أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من المشهد السياسي السوري كما فعلت أوروبا؟














المزيد.....

الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من المشهد السياسي السوري كما فعلت أوروبا؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 01:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ما الذي جلبته لنا عقود خلط الدين بالسلطة في سوريا والمنطقة؟ مزيدًا من الدم، مزيدًا من الوصاية، مزيدًا من الكذب باسم السماء. كل فاشل يريد أن يحكم بلا مساءلة يرفع راية الدين، وكل جماعة تريد ابتلاع الدولة تبدأ أولًا بابتلاع الدين من ضمير الناس ثم تزعم أنها ناطقة باسمه. وحين يصبح الحاكم أو الحزب أو الميليشيا ظلًا للإله على الأرض، تنتهي السياسة ويبدأ الابتزاز: من يعارضهم لا يعود خصمًا سياسيًا، بل متهمًا في إيمانه وأخلاقه ووجوده.

هذه هي الكارثة السورية في أحد وجوهها القبيحة: تحويل الدين من علاقة روحية وأخلاقية إلى عصا أمنية، ومن مساحة إيمان فردي إلى آلة فرز وتخوين وتطويع. لا يعود السؤال: من يحكم بكفاءة وعدالة وقانون؟ بل: من يصرخ أعلى باسم العقيدة؟ من يحتكر الجنة أكثر؟ من يملك قدرة أكبر على تلبيس الاستبداد عباءة مقدسة؟ وهكذا تتحول الدولة إلى منبر، والقانون إلى فتوى، والمواطن إلى تابع يُفحص قلبه قبل أن تُحفظ حقوقه.

المشكلة ليست في الدين بوصفه إيمانًا. المشكلة في تسييس الدين، في تحويله إلى سلاح، إلى مشروع سيطرة، إلى رخصة مفتوحة لإلغاء الإنسان. حين يدخل الدين إلى السلطة لا يبقى دينًا في معناه النقي، بل يصبح جهازًا إداريًا للقمع. وحين تمسك الجماعات المؤدلجة بالمشهد، لا تطهّر المجتمع كما تزعم، بل تفسده مرتين: مرة حين تكذب على الناس باسم الفضيلة، ومرة حين تسرق منهم حقهم في الاختلاف باسم الحقيقة المطلقة.

أوروبا لم تصبح أوروبا الحديثة لأنها صلّت أكثر، ولا لأنها منحت رجال الدين مفاتيح الدولة. أوروبا خرجت من حروب دينية مدمرة إلى نظام سياسي يضع السلطة تحت القانون، ويعترف بحرية الفكر والضمير والدين، ويحمي أيضًا حق الإنسان في تغيير دينه أو ألا يتبنى دينًا أصلًا. المحكمة الأوروبية ومنظومة مجلس أوروبا تؤكدان حرية الفكر والضمير والدين، كما تؤكدان أن نقد الأفكار الدينية يجب أن يبقى ممكنًا في المجتمع الديمقراطي، وأن الدولة مطالبة بالحياد تجاه الأنشطة الدينية. هذا لم يكن “إلغاءً للدين”، بل إزاحةً لهيمنته السياسية حتى لا يتحول الإيمان إلى سجن عام.

هنا يجب قول ما يخشاه كثيرون بوضوح: نعم، سوريا تحتاج إلى إخراج الدين من المشهد السياسي. ليس لأن الناس يجب أن يتخلوا عن إيمانهم، بل لأن الوطن لا يمكن أن يبنى على احتكار الحقيقة. الدولة ليست مسجدًا كبيرًا، وليست كنيسة كبيرة، وليست حسينية كبيرة، وليست ساحة دعوية بميليشيات. الدولة عقد مواطنة، قانون عام، مؤسسات، حقوق متساوية، وقواعد لا تتبدل بتبدل مزاج الواعظ أو المسلح أو الزعيم الملتحف بالمقدس.

ومن يكذب على السوريين ويقول لهم إن “الحل” هو مزيد من الدين في السياسة، فهو يبيعهم السم في قارورة ماء. لأن مزيدًا من الدين في السياسة يعني ببساطة مزيدًا من الوصاية على النساء، مزيدًا من قمع الفكر، مزيدًا من تفتيش الضمائر، مزيدًا من تحويل الخلاف المدني إلى حرب وجودية. وحين تصبح السياسة معركة بين “ممثلي الله”، لا يبقى مكان للمواطن، بل فقط للقطيع.

