا السورية ولم تسرقه من التاريخ. تتحدث أنقرة عن الاحتلال الإسرائيلي بلغة الغضب والكرامة والشرعية الدولية، لكنها تصاب بخرسٍ مفاجئ عندما يتعلق الأمر بأرض اقتطعت من سوريا وصارت تُعامل داخل الخطاب التركي كأنها ملك أبدي نزل من السماء.

تركيا لا تدافع عن الجولان حبًا بسوريا، بل لأنها وجدت في هذا الملف فرصة رخيصة لتلميع صورتها، وادعاء البطولة، والظهور بمظهر الحارس الأخلاقي للمنطقة. إنها تمارس الخدعة القديمة نفسها: ترفع راية الحق حين تكون الكاميرات موجهة نحوها، ثم تدفن الحق نفسه عندما يقترب من حدودها ومصالحها وأطماعها.

ما الذي يجعل احتلال إسرائيل للجولان جريمة لا تسقط بالتقادم، بينما يصبح ابتلاع لواء إسكندرون “أمرًا منتهيًا” لا يجوز حتى مناقشته؟ ما هذا المنطق الوقح؟ هل هناك قانون دولي خاص بالأعداء، وقانون آخر خاص بتركيا؟ هل تتحول الأرض إلى أرض تركية لمجرد أن أنقرة نجحت في فرض روايتها، وأحكمت قبضتها، وانتظرت طويلًا حتى يبهت الاعتراض؟

المشكلة ليست في القول إن الجولان سوري. هذا حق. وهذه حقيقة. لكن المثير للاشمئزاز هو أن من يرفع هذا الشعار هو ذاته من يريد من السوري أن ينسى إسكندرون، وأن يتصرف وكأن قطعة الأرض تلك لم تُسلخ من وطنه أصلًا. تريد تركيا من السوري أن يكون صاحب ذاكرة مبتورة: يتذكر الجولان وينسى إسكندرون، يبكي على احتلال هنا، ويصمت على احتلال هناك، يهتف للمبدأ حين يخدم أنقرة، ويدفنه حين يزعجها.

هذا ليس دفاعًا عن العدالة، بل سمسرة سياسية بالمبادئ.

أنقرة تعرف جيدًا أن الحديث عن الجولان يمنحها رصيدًا مجانيًا في الشارع العربي، ويمنحها فرصة لتقديم نفسها باعتبارها “خصمًا لإسرائيل” و”مدافعًا عن قضايا الأمة”. لكنها في الحقيقة لا تتحرك بمنطق المبدأ، بل بمنطق السوق: أين يوجد ربح سياسي؟ أين توجد شعبية؟ أين يمكن استثمار المأساة؟ هناك فقط تتحول إلى خطيب مفوّه في محراب القانون الدولي.

أما حين يفتح ملف لواء إسكندرون، فتنقلب فجأة إلى دولة واقعية جدًا، براغماتية جدًا، صلبة جدًا، وتبدأ الأسطوانة المعروفة: هذا ملف قديم، انتهى، حُسم، لا رجعة فيه. وكأن الاحتلال يصبح شريفًا إذا شاخ. وكأن السرقة تصبح حقًا إذا نجح السارق في حماية المسروق بما يكفي من الوقت.

الأتراك يريدون من العالم أن يلعن احتلالات الآخرين، لكن أن يبارك احتلالهم هم. يريدون من السوري أن يصفق لخطابهم عن الجولان، بينما يبلع لسانه عن إسكندرون. يريدون أن يحتكروا دور القاضي والجلاد معًا: يوزعون شهادات الوطنية على غيرهم، ويمنعون غيرهم من مساءلتهم أخلاقيًا أو تاريخيًا.

والأسوأ من ذلك أن هذا التناقض ليس زلة لسان، بل جزء من بنية كاملة في السياسة التركية الحديثة: استخدام القضايا العادلة كأدوات نفوذ، واستعمال المظلومية كسلاح، وتوظيف الخطاب القومي والديني لتغطية نزعة توسعية قديمة تتبدل أشكالها ولا يتبدل جوهرها. فحين تتكلم أنقرة عن حدود الآخرين تتقمص دور الفقيه في الشرعية، وحين يتعلق الأمر بحدودها تصبح فجأة فوق النقاش، فوق التاريخ، وفوق المساءلة.

أي احترام يمكن أن يحظى به خطاب كهذا؟ وأي صدقية تبقى لدولة تقول للعالم إن الأرض المحتلة يجب أن تعود، لكنها ترفض حتى الاعتراف بأن في عنقها أرضًا سورية مختطفة؟

الحقيقة التي تحاول تركيا الهروب منها هي أن المبدأ لا يتجزأ. من يقول إن الجولان سوري، يجب أن يحتمل سماع السؤال: وماذا عن إسكندرون؟ ومن يرفض ضم الأرض بالقوة أو بالخداع أو باستغلال لحظات الضعف، لا يحق له أن يطالب الآخرين بالنزاهة بينما يختبئ هو خلف وقاحة الأمر الواقع.

قد تنجح تركيا في فرض الصمت، لكنها لن تنجح في غسل الحقيقة. وقد تنجح في تحويل لواء إسكندرون إلى اسم تركي على الخرائط، لكنها لن تمحو أنه في الوجدان السوري أرضٌ مسلوبة. فالتاريخ ليس مكتب تسجيل عقاري بيد المنتصر، والجغرافيا ليست جثة يتقاسمها الأقوى ثم يطلب من الضحية أن تصمت باسم الواقعية.

حين تتحدث تركيا عن الجولان، فهي لا تتحدث من موقع الشرف، بل من موقع المناورة. وحين تتجاهل إسكندرون، فهي لا تنسى، بل تتعمد. لذلك فالمشهد ليس مشهد دولة مبدئية تدافع عن حق سوريا، بل مشهد قوة إقليمية تمارس النفاق بأعلى درجاته: تدين الاحتلال عندما يرتكبه غيرها، وتعتبره سيادة عندما يخدمها هي.

هذه هي الحقيقة العارية:
تركيا لا تكره الاحتلال من حيث المبدأ، بل تكره فقط الاحتلال الذي لا تكون هي المستفيد منه.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من ...
- الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية ...
- عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأت ...
- عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس ...
- صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...


المزيد.....




- بجعة فضولية تفاجئ مصورا يونانيًا..هكذا بدت بصورة طريفة التقط ...
- رغم أوامر الإخلاء الإسرائيلية.. عائلاتٌ تتمسك بالبقاء في جنو ...
- طهران ترفض هدنة الـ45 يوما: هل يفتح ترامب أبواب -الجحيم- على ...
- لمن ستذهب أصوات الشباب في الانتخابات التشريعية بالمجر؟
- بعد رفع سعره.. دعوة لمقاطعة شراء الخبز في السودان!
- إدراج للجزائر ضمن الدول المعنية بـ-إرهاب الدولة- في فرنسا؟
- جي دي فانس يزور المجر لتقديم الدعم لفيكتور أوربان قبل الانتخ ...
- إطلاق صواريخ إيرانية على منطقة تل أبيب وإيلات وحزب الله يسته ...
- الخارجية الصينية: ندعم وساطة باكستان ونأمل اغتنام فرصة إنهاء ...
- -ولا يُستأذنون وهم شهود-.. حجم تأثير الديمقراطيين بحرب ترمب ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء اسكندرون؟