أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - النصر كخدعة كبرى: كيف تُدار الهزائم في العقل العربي














المزيد.....

النصر كخدعة كبرى: كيف تُدار الهزائم في العقل العربي


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 23:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ظل التصاعد المستمر للتوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد هذا الصراع مجرد مواجهة جيوسياسية تقليدية، بل تحوّل إلى ساحة لإنتاج السرديات المتنافسة حول “النصر” و”الهزيمة”. وفي هذا السياق، يبرز بوضوح إشكال عميق في الوعي السياسي العربي، حيث لا يُقاس الانتصار دائمًا بنتائج الصراع على الأرض، بقدر ما يُعاد تعريفه وفق اعتبارات أيديولوجية ورمزية. ومن هنا، يسعى هذا المقال إلى مقاربة هذا الصراع بوصفه نموذجًا كاشفًا ليس فقط لطبيعة التوازنات الدولية، بل أيضًا لكيفية تشكّل مفهوم الانتصار في المخيال السياسي العربي، وما يترتب على ذلك من قراءات قد تنفصل عن الواقع بقدر ما تعبّر عن رغباته.
لم يعد تحليل الحروب المعاصرة ممكنًا من خلال المعايير التقليدية التي تربط النصر بالحسم العسكري المباشر، أو الهزيمة بسقوط الأنظمة السياسية. فالتجربة الراهنة، لا سيما في الحالة الإيرانية، تكشف عن تحوّل عميق في كيفية إنتاج الخطاب السياسي وتوجيهه، بحيث أصبح “إعلان النصر” في كثير من الأحيان حدثًا إعلاميًا أكثر منه نتيجة ميدانية. وفي هذا السياق، برزت مفارقة لافتة تمثلت في استعداد بعض التيارات السياسية، سواء الإسلامية أو القومية، لتبني رواية الانتصار استنادًا إلى غياب الانهيار الكامل للنظام، لا إلى نتائج الصراع الفعلية.
إن هذا التحول يعكس أزمة بنيوية في تعريف مفهومي النصر والهزيمة داخل الوعي السياسي العربي المعاصر، حيث يتم اختزال الهزيمة في سقوط النظام السياسي، بينما يتم تجاهل المؤشرات الأخرى المرتبطة بقدرة الدولة على حماية شعبها، والحفاظ على سيادتها، وضمان استقرارها الاقتصادي والاجتماعي. وبهذا المعنى، يصبح بقاء النظام كافيًا لإعلان “الانتصار”، حتى وإن كان الثمن تدهورًا واسعًا في البنية الداخلية للدولة، واستنزافًا لمقدراتها.
في الحالة الإيرانية، يبدو هذا الاختزال أكثر وضوحًا. فالنظام السياسي، الذي استثمر لعقود في تطوير قدرات هجومية بعيدة المدى، خاصة في مجال الصواريخ الباليستية والمشاريع النووية، لم يُظهر قدرة موازية على بناء منظومة دفاع جوي فعالة قادرة على حماية المجال الحيوي للدولة. وقد كشفت الضربات التي طالت مواقع متعددة داخل إيران عن هشاشة نسبية في هذا الجانب، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات الإنفاق العسكري، ومدى ارتباطها بأمن المواطن مقابل ارتباطها بأهداف استراتيجية خارجية.
وفي مقابل هذا القصور، يتحمل المواطن الإيراني العبء الأكبر من تداعيات الصراع. فالتدهور الاقتصادي، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، كلها مؤشرات على أن كلفة “الصمود” لا تُقاس فقط بموازين القوة العسكرية، بل أيضًا بقدرة المجتمع على الاستمرار. ومن هنا، فإن الحديث عن “النصر” في ظل هذه المعطيات يثير إشكالية أخلاقية وسياسية، تتعلق بالفجوة بين خطاب السلطة وتجربة المجتمع.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن البنية الأوسع للخطاب السياسي في المنطقة العربية، حيث لا تزال بعض التيارات أسيرة ثنائيات أيديولوجية جامدة، تُفسر الصراعات وفق منطق “محاور” ثابتة، متجاهلة التحولات الواقعية وتعقيدات النظام الدولي. ففي هذا الإطار، يتم توظيف الأحداث لإعادة إنتاج سرديات مسبقة، بدلًا من تحليلها في ضوء نتائجها الفعلية، وهو ما يؤدي إلى إضعاف القدرة النقدية وتبرير الإخفاقات تحت غطاء أيديولوجي.
