أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من فقه السنن إلى حوكمة المياه: استشراف مستقبل العراق المائي في ظل تغير المناخ وتحولات الجيوبوليتيك الإقليمي.؟














المزيد.....

من فقه السنن إلى حوكمة المياه: استشراف مستقبل العراق المائي في ظل تغير المناخ وتحولات الجيوبوليتيك الإقليمي.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 19:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تعد أزمة المياه في العراق مسألة كمية مرتبطة بندرة المورد فحسب، بل أضحت تعبيراً مركباً عن تداخل العوامل الطبيعية والمناخية مع الاختلالات البنيوية في أنماط الإدارة والسياسات العامة، فضلاً عن تأثيرات البيئة الجيوبوليتيكية المحيطة. وفي ظل تسارع التغير المناخي وتزايد الضغوط الإقليمية على الموارد المائية المشتركة، تبرز الحاجة إلى مقاربات تحليلية تتجاوز الوصف التقليدي للأزمة، نحو فهم أعمق يستند إلى “فقه السنن” بوصفه إطاراً تفسيرياً واستشرافياً يربط بين الأسباب والنتائج، ويتيح بناء سيناريوهات مستقبلية واقعية.
ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن الأزمة المائية في العراق ليست قدراً حتمياً، بل نتيجة تفاعل سنن طبيعية وبشرية وسياسية، وأن إدراك هذه السنن يمثل مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الحوكمة المائية على أسس مستدامة. تكشف سُنّة الابتلاء، بوصفها إحدى السنن الحاكمة في فهم الأزمات، أن التحديات الكبرى لا تنشأ بمعزل عن السياق البنيوي للمجتمعات، بل تمثل اختباراً لقدرتها على الإدارة الرشيدة. وفي الحالة العراقية، تتجلى المفارقة في كون البلاد تمتلك إرثاً مائياً تاريخياً متميزاً، إلا أن هذا المورد لم يُترجم إلى استقرار مائي مستدام.
لقد أسهمت عوامل عدة في تعميق الأزمة، من أبرزها ضعف كفاءة استخدام المياه، وتدهور البنى التحتية، وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. ومع دخول عامل التغير المناخي المتمثل بارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الهطول المطري تضاعفت حدة التحدي، ليصبح الابتلاء مركباً بين الطبيعي والبشري. وعليه، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في ندرة المورد بقدر ما يتمثل في قصور الحوكمة، الأمر الذي يستدعي تحوّلاً من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة متكاملة لإدارة الطلب على المياه وتعظيم كفاءتها. تشير سُنّة الإطفاء إلى أن مسارات التصعيد ليست حتمية، وأن هناك عوامل موضوعية يمكن أن تسهم في احتواء النزاعات. وفي سياق العراق، يبرز البعد الإقليمي بوصفه محدداً رئيساً لمستقبل الموارد المائية، في ظل اعتماد البلاد الكبير على منابع خارج حدوده.
ورغم التوترات القائمة مع دول المنبع، فإن تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية يفتح المجال أمام مقاربات تعاونية قائمة على الدبلوماسية المائية. إذ يمكن تحويل المياه من مصدر صراع إلى أداة للتكامل، من خلال ربطها بملفات الطاقة والتجارة والاستثمار.
إن تفعيل هذا المسار يتطلب انتقالاً من ردود الفعل الآنية إلى بناء أطر تفاوضية مؤسسية طويلة الأمد، قادرة على تحقيق توازن بين الحقوق المائية والاعتبارات الجيوبوليتيكية. يمثل التدافع سمة ملازمة للعلاقات بين الفاعلين، سواء على المستوى الدولي أو الداخلي. وفي العراق، يتخذ هذا التدافع أشكالاً متعددة، تشمل التنافس بين القطاعات الاقتصادية، وبين الوحدات الإدارية، فضلاً عن التداخل بين أنماط الاستخدام التقليدية والحديثة. وفي غياب إطار تنظيمي فعال، يتحول هذا التدافع إلى عامل استنزاف للمورد المائي. أما إذا أُدير ضمن رؤية استراتيجية، فإنه يمكن أن يتحول إلى أداة لتحقيق الكفاءة والتكامل. ومن هنا تبرز أهمية إعادة هيكلة الاقتصاد المائي، عبر تقليل الاعتماد على الأنشطة كثيفة الاستهلاك، وتبني تقنيات الري الحديثة، وتعزيز إعادة استخدام المياه، بما ينسجم مع متطلبات الاستدامة. استناداً إلى منهجية الدراسات المستقبلية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل المياه في العراق حتى عام 2035. السيناريو الممكن (التدهور)
