|
|
مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات الردع المستقل
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 21:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المقدمة
(1) خرائط لا ترسمها الجغرافيا
عندما تقف على كثبان الرمل في صحراء النقب، لاهثاً تحت سماء تذوب من لهيبها الحجارة، وتلفت نظرك نحو الشمال الغربي حيث البحر المتوسط يموج زرقة تخدع العطشان، قد تعتقد أنك ترى المشهد كما هو: رمال، صخور، ماء، وأفق ممتد بلا رحمة. لكنك لا ترى شيئاً. فما يتحكم بمصائر الملايين في هذه البقعة من العالم لا يرسمه الطوبوغرافيون، ولا تحدّه الأنهار أو السلاسل الجبلية. هناك خرائط أخرى، أكثر قسوة وأعمق رسوخاً، لا يكتبها المداد بل الدم، ولا يقيسها الكيلومتر بل الألم.
هذا الكتاب ليس عن الجغرافيا. بل هو عن تلك الهندسة السرية التي تحول الجغرافيا إلى سجن، والإنسان إلى أداة، والدولة إلى قناع. إنه محاولة لرسم خريطة لما لا يُرى: تلك الشبكة العنكبوتية من الوظائف الاستعمارية الموزعة بعناية فائقة على كيانات تبدو للوهلة الأولى دولاً مستقلة ذات سيادة، ولكنها في الحقيقة ليست أكثر من أعضاء في كائن حي واحد، يتنفس عبر شرايين النفط، وينبض عبر أوعية الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة، ويهضم عبر معاهد التمويل الدولي، ويتكاثر عبر حروب أهلية مصممة بدقة المختبرات الاستخبارية.
كيف يمكن لمشاهدٍ ساذج، يجلس أمام شاشته الصغيرة في شقته الباريسية أو واشنطن أو حتى دمشق أو بيروت، أن يفهم أن ما يحدث في غزة اليوم هو نفسه ما يحدث في نيوم غداً؟ كيف يمكنه أن يرى الخيط الخفي الذي يربط بين قنبلة إسرائيلية تسقط على خان يونس، وبين عقد إعلامي خليجي يروج لـ"الشرق الأوسط الجديد"، وبين مقاول تركي يبني ثكنة عسكرية على حدود عفرين، وبين قانون أمريكي يمنع طالباً يمنياً من دراسة الفيزياء في بلاده؟ لا يمكنه. وهذا بالضبط هو سلاح الهيمنة الأكثر فتكاً: ألا ترى النظام، بل ترى فقط أجزاءه، فتعتقد أن ما تراه هو فوضى عبثية، أو صراع أبدي بين الطوائف، أو "عقلية شرقية" لا تفهم معنى الدولة والحضارة.
هذا الكتاب يأتي ليكسر هذه النافذة الزائفة. ليقول بصوت عالٍ، ربما يعلو قليلاً على أصوات القنابل: هناك نظام. نظام ذكي، مرن، قاسٍ، أُعيد تصميمه بعد كل هزيمة ظرفية، وتعلم من كل ثغرة اكتشفها أعداؤه. نظام لا يعترف بالهزيمة لأنه لا يعترف بالعدالة أصلاً. نظام اسمه التكامل الاستعماري في غرب آسيا.
---
(2) من "الدول" إلى "الوظائف": ثورة في زاوية النظر
كل الكتب التي قرأتها عن "الشرق الأوسط"، كما يسميه الغرب، أو "غرب آسيا" كما نفضل نحن، تبدأ من فرضية واحدة: أن هناك دولاً. هناك إسرائيل، والسعودية، وتركيا، وإيران، والعراق، وسوريا... وهذه الدول إما تتحالف أو تتصارع، إما تتآمر أو تتصالح. هذه النظرة، التي تملأ المكتبات وتزين رفوف الوزراء والأكاديميين، ليست فقط سطحية، بل هي في جوهرها أداة استعمارية بامتياز. لأنها تعترف ضمنياً بشرعية ما تقوله تلك "الدول" عن نفسها، وتقبل بمقدمة اللعبة كما يضعها الحراس أنفسهم.
هذا الكتاب يقلب الطاولة. لا، لن نبدأ من الدول. بل سنبدأ من الوظائف. وسؤالنا الأول لن يكون: "ماذا تريد إسرائيل؟" أو "ما هي سياسة تركيا؟" بل: ما هي الوظيفة التي تؤديها هذه الكيانات في إعادة إنتاج نظام الهيمنة؟
وهنا تأتي الصدمة الأولى: معظم هذه الكيانات لا تؤدي وظائف الدول أصلاً. الدولة، في تعريفها الكلاسيكي (على الأقل منذ ويبر وحتى سمير أمين)، هي كيان يمتلك احتكاراً نسبياً للعنف المشروع داخل إقليم محدد، ويوفر لأبنائه تعليماً وصحة وبنية تحتية وحماية من الأخطار الخارجية. قارن هذا التعريف البسيط بما يحدث في معظم كيانات غرب آسيا:
· أين هي الجامعة الوطنية المستقلة التي تنتج علماً لا وعظاً؟ · أين هو الجيش الوطني الذي يدافع عن التراب ولا يحمي مصالح الشركات المتعددة الجنسيات؟ · أين هو الاقتصاد المنتج الذي يحول المواد الخام إلى سلع وبضائع، بدلاً من أن يكون مجرد ممر لأنابيب النفط والغاز؟
لا تجدها. بدلاً من ذلك، تجد توزيعاً للوظائف بديع التنظيم:
إسرائيل لا تعمل كدولة، بل كـعضلة عسكرية فوق وطنية. وظيفتها ليست حماية مواطنيها فقط (وهي تفشل في ذلك أحياناً، كما رأينا في السابع من أكتوبر 2023)، بل تطبيع العسكرة الدائمة كحقيقة وجودية في المنطقة. إسرائيل هي التي تجعل مشهد الطائرات بدون طيار تحلق فوق رؤوس المدنيين أمراً عادياً، وهي التي تعلم العالم العربي أن الجيش القوي هو جيش يضرب جيرانه لا جيش يدافع عن حدوده، وهي التي تحول مفهوم "الأمن" إلى مرادف لـ"الإبادة الوقائية". وجودها ليس حالة شاذة، بل هو القاعدة الاستعمارية التي تشرعن كل الاستثناءات الأخرى.
الخليج لا يعمل كمجموعة دول، بل كـمركز لوجستي متكامل. النفط هنا ليس ثروة وطنية، بل هو أداة دفع ثمينة تقدمها الإقطاعيات المحلية لسيدها الأمريكي مقابل بقائها على كراسيها. مشروع 2030 في السعودية، أو رؤية قطر 2030، أو خطط الإمارات الطموحة... ليست مشاريع نهضة وطنية كما يروج لها إعلام مدفوع الثمن، بل هي مناطق صناعية استعمارية تشبه إلى حد كبير ما كانت تفعله شركة الهند الشرقية في آسيا قبل قرون. تأمل نيوم: مدينة بلا مواطنين (بمعنى "السكان الأصليون ذوو الحقوق")، بلا قانون وطني (تطبق فيها قوانين خاصة فوق دستورية)، بلا سيادة (يديرها مجلس أمناء غالبيتهم من الغرب)، وتنتج لا شيء سوى... التكنولوجيا الأمنية. نيوم ليست مدينة، بل هي غلاف غزة آخر، لكن هذه المرة ليس على حدود فلسطين بل داخل جزيرة العرب نفسها.