لقد جرّب السوريون ما يكفي من الأصنام الأرضية والسماوية. جربوا القائد الأبدي، وجربوا الحزب الأبدي، وجربوا الرايات السوداء التي تعدهم بالجنة وتمنحهم المقابر. والنتيجة واحدة: خراب. لذلك فإن الإصرار على إبقاء الدين في قلب السلطة ليس محافظة على الهوية، بل إصرار على إعادة إنتاج الكارثة. إنه عناد أعمى، أو مصلحة خبيثة، أو خوف جبان من الحرية.

ما تحتاجه سوريا ليس “تجديد خطاب ديني” تديره السلطة أو الفصائل. هذا غالبًا مجرد طلاء جديد على جدار قديم. ما تحتاجه هو خطوة أكثر جرأة: تجفيف المنبع السياسي للتقديس. أي أن يصبح رجل الدين مواطنًا لا وصيًا، وأن تصبح الأحزاب الدينية مجرد أحزاب تُحاسب مثل غيرها إن خالفت الدستور، وأن يُمنع أي احتكار للحقيقة باسم السماء داخل مؤسسات الدولة، وأن تكون الشرعية من الشعب والقانون، لا من الميكروفون والمنبر.

سيقول البعض إن هذا “استنساخ لأوروبا”. وهذا كلام كسول. ليست القضية استنساخًا، بل تعلّمًا من تجربة بشرية واضحة: عندما امتزجت السلطة بالمقدس انفجرت الحروب، وعندما وُضعت السلطة تحت القانون فُتح باب التعدد والحقوق. أوروبا اليوم تحمي حرية الدين وحرية عدم الدين معًا، وتحمي أيضًا حرية انتقاد المعتقدات ضمن حدود القانون؛ أي أنها لم تُلغِ الإيمان، بل أخرجته من فم الدولة وعصاها.

أما في سوريا، فالمطلوب ليس حربًا على المتدينين، ولا إهانة لمشاعر الناس، بل العكس تمامًا: تحرير الدين نفسه من السوق السياسية القذرة. لأن السياسي حين يلبس ثوب القداسة يفسد السياسة والدين معًا. يفسد السياسة لأنه يجعل نفسه فوق المحاسبة. ويفسد الدين لأنه يحوّله إلى شعار انتخابي أو بندقية أو محكمة تفتيش.

لهذا، نعم، حان الوقت. بل تأخر الوقت. حان وقت أن يُقال بوقاحة صحية: أبعدوا الدين عن كرسي الحكم. أبعدوا المنابر عن صياغة الدستور. أبعدوا القداسة عن أجهزة الأمن والقضاء والتعليم. دعوا الناس تؤمن كما تشاء، وتعبد كما تشاء، وتختلف كما تشاء، لكن لا تسمحوا لأحد بعد اليوم أن يحكم السوريين بتفويض مزعوم من السماء.

سوريا لا تحتاج غربانًا سوداء جديدة تنعق فوق جثثها باسم الخلاص. سوريا تحتاج دولة مدنية حقيقية، لا تستأذن الفقيه كي تعترف بالمواطن، ولا تسأل الشيخ قبل أن تحترم المرأة، ولا تنتظر فتوى كي تحمي حرية التفكير. ما لم يحدث ذلك، سنظل ندور في الحلقة نفسها: استبداد بوجه جديد، وسجون بآيات، وخراب يقدَّم للناس على أنه فضيلة.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية ...
- عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأت ...
- عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس ...
- صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...


المزيد.....




- قطر تدين اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي المسجد الأقصى ا ...
- الفرح يغيب عن احتفالات المسيحيين بعيد الفصح في سوريا هذا الع ...
- بن غفير يقتحم المسجد الأقصى وسط استمرار إغلاقه بوجه المصلين ...
- المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمعاً لجنود -جيش- العدو الإسر ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف قاعدة لوجستية تتبع للعدو ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف تجمع لجنود العدو الإسرائي ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف قاعدة -تسنوبار- اللوجستي ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف مستوطنة مرغليوت بصلية صار ...
- المقاومة الإسلامية في #العراق تعلن عن تنفيذ خلال الأربع والع ...
- قائد الثورة الإسلامية آية الله سماحة السيد مجتبى الخامنئي ي ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من المشهد السياسي السوري كما فعلت أوروبا؟