يفترض استمرار السياسات الحالية، مع تفاقم آثار التغير المناخي، مما يؤدي إلى انخفاض حاد في الإيرادات المائية، وتزايد الضغوط على القطاعات الحيوية، بما ينذر بأزمات اجتماعية واقتصادية متفاقمة.. السيناريو المحتمل (إدارة الأزمة) يقوم على إدخال تحسينات جزئية في الإدارة، دون معالجة جذرية للاختلالات، ما يؤدي إلى استمرار حالة “إدارة الأزمة” مع تقلبات دورية في الاستقرار المائي. اما السيناريو المفضل (التحول المستدام) يرتكز على إصلاح شامل للحوكمة المائية، وتبني التكنولوجيا، وتفعيل الدبلوماسية الإقليمية، فضلاً عن استثمار الدورة الرطبة المتوقعة حتى عام 2030 لتعزيز الخزين الاستراتيجي وبناء مرونة طويلة الأمد. ويمثل هذا السيناريو فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الندرة إلى استثمار الوفرة المؤقتة في بناء استدامة دائمة. ويتحدد مستقبل العراق المائي عند تقاطع عاملين رئيسين: التغير المناخي، الذي يفرض قيوداً طبيعية متزايدة، والتحولات الجيوبوليتيكية، التي تعيد تشكيل موازين السيطرة على الموارد المشتركة. وفي هذا السياق، لم تعد المياه مجرد مورد طبيعي، بل تحولت إلى عنصر فاعل في معادلات القوة الإقليمية، ما يستدعي إدماج البعد السياسي في التخطيط المائي، وعدم الاكتفاء بالحلول التقنية.
________________________________________
الهوامش
1. يُقصد بفقه السنن: إدراك القوانين الحاكمة للظواهر الاجتماعية والتاريخية، وربط الأسباب بالنتائج في إطار تحليلي واستشرافي.
2. تشير الدراسات المناخية الحديثة إلى احتمالية تعرض العراق لدورات مناخية متذبذبة، تتضمن فترات رطبة نسبياً قد تمتد حتى نهاية العقد الحالي، ما يتيح فرصاً لتعزيز الخزين المائي.
3. تُعرّف الحوكمة المائية بأنها مجموعة السياسات والمؤسسات والإجراءات التي تنظم إدارة الموارد المائية وتوزيعها واستخدامها بكفاءة وعدالة.
4. الدبلوماسية المائية: استخدام أدوات التفاوض والتعاون الدولي لإدارة الموارد المائية المشتركة بطريقة تحقق مصالح الأطراف المختلفة.
5. يُعد مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) في تركيا أحد أبرز العوامل المؤثرة على تدفقات نهري دجلة والفرات نحو العراق.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الاستنزاف إلى الاستدامة: نحو إعادة صياغة الاستراتيجية الم ...
- إدارة الوفرة قبل الندرة: نحو حوكمة مستدامة للموارد المائية ف ...
- من إدارة الأزمات المائية إلى استثمار الوفرة المائية: اختبار ...
- المياه في قلب الصراع: كيف تُسرّع الحروب الانهيار المائي في ا ...
- تسعير المياه: بين ضرورات الإدارة وحدود العدالة الاجتماعية وك ...
- العراق المائي وسياسة “النأي بالنفس” في إدارة الأزمات المائية ...
- في اليوم العالمي للمياه: ماذا يجب على الحكومة العراقية لمعال ...
- العراق تحت وطأة الاستنزاف المائي: من إدارة الوفرة إلى إدارة ...
- كيف يمكن أن تتحول المياه من مورد حياة إلى أداة استراتيجية لل ...
- سلاح الماء وإعادة تشكيل الجغرافيا العراقية عندما تتحول أزمة ...
- الحق في المياه: بين البعد الإنساني ومسؤولية الاستخدام المستد ...
- أزمة المياه في العراق: قصة موردٍ يتحول إلى قضية دولة.؟
- الأمن المائي في العراق في عالم يتغير: حين تتراجع القواعد وتت ...
- خطة استراتيجية مرحلية لحماية الأمن المائي العراقي في ظل تصاع ...
- حيثما يتدفق الماء… تزدهر المساواة
- من هندسة الضبط إلى هندسة الشراكة من خلال التحول الخطابي في ا ...
- العراق من فيض الحضارات إلى شحّ السياسات وبلد مهدد بالعجز الم ...
- العراق من الوفرة المائية التاريخية إلى نقص المياه والشحة الم ...
- أهمية استخدام المنهجية التحليلية NOISE في استشراف واقع القطا ...
- قراءة استراتيجية لمستقبل البلاد المائي


المزيد.....




- بعد استعادته من إيران.. هل هذه أول صورة للطيار الأمريكي الثا ...
- تعرّف على مشروع اتفاق إسلام آباد لإنهاء حرب إيران
- محمد باقر ذو القدر.. مهندس الدولة الأمنية الإيرانية في مواجه ...
- نتنياهو غاضب من تصريحات جنرال إسرائيلي حول قوة حزب الله
- السعودية.. سقوط حطام صواريخ في محيط منشآت للطاقة
- الجيش الإيراني يكشف ملابسات -مقتل 4 ضباط خلال اشتباك مع مقات ...
- ترمب يتوعد بسجن صحفي -سرّب- خبر فقدان الطيار الأمريكي بإيران ...
- تفاصيل مقترح الـ10 نقاط الذي قدمته إيران لترامب
- ترامب يكشف تفاصيل إنقاذ الطيارين الأميركيين: لن نسمح للإيران ...
- الإعمار ومصير المقاومين.. تسريبات للجزيرة نت بشأن المرحلة ال ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من فقه السنن إلى حوكمة المياه: استشراف مستقبل العراق المائي في ظل تغير المناخ وتحولات الجيوبوليتيك الإقليمي.؟