تركيا لا تعمل كدولة ذات مشروع مستقل، بل كـمقاول مسلح للهيمنة الغربية. أردوغان، بكل ما يملك من خطاب إسلامي مثير وخطوات تصعيدية ظرفية، يبقى في التحليل الأخير مدير مشاريع احتلالية بالباطن. هل سألت نفسك لماذا تتدخل تركيا في ليبيا وقبرص والعراق وسوريا وأذربيجان والصومال في وقت واحد؟ ليس لأنها "دولة صاعدة" أو "إمبراطورية جديدة"، بل لأنها تقدم خدمات عسكرية وأمنية لا تستطيع واشنطن القيام بها علناً. احتلال شمال سوريا لم يكن لإعادة الأمن أو للقضاء على الإرهاب (الإرهاب الذي ساعدت تركيا نفسها في تغذيته لسنوات)، بل كان لـتعطيل أي مشروع وطني سوري مستقل. كل متر من الأراضي السورية تحتله تركيا اليوم هو متر محمي من أي تحرر عربي مستقبلي، ومتر يُبقي سوريا في دائرة التفتيت الوظيفي.
الولايات المتحدة ليست مجرد "حامية" أو "شريك استراتيجي"، بل هي المشرّع والمصادق والضامن النهائي لهذا النظام بأكمله. قواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة ليست لحماية أحد، بل لضمان ألا يخرج أي من هذه الأطراف الوظيفية عن دوره. الظفرة في الإمارات، العديد في قطر، إنجرليك في تركيا... كلها ليست قواعد، بل هي ثكنات مركز القيادة، حيث تدار حروب التفتيت وتُصمم خطوط الإمداد وترسم خرائط الاغتيالات.
وهكذا تتكشف أمامنا الصورة الحقيقية: ليس هناك "دول" في غرب آسيا، بل هناك أعضاء في سلسلة إنتاج استعماري واحدة. عضو عسكري (إسرائيل)، عضو لوجستي (الخليج)، عضو مقاولات (تركيا)، عضو حماية وتشريع (الولايات المتحدة). وحتى تلك الكيانات التي تبدو خارج هذه السلسلة (إيران، المقاومة اللبنانية، اليمن، العراق، سوريا) ليست خارج النظام، بل هي ثغرات فيه، هي فجوات التكامل، هي أماكن حيث فشل النظام في فرض توزيعه الوظيفي، فظهر الردع.
وهنا نصل إلى أخطر سؤال في هذا الكتاب...
….
(3) الردع: ثغرة أم بديل؟
منذ حرب تموز 2006 وحتى اليوم، دخل مفهوم "الردع" إلى المعجم السياسي العربي بقوة. الردع الإيراني، الردع اللبناني، الردع اليمني، وحتى الردع العراقي الناشئ. وصار كثيرون يتحدثون عن "محور المقاومة" كما لو كان مشروعاً بديلاً، كما لو كان نواة لنظام إقليمي جديد قادر على مجاراة الهيمنة الأمريكية وكسر شوكة التكامل الاستعماري.
هذا الكتاب يختلف هنا أيضاً. وسأقول جملة قد لا تعجب كثيرين من الأصدقاء: الردع ليس بديلاً. الردع هو مجرد عرض لمرض النظام، وليس العلاج.
دعني أوضح. الردع يعني أن تمنع عدوك من الاعتداء عليك ليس لأنه يحترم حقوقك، بل لأنه يخشى ثمن الاعتداء. الردع لا يصنع عدالة، ولا يصنع سلاماً، ولا يصنع دولة، ولا يصنع جامعة، ولا يصنع اقتصاداً. الردع يصنع شيئاً واحداً فقط: هدنة مسلحة. هدنة يمكن أن تنهار في أي لحظة بمجرد أن يحسب الطرف الآخر أن كفة الميزان تغيرت لمصلحته.
ما فعلته المقاومة اللبنانية في 2006 كان إنجازاً عظيماً بلا شك: لأول مرة منذ عقود، يُجبر كيان عسكري لا يقهر على التراجع تحت وطأة الخسائر. لكن ماذا بعد 2006؟ هل بنى لبنان دولة؟ هل أقام جامعة منتجة؟ هل صنع اقتصاداً لا يعتمد على المغتربين والتحويلات المصرفية المشبوهة؟ لا. ما فعله لبنان هو أنه عزز معادلة الردع، وترك بقية النظام الاستعماري يعيد ترتيب أوراقه، ثم عاد ليضرب في 2023-2024 بشكل أوسع وأعمق، وهذه المرة ليس فقط في الجنوب بل في عمق المدن والضاحية والبقاع.
اليمن أيضاً. لا أحد يمكنه إنكار أن اليمن غيّر معادلة البحر الأحمر. ولا أحد يمكنه إنكار أن السابع من أكتوبر 2023 كان زلزالاً هزّ أركان النظام الاستعماري بأكمله. لكن السؤال الذي يرفض هذا الكتاب الهروب منه هو: هل هذا الزلزال سيؤدي إلى بناء جديد، أم أنه مجرد هزة أرضية تعقبها هزات أصغر حتى يعود كل شيء إلى ما كان عليه، ربما بشكل أكثر قسوة وإحكاماً؟
هنا يأتي دور سمير أمين، ذاك العبقري المصري الذي قال قبل رحيله كلمات لا تزال ترن في أذن كل من يريد أن يفكر بجدية في مستقبل هذه المنطقة. قال أمين إن التحرر الحقيقي لا يتحقق بمجرد طرد المستعمر، ولا بمجرد تدمير قاعدة عسكرية، ولا بمجرد إسقاط عميل. التحرر الحقيقي يتحقق بـفك الارتباط البنيوي عن النظام الرأسمالي العالمي، وبناء مشروع وطني بديل يقوم على أسس مختلفة: سيادة فعلية على الموارد، جامعة منتجة لا مستهلكة، جيش وطني يحمي الاقتصاد لا يحمي الفساد، اقتصاد متنوع لا يعتمد على مادة أولية واحدة، ووعي جمعي يمزج بين النضال الطبقي والنضال القومي دون إلغاء أحدهما للآخر.
وبناءً على هذا، سأطرح سؤال الكتاب المركزي، سؤالاً واحداً، لكنه ثقيل كجبال طوروس:
هل يمكن لثغرات الردع الحالية (إيران، لبنان، اليمن، العراق، سوريا) أن تتحول إلى نواة لمشروع بديل بنيوي، أم أنها محكوم عليها إما بالاندماج مجدداً في نظام الهيمنة كـ"أقطاب إقليمية تابعين"، أو بالانهيار التدريجي تحت وطأة الحصار والعزلة والصراعات الداخلية؟
هذا السؤال ليس أكاديمياً. إنه سؤال الموت والحياة لملايين البشر. فإذا كان الجواب "نعم، يمكنها أن تتحول"، فعلينا أن ندرس شروط هذا التحول بدقة الجراح. وإذا كان الجواب "لا، لن تتحول"، فعلينا أن نعترف بذلك بشجاعة، ونبحث عن مسارات أخرى، ربما أكثر ألماً وأقل إبهاراً، لكنها أكثر صدقاً مع الواقع.