في المقابل، أظهرت بعض الدول العربية، لا سيما في منطقة الخليج، نمطًا مختلفًا في التعامل مع التهديدات، لا يقوم على الانخراط المباشر في الصراع، بل على تطوير قدرات دفاعية وإدارة محسوبة للأزمة. فقد برزت قدرتها على احتواء المخاطر، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي، والحفاظ على قدر من الاستقرار السياسي والإعلامي، بما يعكس تحولًا في مفهوم القوة من الفعل الهجومي إلى إدارة التهديد وتقليل كلفته. ومع ذلك، يظل توصيف هذه القدرة في إطار “الكفاءة الدفاعية” أكثر دقة من تعميمها بوصفها “كفاءة عسكرية” بالمعنى التقليدي، الذي يفترض اختبارًا في سياق حرب مفتوحة.
إن المقارنة بين هذه الأنماط المختلفة في إدارة الصراع تكشف عن اختلاف جوهري في فلسفة الدولة، بين نموذج يوجه موارده نحو أدوات الردع الخارجي ولو على حساب الداخل، ونموذج يسعى إلى تحقيق توازن بين الأمن الوطني والتنمية الداخلية. وهذا الاختلاف لا ينعكس فقط في نتائج المواجهات العسكرية، بل أيضًا في مستوى الاستقرار المجتمعي، وثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
في ضوء ذلك، يصبح من الضروري إعادة النظر في المعايير التي يتم من خلالها تقييم نتائج الحروب. فالنصر لا يمكن أن يُختزل في بقاء النظام، كما أن الهزيمة لا تعني بالضرورة سقوطه. بل إن المعيار الأعمق يكمن في قدرة الدولة على حماية شعبها، والحفاظ على مواردها، وضمان استمرارية مؤسساتها بكفاءة. وأي قراءة تتجاهل هذه الأبعاد تظل قراءة ناقصة، تخدم الخطاب أكثر مما تعكس الواقع.
وعليه، فإن ما تكشفه هذه الحالة، بما تحمله من تفاعلات إقليمية وخطابات متضاربة، ليس فقط طبيعة الصراع العسكري، بل أيضًا عمق الأزمة الفكرية والسياسية التي تحكم تفسيره. وهي أزمة تتطلب مراجعة جذرية للمفاهيم، وتحررًا من القوالب الأيديولوجية، والانطلاق نحو قراءة أكثر واقعية، تضع الإنسان في مركز التحليل، بدلًا من اختزاله في معادلات السلطة.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين وهم الاتفاق ولعبة الوقت… هل يفاوض ترامب أم يقترب من الحر ...
- بين اغتيال لاريجاني وغياب مجتبى خامنئي: هل بدأت مرحلة تفكك ا ...
- ولاية الفقيه بين الرمز والواقع: قراءة في خطاب مجتبى خامنئي
- الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في ا ...
- بين خطاب الحسم وتحذير الجنرال: هل تقترب الحرب… وأين يقف العر ...
- الشرق الأوسط على حافة التصعيد: العراق في قلب العاصفة المقبلة
- الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ
- بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)


المزيد.....




- بعد استعادته من إيران.. هل هذه أول صورة للطيار الأمريكي الثا ...
- تعرّف على مشروع اتفاق إسلام آباد لإنهاء حرب إيران
- محمد باقر ذو القدر.. مهندس الدولة الأمنية الإيرانية في مواجه ...
- نتنياهو غاضب من تصريحات جنرال إسرائيلي حول قوة حزب الله
- السعودية.. سقوط حطام صواريخ في محيط منشآت للطاقة
- الجيش الإيراني يكشف ملابسات -مقتل 4 ضباط خلال اشتباك مع مقات ...
- ترمب يتوعد بسجن صحفي -سرّب- خبر فقدان الطيار الأمريكي بإيران ...
- تفاصيل مقترح الـ10 نقاط الذي قدمته إيران لترامب
- ترامب يكشف تفاصيل إنقاذ الطيارين الأميركيين: لن نسمح للإيران ...
- الإعمار ومصير المقاومين.. تسريبات للجزيرة نت بشأن المرحلة ال ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - النصر كخدعة كبرى: كيف تُدار الهزائم في العقل العربي