عدي مروان ورده
الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 23:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أنا أنتمي إلى الجيل الذي شهد انهيار الدول في المشرق العربي، وانتقال الواقع من سيئ إلى أسوأ على مراحل متعددة، وكنت دائمًا أتساءل لماذا واقعنا مأزوم إلى هذه الدرجة، ولماذا هذا التوجه الدائم نحو الانحدار؟ ولماذا هذه الفجوة بين واقعنا وواقع الآخرين، والآخرون هنا هم البلدان الغربية على وجه التحديد؟ ومنذ مرحلة مبكرة في حياتي، لم أقتنع بالبروباغندا الاجتماعية المدعومة من الأنظمة السياسية السابقة التي تحيل كل تأخر وكل فشل داخلي إلى إسرائيل وإلى الولايات المتحدة، وترفع من حالة العجز العربي إلى مستوى المقدس، فقررت اللجوء إلى الفئة المنبوذة والحاضرة، وهي الكتّاب والمثقفون العرب.
قرأت لأدونيس وجورج طرابيشي ومصطفى حجازي ومحمد جمال الباروت وبرهان غليون وياسين الحاج صالح وحازم صاغية وغيرهم من الكتّاب والمثقفين العرب، وللأمانة فإن الكثير من هذه التحليلات والدراسات كانت مبهرة في دقة تشخيصها للأزمات والإشكاليات التي تعاني منها دول المشرق العربي على مستوى الاقتصاد والسياسة والمعرفة والثقافة والتفكير الجمعي للمجتمعات، ولكن مرت السنوات ولم يكن لهذه الدراسات ولكل هذا المجهود الفكري الفذ أي أثر ملموس على الواقع العربي، ولم يشكّل عاملًا كابحًا لوقف تدهور هذا الواقع.
والمفارقة الأكثر قتامة أنه حتى جمهور هؤلاء الكتّاب لم يشكّلوا نواةً لتيار ديمقراطي، بل على العكس، فإن الكثير منهم كان له آراء سلبية بخصوص أي تحرك من قبل الشارع العربي للمطالبة بحقوقه، تحت ذريعة أن هذا الشعب يعاني من تخلف بنيوي، وهو غير مؤهل للقيام بأي نوع من أنواع الاحتجاجات المدنية، ليصبح أي أمل أو حد أدنى من التفاؤل في قدرة الشعوب على التحرك نحو الأفضل خطيئةً معرفية لا تُغتفر.
وكل ما سبق يدل على خلل نسقي في هذه التجربة التي لا أنكر غناها المعرفي، ولكن سنبحث في أسباب غياب أثر إيجابي ملموس لها على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وسأحاول رصد الملامح العامة لهذا الخلل النسقي.
الخلل الأول الذي اصطدمت به كان في أول احتكاك مع أفراد من المجتمع الغربي، كنت متمكنًا من اللغة الإنجليزية، وكنت أتطلع لبناء جسور مع الآخر بغية كسر هذه الصورة النمطية المتبادلة، وأول صدمة كانت أن هذا المجتمع، من دون تعميم شامل، غير مكترث بالقضايا النخبوية، وهناك ارتياح أو عدم اكتراث للصور النمطية السائدة، وأن قضايا الليبرالية والعلمنة والحريات غير حاضرة في مجال وعيه، وتفاعله مع حكوماته لا يتجاوز إطار ما يتعارض مع حاجاته اليومية المباشرة، وكثير من تصوراته عن الآخر إما محسومة أو مهملة، ولا يختلف نوعيًا عن أي مواطن عربي عادي في تعاطيه مع الأمور، وبالتالي يمكن تحسين واقع بلد ما إلى حد كبير من دون أن يصبح الشعب كله ليبراليًا ديمقراطيًا، لأن هذه السمة لا تنطبق حتى على أكثر المجتمعات تبنيًا للقيم الليبرالية.
تجذّرت لدى هذه النخب مبالغة نظرية، عن حسن أو سوء نية، مفادها أن أي تحسن في الواقع مشروط بتغريب كامل للمجتمع وقطعه مع ثقافته وتقاليده. لا أنكر هنا أهمية الإنماء الثقافي وقيم الانفتاح، لكن هذه المبالغة أدت إلى تغييب اقتراح خطوات عملية قابلة للتطبيق، يمكن إقناع فئات اجتماعية بها للضغط نحو واقع أفضل.
وهذا يفسر الفرق بين مسار دول بلاد الشام والعراق ومصر وبين دول الخليج من ناحية البنية التحتية والازدهار الاقتصادي، حيث انشغلت الجمهوريات العربية بمشاريع غير عملية وغير قابلة للتطبيق، كمشاريع البعث التي هي مشاريع إنشائية أكثر منها مشاريع فعلية قابلة للتطبيق، حتى قيل في ميشيل عفلق، مؤسس حزب البعث: خسره الشعر وابتُلِيَت به السياسة، كدلالة على أنه مشروع البعث هو مشروع إنشائي وليس مشروع نهوضي حقيقي، وفي النهاية اقتصر على أن يكون ممرًا للديكتاتوريات العسكرية العائلية، بينما لم تطرح ممالك وإمارات الخليج شعارات كبرى، وإنما اقتصرت سياستها على خطوات عملية مباشرة فيما يخص البنى التحتية والواقع الخدمي لدولها، وهنا تبرز أيضًا مفارقة أخرى، حيث إن الدول التي تملك عدد أكبر من الكتّاب والباحثين والمفكرين في مختلف الاختصاصات أصبح واقعها أكثر سوءًا من الدول التي كان شعبها أقل انخراطًا في الشأن العام وأقل تبنيًا للعادات الغربية على مستوى المجتمع، وهذا يدل على أن السلطة وإدارة مؤسسات الدولة هما العامل الجوهري والمباشر في تحديد واقعها، بغض النظر عن مدى قرب أو بعد المجتمع عن القيم الليبرالية الغربية، وأنا هنا لا أنكر فعالية القيم الليبرالية في حماية حقوق الفرد وحرياته، وإنما أرفض ربط عدم تبنّيها من قبل المجتمع بضرورة عدم تحسن الواقع الاقتصادي والسياسي والخدمي لدولة ما.