…..
(4) لماذا هذا الكتاب الآن؟ (غزة 2023-2026 كحالة اختبار)
كل كتاب له لحظة ميلاده. هناك كتب تولد من رحم الهدوء والتأمل الفلسفي، وكتب تولد من رحم الكوارث. هذا الكتاب ينتمي إلى النوع الثاني.
ما حدث في غزة بين السابع من أكتوبر 2023 واليوم (نحن نكتب هذه السطور في ربيع 2026) ليس مجرد حرب، وليس مجرد عدوان، وليس مجرد مجزرة جديدة تضاف إلى سجل المجازر. ما حدث هو انهيار النموذج الردعي القديم وظهور نموذج ردعي جديد في وقت واحد.
لنتأمل:
في صباح السابع من أكتوبر 2023، اخترقت كتائب المقاومة الفلسطينية (بقيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام بشكل أساسي) كل التحصينات التي أنفقت عليها إسرائيل مليارات الدولارات على مدى عقدين. جدار أمني ذكي بارتفاع 8 أمتار، أبراج مراقبة بالرادار، كاميرات حرارية، أسيجة تحت الأرض تمنع الأنفاق، نظام إنذار مبكر بالذكاء الاصطناعي... كل ذلك انهار في ساعات. لم ينهار بسبب قوة خارقة أو سلاح سري، بل بسبب ثغرة في النظام كان الجميع يظن أنها مغلقة: ثغرة الاعتماد على التكنولوجيا فقط، وتهميش العامل البشري والإرادة والدهاء.
هذا الاختراق، الذي أطلق عليه الفلسطينيون "طوفان الأقصى"، لم يكن مجرد عملية عسكرية ناجحة. بل كان فضحاً لطبيعة النظام الاستعماري بأكمله. فما هي القيمة الاستراتيجية للعضلة العسكرية الإسرائيلية إذا كانت تفشل في حماية أغنى وأهم منطقة فيها (غلاف غزة)؟ وما هي قيمة التكنولوجيا الأمريكية إذا كانت لا تستطيع قراءة نوايا عشرات الشباب الفلسطينيين الذين دربوا أنفسهم في سراديب الموت؟ وما هي قيمة التحالفات الخليجية إذا كانت لا تستطيع منع "التطبيع" من الانهيار تحت ضربة واحدة؟
أما رد إسرائيل، فكان مختلفاً هذه المرة. لم تكتفِ بالقصف الجوي التقليدي، ولا بالاجتياح البري المحدود. هذه المرة، أعلن قادة إسرائيل صراحة: "سنمحو حماس من الوجود"، "سنفعلها بمفردنا حتى لو وقف العالم كله ضدنا"، "غزة ستكون مدينة خيام لا تصلح للحياة". ثم بدأ ما لا يمكن وصفه إلا بأنه إبادة جماعية ممنهجة. أكثر من 200 ألف شهيد في أول سنة (حسب تقديرات مستقلة)، تدمير كامل للبنية التحتية (مستشفيات، مدارس، جامعات، مساجد، كنائس، آبار مياه، محطات كهرباء، أفران خبز)، تهجير قسري للسكان نحو الجنوب ثم نحو رفح ثم نحو سيناء، واستخدام أسلحة محرمة دولياً (الفوسفور الأبيض، القنابل العنقودية، الذخائر الحارقة).
لكن الأكثر إثارة للدهشة لم يكن حجم الإبادة، بل انكشاف التكامل الاستعماري في هذه الحرب. كيف؟
أولاً، الدور الخليجي: لم تكتفِ السعودية والإمارات بالصمت المطبق لأشهر، بل مارستا ضغوطاً على واشنطن لعدم مطالبة إسرائيل بوقف إطلاق النار، وواصلتا مشاريعهما التطبيعية خلف الكواليس، بل وقدمتا مساعدات إنسانية رمزية لغزة عبر إسرائيل نفسها (أي أن إسرائيل توزع المساعدات الخليجية على من تبقى من سكان غزة، وكأنها تتلقى أجراً على الإبادة). أما قطر، فظل دورها مزدوجاً كعادته: تمويل حماس من جهة، واستضافة قاعدتها العسكرية الأمريكية من جهة أخرى، وتقديم نفسها كوسيط أمام الكاميرات.
ثانياً، الدور التركي: أطلق أردوغان أضخم حملة خطابية في تاريخه ضد إسرائيل، ووصفها بـ"دولة إرهابية"، وقطع العلاقات التجارية الجزئية، واستقبل قادة حماس في قصر الرئاسة بأنقرة. لكن في الوقت نفسه، استمرت أنابيب النفط التركية بتزويد القواعد الأمريكية في شرق المتوسط بالوقود، واستمرت المقاولات التركية ببناء الجدار الأمني على حدود غزة من الجانب المصري (مقابل أموال خليجية أمريكية)، واستمر التنسيق الاستخباراتي بين تركيا وإسرائيل في شمال سوريا والعراق. الخطاب كان للناس، والخدمات للسادة.
ثالثاً، الدور الأمريكي: أرسلت واشنطن حاملتي طائرات إلى شرق المتوسط (الأكبر منذ حرب العراق)، واستخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن أكثر من 10 مرات لحماية إسرائيل، وواصلت شحن الأسلحة والذخيرة يومياً. لكنها في الوقت نفسه، كانت ترسل رسائل خلفية لإيران ولبنان واليمن تقول: "لا تتدخلوا، وهذه حربنا وحدنا مع حماس". بمعنى آخر، كانت أمريكا تحاول عزل مسرح غزة عن بقية مسارح الردع، لمنع أي تكامل بين ثغرات النظام.
هنا بالضبط يكمن الدرس الأعمق: النظام الاستعماري يعرف ثغراته، ويعرف أن أخطر ما يهدده هو أن تتصل الثغرات ببعضها. لو تمكنت المقاومة في غزة من فتح جبهة موحدة مع المقاومة في لبنان واليمن والعراق وسوريا، لتحولت الحرب من "حرب على حماس" إلى "حرب على النظام بأكمله". وهذا ما حاولت أمريكا وإسرائيل وتابعوهم منعه بكل الوسائل: قصف مطار دمشق لتعطيل وصول المساعدات الإيرانية، اغتيال قادة فيلق القدس في سوريا ولبنان، تهديد اليمن بقصف البنية التحتية، استهداف المواكب اللوجستية في العراق، وزرع فتن طائفية ومذهبية في كل نقطة وصل محتملة.
معادلة الردع الجديدة التي تبلورت في 2025-2026 تبدو كالتالي:
· في غزة: انهيار كامل للردع الفلسطيني، وتحول القطاع إلى "منطقة منزوعة السلاح تحت الإدارة الإسرائيلية المباشرة" (كما أعلن نتنياهو في خطابه الشهير مارس 2025). · في لبنان: ردع قوي لكنه محدود، يمنع اجتياحاً برياً واسعاً لكنه لا يمنع الاغتيالات اليومية والقصف الجوي للضاحية. · في اليمن: ردع بحري متطور يغلق البحر الأحمر أمام السفن الإسرائيلية ويضرب الموانئ الإسرائيلية بين الحين والآخر، لكنه لا يمنع استمرار الحصار على اليمن نفسه. · في العراق وسوريا: ردع ناشئ يطرد القواعد الأمريكية تدريجياً، لكنه لا يحول دون استمرار الغارات التركية والإسرائيلية.
