أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محفوظ بجاوي - دروس العمر : لماذا نتعلّم التخلّي متأخرًا














المزيد.....

دروس العمر : لماذا نتعلّم التخلّي متأخرًا


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 21:17
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


مع التقدّم في العمر، لا تتغيّر السنوات وحدها، بل يتغيّر الإنسان في أعماقه، في نظرته للأشياء، وفي طريقة تعامله مع الحياة والناس. ما كان يبدو ضروريًا في الماضي، يصبح مع الوقت هامشيًا، وما كان بسيطًا عابرًا، يكتسب قيمة كبيرة ومعنى أعمق.

في البدايات، نُقبل على الناس بشغف، نتمسّك بالعلاقات، ونبذل جهدًا كبيرًا للحفاظ عليها، حتى وإن كانت مُرهِقة أو غير متوازنة. نُقنع أنفسنا أن القرب هو الحل، وأن البقاء مع الآخرين، حتى على حساب راحتنا، هو شكل من أشكال الوفاء. لكن مع مرور الزمن، نتعلّم درسًا هادئًا لا يُقال بصوت عالٍ: ليس كل القرب راحة، وليس كل البُعد خسارة.

مع التقدّم في العمر، نصبح أكثر قدرة على التخلّي، ليس لأننا قساة، بل لأننا أدركنا حدودنا. نتعلّم أن ننسحب بهدوء من العلاقات التي تستنزفنا، وأن نضع مسافة بيننا وبين ما يؤذينا، حتى لو كان ذلك أقرب الناس إلينا. يصبح الانفصال أحيانًا نوعًا من النضج، لا من الضعف، ووسيلة للحفاظ على ما تبقّى من صفائنا الداخلي.

كما نكتشف أيضًا أن الوقت لم يعد واسعًا كما كان. لم نعد نملك رفاهية إصلاح كل شيء، ولا القدرة على إعادة بناء كل علاقة تتصدّع. بعض الأمور، عندما تنكسر، نتركها تمضي دون محاولة ترميمها، ليس استسلامًا، بل وعيًا بأن ليس كل شيء يستحق العودة. نصبح أكثر انتقائية، لا في الناس فقط، بل في الجهد والمشاعر التي نبذلها.

ثم يأتي التحوّل الأعمق: لم نعد نبحث عن كثرة الرفقة، بل عن نوعيتها. لم يعد الهدف أن نكون محاطين بالناس، بل أن نكون مرتاحين مع أنفسنا. نميل إلى الهدوء، إلى اللحظات البسيطة، إلى المساحات التي لا تحتاج إلى شرح أو تبرير. نبحث عن السلام، لا الضجيج، وعن الطمأنينة، لا الإثارة العابرة.

السلام هنا ليس غياب المشاكل، بل حضور التوازن. هو أن نعرف متى نتكلم ومتى نصمت، متى نقترب ومتى نبتعد، متى نُمسك ومتى نترك. هو أن نصالح أنفسنا مع فكرة أن ليس كل شيء يجب أن يكتمل، وليس كل شخص يجب أن يبقى.

في النهاية، التقدّم في العمر ليس خسارة كما يظن البعض، بل هو رحلة نحو البساطة، نحو الوضوح، نحو الذات الحقيقية التي كانت تختبئ خلف ضجيج البدايات. ومع كل سنة تمرّ، نتخفّف قليلًا من الأثقال، ونقترب أكثر من ذلك الشيء الهادئ في الداخل… الذي نسميه السلام.



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحياة... حين يكون الإنسان ممثلا في مسرح لايعرف نهايته
- ترتيلة الثامن من مارس: صرخة الوجود في هيكل الحرية
- غربة الحرف... حين يغدو الصمت منفى
- نيكولا تسلا : أضاء العالم...وغادرنا في الظلام
- الإستعمار الناعم للهوية: الجزائر بين التاريخ والدين المستعار
- عزلة الناضجين: إيمانويل كانط وثمن الخروج من جنة اليقين
- في دوامة البحث عن الذات
- شقاء العين المغلقة
- هل نحتاج أركون اليوم؟ زحزحة السياج واستعادة العقل
- سيادة الأرض وعقلانية الدولة: الجزائر فوق صخب الأيديولوجيا
- الجزائر والمغرب : وحدة المصير والجذور واحدة
- يناير... حين تتكلم الأرض و تبدأ الحكاية
- الأمازيغ والهوية المفقودة : كيف ضاعت الأسماء، وكيف بدأ الرجو ...
- تزوير التاريخ واستعمار الوعي
- 2026 : فجر السلام والحب، ومع كل شروق فرص جديدة للأمل والإنسا ...
- عندما تتحول المدرجات إلى أقوى منصة دبلوماسية في العالم
- عيد الميلاد...نور المحبة والسلام في قلب الإنسانية
- حين يكفر العقل ويُدان الفكر
- لماذا يخافون من شعار : الجزائر جزائرية ؟
- الجزائر جزائرية...هوية لاتقبل الوصاية ولا الاختزال


المزيد.....




- أضرار جسيمة بعد إعصار ضرب مدينة مينيرال ويلز بولاية تكساس.. ...
- مسؤول بالبنتاغون يكشف ما أنفقته أمريكا على الحرب ضد إيران
- بعد ضغوط لاستبعاد المالكي.. واشنطن ترحب بتكليف علي الزيدي رئ ...
- تحذير بسبب الحرب والنزوح: واحد من كل أربعة في لبنان مهدّد با ...
- البنتاغون: الحرب ضد إيران كلفت أمريكا حتى الآن حوالي 25 مليا ...
- مآسي منسية.. أين الإعلام من حروب إفريقيا؟
- حارس ترمب السابق: حماية الرئيس أصبحت أصعب من أي وقت مضى
- المدينة التي تستعصي على الدولة.. لماذا تمردت كيدال 5 مرات في ...
- -شبكات-.. الملك تشارلز يمازح الكونغرس وترمب يستقبله بكلمات غ ...
- ترمب ضد الجميع.. رئيس يحارب القضاء والإعلام والمعارضة والحلف ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محفوظ بجاوي - دروس العمر : لماذا نتعلّم التخلّي متأخرًا