الخلل الثاني:
إن الخلل الثاني يتمثل في آلية المعارضة السياسية للأنظمة السابقة، حيث إن الغرض البديهي لوجود أي شخصية سياسية هو الوصول إلى السلطة من أجل تطبيق مشروعها السياسي، والسعي إلى بناء نفوذ داخل المجتمع من أجل الضغط في سبيل تحقيق هذه الغاية، وهذا ما لم تقم به معظم التجمعات الديمقراطية في الوطن العربي، وإنما اكتفت بتقديم توصيات للسلطات القائمة التي كانت مغرقة في الاستبداد والفساد، مؤكدة مرارًا وتكرارًا أنه لا همّ لها في الوصول إلى السلطة، وتكون بذلك ضاربة بعرض الحائط حقيقة أن السلطة هي الآلية الوحيدة القادرة على تغيير الواقع العام للدولة، وأن كل المشاريع النهضوية بكافة مستوياتها الخدمية والسياسية والاقتصادية، مع كل الجهد الفكري الذي وراءها، تذهب هباءً ما لم يتم تبنيها من قبل السلطة، ورافق ذلك إهمال تام لمهمة بناء نفوذ فكري ضمن المجتمع من أجل إقناعه بتبني تلك المشاريع، بدلًا من أن يبقى مستقطبًا لمشاريع عبثية.
وبعض هذه النخب ذهبت في مسار أبعد من ذلك، حيث اعتبرت أن الخلل مصدره المجتمع وثقافته وليست السلطة، وأنه غير مؤهل لأي مشروع نهوضي ما لم يغير من ثقافته، مما مهد لمسار من التقييمات اللاحقة من قبل هذه النخب وجمهور قرّائها منفصلة عن الواقع والتاريخ، وفي بعض الأحيان عن الذات، وأهم مصدر لهذه التقييمات الخاطئة هو اختصار تقييم ثقافة المجتمع وآلية إنتاجها عبر تفاعلها مع تطور المصادر المعرفية وسياق الأحداث السياسية وانعكاساتها الاقتصادية فقط عبر نصوص تراثية جامدة اختصروا فيها واقعًا شديد التعقيد، كما عبّر عن ذلك أدونيس والسيد القمني في مناسبات عدة، وفي ذلك تجاهل تام لآلية تشكّل الفكر الجمعي ومزاج المجتمعات العام على أرض الواقع.
فعلى سبيل المثال، يظهر التباين بين موقف الشعب المصري المتعاطف مع إيران في الحرب القائمة بينها وبين إسرائيل، وموقف الشعب السوري الذي يتبنى مواقف أكثر حيادية تجاه هذه الحرب، وذلك نتيجة معاناته الشديدة من التداخلات الإيرانية لصالح نظام الأسد سابقًا، كما يظهر التباين أيضًا في موقف الشعب السوري نفسه، إذ كان متعاطفًا مع حزب الله في عام 2006، ثم رأى فيه عدوًا بعد تدخلاته لصالح النظام السوري السابق، وهنا نرى أن الوقائع كانت أقوى من النصوص الفقهية التي تشير إلى الاختلافات العقائدية أو التكفير المتبادل بين السنة والشيعة، ولكن ما يحصل حقيقةً هو أنه بعد وقوع هذه الأزمات السياسية، يستخدم أصحاب الفكر الطائفي هذه النصوص لتفسير الواقع ورفع مستوى الهوية الطائفية إلى مستوى الغريزة الفكرية. وفي مثال آخر، نرى أن الانفتاح على الآخر على مستوى المجتمع في دول الخليج العربي، التي كانت تاريخيًا مرجعيتها الدينية أكثر انغلاقًا، يبدو أفضل حالًا من دول بلاد الشام والعراق التي تعاني من حالة انكماش وانغلاق هوياتي على مستوى جميع المكونات نتيجة الصراعات الدامية التي مرت بها، والتي كانت مرجعيتها الدينية أيضًا تُعد أكثر انفتاحًا، وإن حالتي الانفتاح والانغلاق حصلتا من دون المرور بمرحلة تجديد ديني أو تغيير في النظرة إلى النصوص الفقهية، وإنما كانت طريقة إدارة الدول هي العامل الحاسم في جعل المجتمعات إما أكثر انفتاحًا وهدوءًا في التعامل مع الآخر، أو أكثر انغلاقًا وتوترًا على مستوى الهوية، أو ما أطلق عليه الراحل صادق جلال العظم اسم "إسلام التوتر العالي"، كدلالة على انغلاق الهوية الإسلامية لدى المجتمعات التي تعيش حالة صراع.
وإن الخللين الأول والثاني يشيران بشكل مختصر إلى الأرضية التي قام عليها الخطاب الليبرالي العربي، والذي تم تصديره إلى الشارع العربي، وأدى إلى تشكّل جمهور معادٍ للمجتمع، ينظر إليه كحالة استثنائية في التخلف، ومؤمن باستحالة وجود خطوات عملية لتطوير الواقع واستحالة الوصول إلى الديمقراطية، ومغيَّب عن تفسير معقول لأسباب حصول التغيير، ومحصور ضمن قراءة متخيّلة لحال المجتمعات الغربية والعربية.
#عدي_مروان_ورده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