هذا التوزيع غير المتكافئ للردع هو بالضبط ما يحافظ على النظام الاستعماري. طالما أن كل ثغرة تعمل بمفردها، وتتعامل مع أزمتها المحلية فقط، فإن النظام يعيد ترتيب أوراقه، ويحاصر الثغرات واحدة تلو الأخرى، ويخرج منتصراً في النهاية، ليس لأن عسكره أقوى، بل لأن تفتيت المقاومة هو امتداد طبيعي لـتفتيت الدول الذي أسسه الاستعمار منذ البداية.
……
(5) هيكل الكتاب: رحلة من التكامل إلى الثغرات إلى التساؤل
بعد هذه المقدمة الطويلة، ربما تسأل: كيف ستنظم هذه الرحلة؟ دعوني أرسم لكم خريطة الكتاب كما أراه في مخيلتي، قبل أن تتحول إلى حبر على ورق.
القسم الأول: بنية التكامل الاستعماري في غرب آسيا سنبدأ برسم خريطة للنظام كما هو، وليس كما نتمنى أن يكون. سننظر إلى إسرائيل والخليج وتركيا وأمريكا ليس ككيانات منفصلة، بل كأعضاء في سلسلة إنتاج واحدة. سنحلل كيف يعمل كل عضو، وكيف يتكامل مع الأعضاء الآخرين، وأين تكمن نقاط ضعفه. هذا القسم قد يكون قاسياً في صراحته، لكنني أؤمن أنه لا يمكن تغيير شيء إلا بعد فهمه فهماً دقيقاً، دون أوهام أو رومانسية ثورية.
القسم الثاني: فجوات النظام – حيث يظهر الردع سننتقل إلى تلك البقع المضيئة في ظلام النظام: إيران التي قاومت الحصار والاغتيالات وبنَت اقتصاداً مقاوماً، لبنان الذي حوّل الجنوب إلى مقبرة للدبابات، اليمن الذي قلب معادلة البحر الأحمر، والعراق وسوريا حيث بدأ طرد القواعد الأمريكية يأخذ طابعاً وطنياً لا طائفياً. لكننا سنكون صادقين هنا أيضاً: سنناقش تناقضات هذه الثغرات، وأخطاءها، وحدودها، وخطر تحولها إلى نسخ طبق الأصل من الأنظمة التي تقاتلها.
القسم الثالث: هل يمكن تحويل الردع إلى مشروع بديل؟ وهنا قلب الكتاب النابض. سنعود إلى سمير أمين وغيره من منظري التحرر الوطني، لنبحث عن شروط بناء مشروع وطني بديل حقيقي. ما هي شروط السيادة الفعلية؟ كيف نصنع جامعة منتجة؟ كيف نبني جيشاً وطنياً يحمي الاقتصاد لا يحمي الفساد؟ كيف نخلق وعياً يجمع بين الطبقة والأمة دون اختزال أحدهما للآخر؟ هذه الأسئلة ليست مجرد نظرية، بل هي اختبار حقيقي لثغرات الردع اليوم. هل تفكر إيران في هذه الأسئلة؟ هل تفكر المقاومة اللبنانية فيها؟ هل لليمن مشروع بعد الردع، أم أن الردع هو نهاية مطافه؟
الخاتمة: غرب آسيا بين تكاملين سيناريوهات المستقبل ليست مفتوحة على مصراعيها كما يحلو للمتفائلين أن يعتقدوا. هناك ثلاثة سيناريوهات واقعية فقط: إما إعادة دمج ثغرات الردع في نظام الهيمنة (بشروط جديدة ربما)، أو انهيار تدريجي لهذه الثغرات تحت وطأة الحصار الداخلي والخارجي، أو نجاة استثنائية لواحدة أو اثنتين منها نحو مشروع بديل يغير قواعد اللعبة. سنناقش كل سيناريو بشجاعة، ونترك للقارئ حرية الحكم، لكن ليس قبل أن نقدم له كل الأدوات اللازمة لصنع هذا الحكم.
(6) إقرار بالتواضع وخطر السقوط
قبل أن نمضي قدماً، لا بد من كلمة صادقة عن حدود هذا الكتاب. أنا لست عالماً محايداً يقف فوق الصراع ليراقبه من برج عاجي. أنا ابن هذه المنطقة، وألمها ألمي، وجراحها جراحي. لكن هذا لا يعني أن الحقيقة عندي وحدي، أو أن رؤيتي هي الصورة الكاملة.
هذا الكتاب يخلو تماماً من أي محاولة لتحقيق "الموضوعية الأكاديمية" التي تضع المجازر الفلسطينية في كفة، و"مخاوف إسرائيل الأمنية" في كفة أخرى. لقد سئمنا هذه الموضوعية الزائفة. المجزرة تبقى مجزرة سواء كان مرتكبها قوياً أو ضعيفاً، أبيض أو أسود، يهودياً أو مسيحياً. وهذا الكتاب يبدأ من موقف أخلاقي واضح: حق الفلسطينيين في المقاومة والتحرر هو حق غير قابل للمساومة، وإنهاء الاستعمار في غرب آسيا هو شرط ضروري لأي سلام أو عدالة أو نهضة.
لكن في الوقت نفسه، هذا الكتاب ليس كتيب دعائي لـ"محور المقاومة". أنا أنتقد حلفاء إيران عندما يستوردون نماذج رأسمالية ريعية، وأنتقد تركيا عندما تتصرف كعميل للناتو، وأنتقد الخليج عندما يبيع ضميره مقابل بقاء عروشه، وأنتقد أمريكا عندما تدّعي الديمقراطية وهي ترعى الإبادة. النقد للجميع، لأن الهدف ليس استبدال هيمنة بهيمنة، بل تحرر حقيقي.
أخيراً، هذا الكتاب يدرك أن ما يكتبه هو مجرد كلمات. والكلمات، مهما بلغت جمالاً وعمقاً، لا تساوي قطرة دم واحدة تسقط على رمال غزة أو أزقة بيروت أو جبال اليمن. لكننا نملك السلاح الذي لا يستطيع الطيران F-35 إسقاطه: سلاح الوعي. هذا الكتاب هو محاولة لشحذ ذلك السلاح، لعل وعسى أن تساهم هذه الصفحات، ولو بقدر قليل، في فتح عيون من يريد أن يرى، أو تقوية إرادة من يريد أن يفعل.
هيا بنا نبدأ الرحلة.
….
(7) النظام لا يرى نفسه: هشاشة المركز وعمى الأطراف
هناك حقيقة قاسية يجب أن نعترف بها في بداية هذا الكتاب، حتى لا نظهر وكأننا نمتلك الحقيقة المطلقة ونحن نجلس على كراسي مريحة بعيداً عن نيران المعارك: النظام الاستعماري الذي نصفه لا يرى نفسه. أي أن أعضاءه – من صناع قرار في واشنطن وتل أبيب والرياض وأنقرة – لا يجتمعون في غرفة سرية لوضع خطط محكمة لتفتيت المنطقة وتوزيع الأدوار. هذا ليس فيلماً هوليوودياً. إنهم في الغالب لا يدركون أنهم جزء من "نظام" بالمعنى النظري. كل واحد منهم يظن أنه يخدم مصلحته الوطنية الضيقة، أو أنه يدافع عن أمن قومه، أو أنه يحقق حلمه الشخصي في السلطة والخلود. لكن الرياضيات البنيوية للتكامل الرأسمالي أقوى من نوايا الأفراد. فهي تدفعهم دفعاً – كل في موقعه – إلى إعادة إنتاج علاقات الهيمنة ذاتها، حتى عندما يعتقدون أنهم يمارسون "السياسة المستقلة".
هذا هو سحر البنيوية الذي علمنا إياه سمير أمين ورفاقه: الوعي الزائف ليس مجرد جهل، بل هو شكل من أشكال المعرفة الأعمق. فالمعرفة الحقيقية ليست في أن تقول "أنا عميل للنظام الأمريكي". المعرفة الحقيقية هي أن تعرف أن ما تفعله – حتى لو كان تحت شعار "السيادة الوطنية" أو "مكافحة الإرهاب" أو "التنمية المستدامة" – يؤدي في النهاية إلى نفس النتيجة: إضعاف إمكانية التحرر الجماعي في غرب آسيا.
لنأخذ مثالاً من وحي الأحداث التي نعيشها بينما نكتب هذه السطور (ربيع 2026). الإدارة الأمريكية الحالية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية (لا فرق في الجوهر)، تؤمن بأنها تحمي "النظام الدولي القائم على القواعد". وهي تعتقد بصدق أن إسرائيل هي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وأن دعمها المطلق لها هو دفاع عن "القيم الغربية" ضد "الإرهاب الإسلامي" و"التوسع الإيراني". هذا المسؤول الأمريكي لا يحلم ليلاً بأنه يسقي شجرة استعمارية عمرها قرن، وأنه يشارك في إبادة جماعية ممنهجة. بل هو يشعر بالفخر والرضا الأخلاقي. وهذه هي المفارقة المأساوية: الاستعمار اليوم لا يُمارس بضمير سيء، بل بضمير نقي جداً. إنه استعمار المنقذين، استعمار الذين يظنون أنهم ينشرون الحرية والديمقراطية وهم يحرقون المدارس والمستشفيات.
والأمر نفسه ينطبق على التكنوقراط الخليجيين الذين يديرون مشروع "نيوم" أو "مدينة محمد بن سلمان للطاقة". هؤلاء يرون أنفسهم كرواد للحداثة، ورسل للعصر الجديد، وهم يبيعون أراضي أجدادهم لشركات أمريكية وإسرائيلية بأسعار زهيدة، ويجلبون عمالة مستعبدة من آسيا وأفريقيا لبناء مدن لا تحتوي على مواطن واحد من أبناء البلاد إلا كحراس أمن أو مروجين إعلاميين. هم يظنون أنهم "ينوعون الاقتصاد"، بينما هم في الحقيقة يحولون بلدانهم من مجرد ممر لأنابيب النفط إلى مجرد ممر لأسلاك الألياف البصرية ومراكز البيانات التي تخدم الذكاء الاصطناعي الحربي الغربي. لا وعي استعماري لديهم، بل وعي استهلاكي متخم بصور الأبراج الزجاجية والسيارات الطائرة.
وكذلك أردوغان، ذلك الرجل الذي ينام ويستيقظ على حلم استعادة "الإمبراطورية العثمانية" وصدارة العالم السني. هو يصدق فعلاً أنه زعيم مستقل، وأن خطابه الحاد ضد إسرائيل في المنابر الدولية يضعه في مصاف المقاومين. لكنه في اللحظة نفسها يمد خطوط الغاز التركي إلى القواعد الأمريكية في قبرص، ويبيع المسيرات التركية لأذربيجان لاستخدامها في تطهير عرقي للأرمن . هل هو عميل واعٍ للناتو؟ كلا، هو أسير لتناقضات النظام التي هي أكبر منه، وأقدم منه، وأكثر دهاءً.
هذا الكتاب لا يتهم أفراداً بالنوايا الخبيثة (مع وجود خبث حقيقي لدى كثيرين، ولا شك). بل هو يتهم البنية. لأنه كما يقول ماركس في لحظة عبقرية نادرة: "الإنسان يصنع تاريخه، لكنه لا يصنعه كيف يشاء، بل في ظل ظروف موروثة عن الماضي". وظروفنا الموروثة هنا ليست مجرد "استعمار قديم انتهى"، بل هي بنية كاملة من علاقات الإنتاج والتبعية والتفكك أعيد إنتاجها عبر عقود من "الاستقلال" المزيّف.
فهم هذا الأمر – أن النظام لا يحتاج إلى مؤامرة واعية ليعمل، بل يحتاج فقط إلى جهل أو غفلة أو طموح شخصي لدى أفراده – هو الخطوة الأولى نحو أي تغيير حقيقي. لأنك إذا ظللت تبحث عن "الغرفة السوداء" حيث يخططون لخراب أمتك، فلن تجدها أبداً، وستضيع عمرك في مطاردة الأشباح. أما إذا فهمت أن النظام يعمل عبرك أنت أيضاً، عبر عادتك اليومية في استهلاك الإعلام الخليجي، وشراء المنتجات الإسرائيلية المقنعة بعلامات تجارية عالمية، وتصديق رواية "محور الشر" التي تقدمها لك قنواتك المفضلة، فهنا تبدأ مسؤوليتك الحقيقية.
ولهذا السبب أصر على أن هذا الكتاب ليس مجرد تحليل سياسي، بل هو أيضاً دعوة إلى وعي جديد، وإلى قطع مع "الوعي الزائف" الذي يجعلنا نرى أنفسنا ضحايا فقط، بينما نحن – دون أن ندري – جزء من آلية إدامة الهيمنة، إما بسكوتنا، أو بتطبيعنا مع الواقع، أو بتلهفنا وراء "صفقات القرن" و"رؤى 2030" و"المعجزات الاقتصادية" التي يبيعها لنا الإعلام المأجور.
…..
(8) الردع: ابن الهيمنة الشرعي الذي كاد يقتل أباه
عدنا إلى الردع، ذلك المفهوم الذي يتردد على ألسنة الجميع من طهران إلى بيروت إلى صنعاء إلى بغداد، وكأنه العصا السحرية التي ستحل كل المشاكل. دعني أكون أكثر وضوحاً مما كنت في الدفعة الأولى: الردع، في جوهره، ليس ثورياً، بل هو ابن شرعي للهيمنة، كاد في بعض اللحظات التاريخية أن يقتل أباه، لكنه عاد ليحتضنه من جديد.
ما معنى هذا الكلام الغامض؟
الردع، كما تعلمنا عقيدة "توازن الرعب" أيام الحرب الباردة، هو أن تمنع عدوك من مهاجمتك ليس لأنه يحترم حقوقك، بل لأنه يخشى ردك. هذا هو المنطق نفسه الذي تستخدمه أمريكا وإسرائيل: "نحن نمتلك القنبلة النووية، فلا تهاجمونا وإلا دمرناكم". الفرق الوحيد هو أن أمريكا وإسرائيل نجحتا في بناء هذا الردع النووي لقرون قادمة (ما دامت القنابل موجودة)، بينما "محور المقاومة" لا يزال يعتمد على ردع تقليدي هش، يعتمد على الصواريخ والمسيرات والأنفاق، ويمكن تفكيكه بقصف مركز أو بصفقة خيانة كبرى.
لكن الأهم من الفرق التقني هو الفرق الفلسفي. الردع الذي تمارسه إسرائيل هو ردع هجومي: "سنقتلك قبل أن تقتلنا، وسنقتلك أكثر مما تقتلنا، وسنقتلك بطريقة لا يجرؤ أحد بعدها على التفكير في قتلنا". أما الردع الذي تمارسه المقاومة فهو ردع دفاعي: "لن نبدأ الحرب، لكننا سنرد على عدوانك بما يجعلك تندم عليه". هذا الفرق أخلاقي وسياسي هائل، لكنه لا يغير الحقيقة المركزية: الردع، في كلا الشكلين، لا يصنع سلاماً، ولا يصنع عدالة، ولا يصنع دولة، ولا يصنع جامعة، ولا يصنع اقتصاداً، ولا يصنع وعياً. الردع يصنع شيئاً واحداً فقط: فترة هدوء مسلح، تتراوح مدتها بين أشهر وسنوات، حتى يجد الطرف المهزوم (أو الطرف الذي يظن نفسه مهزوماً) فرصة لاستعادة توازن القوى، وتُستأنف الحرب من جديد.
انظر إلى لبنان بعد 2006. هل صنع الردع اللبناني سلاماً؟ لا، صنع هدنة هشة استمرت 17 سنة، ثم انفجرت في حرب 2023-2024 بشكل أوسع وأعنف. هل صنع دولة؟ لا، بل عمق الأزمة السياسية والاقتصادية، وأصبح سلاح المقاومة ورقة ضغط في الصراعات الداخلية، واستخدمته بعض القوى لتبرير عجزها عن بناء مؤسسات الدولة. هل صنع جامعة؟ لا، بل حول الجامعات اللبنانية إلى ساحات صراع سياسي وطائفي، وهجر منها العقول بسبب الاغتيالات والتهديدات.
واليَمَن بعد 2015. الردع اليمني الذي ظهر بقوة في البحر الأحمر 2023-2025 أنقذ غزة من جوع بحري محقق، وأرعب الموانئ الإسرائيلية، وكشف عجز الأساطيل الغربية. هذا إنجاز تاريخي لا يمكن إنكاره. لكن هل صنع الردع اليمني سلاماً في الداخل اليمني؟ هل أوقف الحرب الأهلية بين الحوثي والتحالف السعودي الإماراتي؟ هل أوقف الحصار الجائر على الشعب اليمني الذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الأطفال جوعاً؟ هل صنع جامعة يمنية قادرة على استيعاب طلاب صنعاء وعدن وتعز معاً؟ لا. اليمن لا يزال ممزقاً، وغالبية سكانه يعيشون على المساعدات الإنسانية، وليس لديهم أي أفق وطني موحد.
أقول هذا ليس انتقاصاً من بطولة اليمنيين أو اللبنانيين أو الفلسطينيين أو العراقيين، بل هو إعلان مسؤولية: الردع وحده لا يكفي. الردع يمكن أن يكون أداة لخلق فجوة في النظام، وكسر زمن الهيمنة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن مشروع وطني بديل.
وهنا يأتي دور سمير أمين مرة أخرى، كالنور في آخر النفق. يقول أمين في كتابه "الفكرة الاستراتيجية العربية" (لا أذكر النص الحرفي لكن المعنى): "التحرر الوطني لا يتحقق بالصواريخ فقط، بل بالجامعة التي تنتج وعياً نقدياً، وبالمصنع الذي يحول النفط إلى صناعات، وبالجيش الذي يحمي هذا المصنع وهذه الجامعة، وبالحزب الذي يربط كل هذه العناصر في مشروع وطني ديمقراطي تحرري". هذا هو الفرق بين "الردع" و"المشروع البديل". الردع هو رد فعل، المشروع البديل هو فعل. الردع يتعامل مع الأعراض، المشروع البديل يتعامل مع الجذور. الردع يمكن أن يمنع المجازر الكبرى، لكنه لا يستطيع بناء حياة كريمة.
لهذا فإن السؤال الذي يلاحق هذا الكتاب من أوله إلى آخره هو: كيف نحول فجوات الردع هذه – التي هي بالفعل ثغرات حقيقية في جدار النظام الاستعماري – إلى نواة صلبة لمشروع نهضوي مستقل؟ كيف نجعل من انتصار 2006 في لبنان قاعدة لبناء جامعة وطنية مستقلة، بدلاً من أن يتحول إلى سلاح في الصراعات الداخلية؟ كيف نجعل من إنجازات اليمن البحرية مدخلاً لإنهاء الحرب الأهلية وبناء دولة يمنية موحدة، بدلاً من أن تبقى اليمن "دولة فقيرة تملك صواريخ"؟ كيف نجعل من صمود غزة الأسطوري رغم الإبادة حافزاً لبناء مشروع فلسطيني موحد يتجاوز الانقسامات المؤسفة بين الضفة والقطاع والشتات؟
لا إجابة سهلة. لو كانت الإجابة سهلة، لكان الفلسطينيون والعرب قد حرروا فلسطين منذ نصف قرن. لكن هناك إجابة ممكنة، سنحاول صياغتها في نهاية هذا الكتاب، مستلهمين من تجارب التحرر الوطني في العالم (فيتنام نموذجاً، وجنوب أفريقيا نموذجاً آخر، وكوبا نموذجاً ثالثاً). الإجابة تتلخص في كلمة واحدة: الوعي. ليس الوعي العاطفي الذي يهتف في المهرجانات ثم ينام، بل الوعي النقدي الذي يغير طريقة رؤيتك للعالم، ثم يغير طريقة عيشك، ثم يغير علاقاتك الإنتاجية، ثم يغير مجتمعك بأسره. الوعي الذي يجعلك ترفض شراء المنتجات الإسرائيلية، لكنه يجعلك أيضاً ترفض شراء المنتجات الخليجية التي تمول الإعلام الذي يجهلك، ويرفض شراء المنتجات التركية التي تبني ثكنات الاحتلال في عفرين، ويرفض شراء المنتجات الأمريكية التي تتحول إلى قنابل على رأس أطفال غزة. الوعي الذي لا يكتفي بـ"المقاطعة"، بل يذهب إلى الإنتاج البديل: نصنع بدلاً من أن نشتري، نعلم بدلاً من أن نستهلك، ننظم بدلاً من أن ننتظر.
……
(9) لماذا هذا الكتاب الآن؟ (غزة 2023-2026 كحالة اختبار – الجزء الثاني)
عدنا إلى غزة. لأن غزة هي مفتاح كل شيء. غزة هي مختبر النظام الاستعماري، كما كانت الجزائر مختبراً للاستعمار الفرنسي، وفيتنام مختبراً للاستعمار الأمريكي. كل ما يحدث في غزة اليوم هو تجسيد مصغر لما يحدث في كل غرب آسيا: إبادة جماعية تحت شعار "حق الدفاع عن النفس"، وتفكيك للبنية التحتية للمقاومة تحت شعار "اجتثاث الإرهاب"، وتجويع وتشريد تحت شعار "تشجيع النزوح الطوعي"، وصمت عربي رسمي مخز تحت شعار "انتظار الحل الدبلوماسي".
لكن غزة 2023-2026 مختلفة عن كل حروب غزة السابقة. هذه المرة، ولأول مرة، انكشف التكامل الاستعماري في أبهى صوره، وكاد أن ينهار لولا تدخل أمريكي مباشر في اللحظات الأخيرة.
دعني أشرح.
في الأسابيع الأولى بعد السابع من أكتوبر، بدا أن النظام الاستعماري بأكمله يصاب بالشلل. إسرائيل، التي كانت تظن أنها بنت أقوى جدار أمني في العالم، انهار جدارها في ساعات. أمريكا، التي راهنت على "التطبيع" كبديل عن "السلام"، وجدت أن التطبيع لا يصمد أمام أول اختبار شعبي حقيقي. الخليج، الذي كان يروج لـ"الرؤى المستقبلية" و"المدن الذكية"، وجد نفسه مضطراً للاختيار بين صورته الدولية (التي تهتم بحقوق الإنسان في أوكرانيا فقط) ومصالحه الأمنية مع إسرائيل، فاختار المصالح. تركيا، التي راهنت على خطابها الإسلامي لتعويض فشلها الاقتصادي، وجدت نفسها عاجزة عن تحريك جيشها نحو الجنوب، لأن هذا الجيش مرهون بقواعد الناتو.
بدا العالم العربي كله وكأنه يقف على حافة بركان. الجماهير العربية خرجت في ملايينها في كل عاصمة (عدا القاهرة والرياض وأبو ظبي، حيث المنع أمني محكم). الجامعات العربية اهتزت، والنخب العربية صُدمت، والإعلام الخليجي الذي كان يبيع لنا "الإرهاب" و"التطرف" أصبح فجأة عاجزاً عن تبرير ما تراه العيون.
ثم بدأ النظام الاستعماري يفيق من صدمته. وبدأت آلياته تعمل ببطء ولكن بثبات.
الآلية الأولى: الإبادة كأداة صدمة. قررت إسرائيل أنها لن تكتفي بالرد العسكري التقليدي، بل سترتكب إبادة جماعية مفتوحة، أمام كاميرات العالم، دون أي خوف من المحاسبة. لماذا؟ لأن الإبادة ترسل رسالة إلى كل من يفكر في مقاومة الهيمنة: "سنفعل بكم ما فعلناه بغزة، ولن ينقذكم أحد". هذه الرسالة وصلت: كم عدد الدول العربية والإسلامية التي قطعت علاقاتها مع إسرائيل بعد غزة؟ صفر. كم عدد الدول التي سحبت سفيرها من تل أبيب؟ حفنة قليلة، ثم أعادتهم بعد أشهر. كم عدد الدول التي فتحت معبراً برياً لإدخال المساعدات دون تنسيق مع إسرائيل؟ صفر. الإبادة نجحت في تخويف الأنظمة أكثر مما نجحت في قتل الفلسطينيين.
الآلية الثانية: تجريم المقاومة. النظام الاستعماري يعرف أن أخطر ما في "طوفان الأقصى" ليس الخسائر العسكرية، بل الشرعية الأخلاقية التي أعادها للمقاومة في عيون العالم. فجأة، أصبح الشبان في باريس ولندن ونيويورك يرفعون صور المقاومة الفلسطينية، ويرددون هتافات "فلسطين حرة من النهر إلى البحر". هذا لا يمكن السماح به. فتحركت آلة الإعلام الغربية والخليجية لتجريم أي تعاطف مع المقاومة، ووصفها بـ"الإرهاب"، ومحاكمة من يهتف لها في الجامعات الغربية، وفصلهم من وظائفهم، وتشويه سمعتهم. تحولت "المقاومة" من حق قانوني وأخلاقي (حسب كل مواثيق الأمم المتحدة) إلى جريمة يعاقب عليها بالسجن في ألمانيا وفرنسا.
الآلية الثالثة: عزل غزة عن محور المقاومة. كان أخطر ما يهدد إسرائيل هو فتح جبهات متعددة في وقت واحد: لبنان من الشمال، سوريا والعراق من الشرق، اليمن من الجنوب، إيران من وراء الجميع. لو حدث هذا، لكانت إسرائيل قد انهارت في أسابيع. لذلك عملت أمريكا وإسرائيل بجنون على منع أي تكامل بين فجوات النظام. قصفت مطار دمشق كلما حاولت طائرة إيرانية الهبوط. اغتالت قادة فيلق القدس في سوريا ولبنان. هددت اليمن بقصف بنيته التحتية إذا وسع نطاق هجماته. مارست ضغوطاً هائلة على العراق لضبط جماعات المقاومة. وقدمت لحزب الله "عروضاً لا تُرفض" (في شكل انسحابات أمريكية من سوريا، أو رفع عقوبات عن لبنان) مقابل عدم فتح جبهة شمالية واسعة. النتيجة: بقيت غزة وحيدة في مواجهة آلة الإبادة الإسرائيلية طوال 18 شهراً، ولم تتدخل أي جبهة بشكل فعال إلا اليمن (بضرب السفن في البحر الأحمر) ولبنان (بقصف محدود للمستوطنات الشمالية). وهذا هو سبب الهزيمة النسبية لغزة هذه المرة.
من هذا المشهد المرير، نستخلص الدرس الأهم في هذا الكتاب: محور المقاومة، كما هو موجود اليوم، هو مجرد تجمع لفجوات منفصلة، وليس مشروعاً بديلاً موحداً. كل فجوة تدافع عن نفسها، وتحقق انتصارات محلية، لكنها لا تستطيع تحويل هذه الانتصارات إلى تحول استراتيجي شامل. إيران تدافع عن مصالحها الوطنية (وهو حقها)، ولبنان يدافع عن أرضه، واليمن يدافع عن سيادته، وغزة تدافع عن وجودها. لكن أين هو المشترك؟ أين هي الرؤية الموحدة لمستقبل غرب آسيا بعد انهيار الهيمنة الأمريكية؟ أين هي القيادة الجماعية التي تقرر متى تفتح جبهة ومتى تغلقها؟ أين هو التكامل الاقتصادي بين إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن، لبناء سوق مشتركة تقاوم الحصار؟ أين هو الوعي الجديد الذي يجعل شاباً في طهران يشعر أن قضية غزة هي قضيته الشخصية، ليس فقط بدافع ديني أو أخلاقي، بل بدافع وطني إقليمي؟
لا يوجد شيء من هذا. وهذه هي المأساة. نحن نمتلك أدوات الردع (الصواريخ، المسيرات، الأنفاق، الخلايا النائمة)، لكننا لا نملك أدوات البناء (الجامعة، المصنع، الحزب، الجيش الوطني الموحد). وكما يقول المثل الشعبي الفلسطيني: "اللي ما عنده بترول، بتروله بزيتون". لكن الزيتون لا يحرك ناقلات النفط الأمريكية، والصواريخ وحدها لا تبني دولة.
……
(10) سؤال الكتاب المركزي، مرة أخرى
ربما شعر القارئ بعد هذه المقدمة الطويلة أنني أتناقض مع نفسي. بدأت بالحماسة لفكرة "التكامل الاستعماري" و"ثغرات الردع"، وانتهيت بملاحظة قاتمة عن فشل هذه الثغرات في التحول إلى بديل حقيقي. لكن هذا ليس تناقضاً، بل هو ديالكتيك. الديالكتيك يعني أن الأشياء تحمل نقيضها في داخلها. الردع يحمل في داخله بذرة البديل، لكنه يحمل أيضاً بذرة الاندماج مجدداً في النظام. طريقتنا في التعامل مع هذه البذور هي التي ستقرر المصير.
ولهذا أعود لأطرح سؤال الكتاب المركزي بصيغته النهائية، بعد كل هذه المقدمات الطويلة:
في ظل انهيار التدريجي للهيمنة الأمريكية – والذي لم يعد موضع شك بعد أفغانستان وأوكرانيا وغزة – هل تستطيع ثغرات الردع الحالية (إيران، لبنان، اليمن، العراق، سوريا ببعدها التحرري وليس الحالي المؤقت ) أن تتجاوز حدودها الدفاعية الضيقة، وتتحول إلى نواة لمشروع تكامل إقليمي بديل، يقوم على السيادة الفعلية، والجامعة المنتجة، والاقتصاد المتنوع، والوعي الطبقي القومي؟ أم أن هذه الثغرات محكوم عليها إما بالانهيار التدريجي تحت وطأة الحصار والعزلة والصراعات الداخلية، أو بإعادة الاندماج في النظام العالمي الجديد كأقطاب إقليمية تابعة تخدم المصالح الأمريكية-الصينية-الروسية في آن واحد؟
هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه في بقية هذا الكتاب، ليس بثقة المتكلم، بل بتواضع الباحث الذي يبحث عن الحقيقة مع قارئه، لا من فوق منصة وعظ.
…..
(11) هيكل الكتاب النهائي
بعد هذه المقدمة التي تجاوزت حجمها المتوقع (أشكر قارئي الصبور الذي وصل إلى هنا)، أقدم هيكل الكتاب النهائي، مع تعديلات طفيفة عما ذكرته سابقاً:
القسم الأول: بنية التكامل الاستعماري في غرب آسيا
· الفصل 1: إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة · الفصل 2: الولايات المتحدة – المهندس والمشرف على التفتيت · الفصل 3: الخليج – المركز اللوجستي (النفط، الإعلام، التكنولوجيا، العمالة) · الفصل 4: تركيا – المقاول المسلح والوجه الإسلامي للناتو
القسم الثاني: فجوات النظام – ثغرات الردع
· الفصل 5: إيران – من الاستهداف الدوري إلى كسر دورة الردع · الفصل 6: لبنان – نموذج الردع غير المكتمل · الفصل 7: اليمن – قلب المعادلة البحرية وعورة الداخل · الفصل 8: العراق وسوريا – من ساحات حرب إلى ساحات طرد النفوذ
القسم الثالث: آفاق التحول – من الردع إلى المشروع البديل
· الفصل 9: شروط النهضة المستقلة (عودة إلى سمير أمين ومنظري التبعية) · الفصل 10: التناقضات الداخلية لمحور المقاومة (نقد ذاتي صادق) · الفصل 11: سيناريوهات 2030-2040: ثلاث طرق لا رابعة لها
الخاتمة: غرب آسيا بين تكاملين
· تكامل استعماري يموت ببطء · تكامل تحرري لم يولد بعد · دور الوعي في تسريع المخاض
---
(12) كلمة شكر واعتذار
قبل أن نغلق هذه المقدمة الطولة، كلمة أخيرة. هذا الكتاب لم يولد من فراغ. إنه ابن تجربة نضال طويلة، وخيبات أمل كثيرة، ولحظات أمل نادرة. إنه ابن قراءاتي في سمير أمين (الذي بكيت عندما مات، لأنني شعرت أن آخر جيل العظماء رحل)، ومحمود درويش (الذي علمنا أن "للشهداء كلمات أخرى" لا تصلح للمنابر)، وغسان كنفاني (الذي اغتالته إسرائيل لكنه بقي في كل طفل فلسطيني يرسم وطناً على جدار)، وإدوارد سعيد (الذي فتح أعيننا على "الاستشراق" كسلاح استعماري).
إنه أيضاً ابن معايشتي لهذه المنطقة المكلومة، سفري بين مدنها المهدمة، جلوسي في مقاهيها الشعبية، استماعي لقصص أمهات فقدن أبناءهن، وشباب يحلمون بهجرة لا عودة منها، وشيوخ يتذكرون أياماً كانت فيها الجامعة العربية شيئاً يخيف إسرائيل.
لذا، إن وجدت في هذا الكتاب قسوة في النقد، أو مرارة في التحليل، أو تشاؤماً في السيناريوهات، فاعلم أن قسوتي هي قسوة الطبيب الذي يضطر لبتر عضو فاسد لإنقاذ الجسد، ومرارتي هي مرارة من رأى بأم عينيه ما لا يمكن وصفه، وتشاؤمي هو تشاؤمي من واقع لم يعد يحتمل الأماني الجميلة.
ولكن، في العمق، أنا متفائل. متفائل لأنني أرى في عيون الشباب العربي اليوم ما لم أره منذ عقود: وعي طبقي، وعي قومي، وعي بالخطر الاستعماري في ثيابه الجديدة. متفائل لأن طوفان الأقصى، رغم كل الدماء التي أريقت بعده، كسر تابوت "الموت الطبيعي للقضية الفلسطينية" الذي كان يروج له "صفقة القرن". متفائل لأن العالم تغير، وأمريكا لم تعد قادرة على شن حربين في وقت واحد، والصين وروسيا تملآن الفراغ بسرعة، وأوروبا تغرق في أزماتها الداخلية. متفائل لأن اليمن أثبت أن أفقر دولة في المنطقة يمكنها أن تغير معادلات القوى الكبرى.
المتفائل ليس من يرى النور فقط، بل من يرى الظلام ويعرف كيف يشعل قنديلاً. هذا الكتاب هو محاولتي لإشعال ذلك القنديل. فإن أضاء الطريق لقارئ واحد، فقد بلغ ما أردت.
وهيا بنا إلى بقية الرحلة.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
-
غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا
...
-
هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية
...
-
في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
-
سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن
...
-
الفخ المقدس..رواية قصيرة
-
مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
-
مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف
...
-
ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
-
مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
-
مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال
...
-
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
-
إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
-
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي
...
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
-
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
المزيد.....
-
بعد استعادته من إيران.. هل هذه أول صورة للطيار الأمريكي الثا
...
-
تعرّف على مشروع اتفاق إسلام آباد لإنهاء حرب إيران
-
محمد باقر ذو القدر.. مهندس الدولة الأمنية الإيرانية في مواجه
...
-
نتنياهو غاضب من تصريحات جنرال إسرائيلي حول قوة حزب الله
-
السعودية.. سقوط حطام صواريخ في محيط منشآت للطاقة
-
الجيش الإيراني يكشف ملابسات -مقتل 4 ضباط خلال اشتباك مع مقات
...
-
ترمب يتوعد بسجن صحفي -سرّب- خبر فقدان الطيار الأمريكي بإيران
...
-
تفاصيل مقترح الـ10 نقاط الذي قدمته إيران لترامب
-
ترامب يكشف تفاصيل إنقاذ الطيارين الأميركيين: لن نسمح للإيران
...
-
الإعمار ومصير المقاومين.. تسريبات للجزيرة نت بشأن المرحلة ال
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|