أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد الكحل - عصرنة الدولة في مواجهة تقليدانية المجتمع.















المزيد.....

عصرنة الدولة في مواجهة تقليدانية المجتمع.


سعيد الكحل

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 16:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يعيش المجتمع المغربي مفارقة غريبة تشذ عن منطق التاريخ بمفهومه الليبرالي، حيث يُفترض أن يؤمن الأفراد بأن التقدم يتحقق عبر الحرية والعقل، وأن التخلف الصناعي والعلمي هو المشكلة الرئيسية التي تواجه المجتمع والدولة وليس القضايا الدينية أو تطبيق الشريعة. إذ لم يعد المجتمع، في غالبية أعضائه ومكوناته، يرى أن التاريخ صيرورة تطورية نحو التقدم وتحقيق المزيد من الحقوق والحريات الفردية والجماعية. ومن ثم لم يعد المجتمع يرى أن الأنساق الأيديولوجية المغلقة (القومية، إيديولوجيا الإسلام السياسي..) تتعارض مع منطق التاريخ وقوانينه. أما منطق التاريخ بمفهومه الماركسي المبني على الصراع الطبقي وتطور قوى الإنتاج، وأن البنية التحتية الاقتصادية تؤدي إلى تغيير البنية الفوقية، فلم يعد له من معنى حتى في أذهان قلة من اليساريين الذين ارتموا في أحضان الإسلاميين وانخرطوا في خدمة مشروعهم السياسي الموغل في الاستبداد والقهر والساعي إلى بناء دولة الخلافة.
تشكل التجربة السياسية المغربية، خصوصا مع حكم الملك محمد السادس، نموذجا يجسد انقلاب الأدوار بين الدولة والمجتمع. ذلك أن هذه التجربة تروم الانتصار لقيم الحداثة والعصرنة وحقوق الإنسان، وفي مقدمتها حقوق النساء والأطفال والاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية لكل مكونات المجتمع المغربي، بغض النظر عن العرق والدين واللغة. وقد جسدت هذه التجربة نموذجا مغربيا ناضجا تبلور في الوثيقة الدستورية لسنة 2011 التي أقرت بتعدد مكونات الهوية المغربية (العربية-الإسلامية، الأمازيغية، الصحراوية الحسانية)، وتعدد روافدها الثقافية: الإفريقية، الأندلسية، العبرية، المتوسطية؛ كما أقرت بسمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية، خاصة ما يتعلق بحقوق المرأة والطفل. ولقد ناضلت فئات واسعة من الشعب المغربي من أجل الاعتراف بتعدد مكونات الهوية المغربية وكذا الإقرار بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، وفي صلبها حقوق النساء، مما استوجب المصادقة على الاتفاقيات الدولية من أجل القضاء على كل أشكال العنف المبني على النوع، إلا أن التنفيذ لا يزال يتطلب مزيدا من النضال والإصرار على مواصلته ومواجهة القوى المناهضة للحقوق والمساواة والمناصفة.
إن الدولة التي ظلت تناهض الحقوق وتصادر الحريات حتى باتت حقبة من تاريخ مغرب الاستقلال تسمى "سنوات الجمر والرصاص"، صارت حاملة لشعار التغيير ومدافعة عن الحريات الفردية والجماعية. إلا أن المجتمع الذي ضحى بخيرة أبنائه من أجل الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والنساء، صار مجتمعا، في جزء مهم من مكوناته، مناهضا للحريات الفردية ولحقوق النساء ولتجريم تزويج الطفلات وللإجهاض الإرادي ولإلحاق الطفل بأبيه البيولوجي، وللمساواة في الإرث ولإلغاء قاعدة التعصيب التي تشرعن أكل أموال الإناث بالباطل.
لقد آل جلالة الملك محمد السادس على نفسه النهوض بحقوق النساء، وجسدت مبادراته (تعديل مدونة الأسرة مرتين في ظرف عشرين سنة) وقراراته (رفع التحفظات عن المادتين 9 و 16 من اتفاقية "سيداو" للقضاء على التمييز ضد المرأة وضمان المساواة في الحقوق بين الجنسين بما فيها حق المرأة المغربية منح جنسيتها لأبنائها من زواج مختلط)، جسدت التوجه الجديد للدولة المغربية الذي يقر بالحقوق والحريات. وكان من المفروض أن ينخرط المجتمع، بكل مكوناته السياسية والمدنية والدينية والثقافية، في الدينامية التي أطلقها جلالته لتسريع وتيرة التغيير وتفعيل بنود الدستور. لكن، للأسف، انتصب طيف من المجتمع لمناهضة تعديل مدونة الأسرة والإقرار بحقوق النساء والأطفال؛ أي انقلب المجتمع على نفسه وتنكر للمطالب والشعارات التي ضحى من أجلها أبناؤه.
طبيعي أن يعيش المجتمع المغربي نكوصا سياسيا وثقافيا وحقوقيا بفعل ما تعرض ويتعرض له من تشويه لهويته الوطنية وطمس لثقافته الأصلية (على مستوى اللباس، وإقامة الحفلات، وتشييع الموتى، وإلقاء التحية، والانشغال بقضايا المشرق أكثر من قضايا المغرب..) من طرف تيار الإسلام السياسي الذي مكّنته الدولة، طيلة عقود، من عقول ووجدان المغاربة حتى أفسدها وجعل فئات واسعة من المغاربة تعاني من الاستلاب والاغتراب جعلاها تعيش/تتقمص هويات مشرقية منسلخة عن الواقع والتاريخ المغربيين. وقد تصدت الدولة، دون المجتمع، لخطط الأخوَنَة والوهْبَنة التي انتهجها أحد مكونات التيار الإسلاموي لما ترأس الحكومة (تضمين مشروع القانون الجنائي مفهوم "جرائم الشرف" مع تخفيض عقوباتها من الإعدام والمؤبد إلى بضعة شهور وقد تكون موقوفة التنفيذ، منع قاعات الحلاقة من تقديم الخدمات للجنسين معا، محاولة الفصل بين الجنسين في حافلات النقل الحضري، منع الزوار من دخول المركز القروي عين اللوح، منع تلميذات بالتنورة من دخول المؤسسات التعليمية، الاعتداء على الفتيات بالزي العصري (التنورة)، الاعتداء على من يأكل نهار رمضان حتى لوجود أعذار شرعية..).
نحن، إذن، أمام مجتمع تمكنت منه "التقليدانية" بفعل إستراتيجية الأسلمة التي اتبعتها تنظيمات الإسلام السياسي منذ سبعينيات القرن العشرين، حتى صار مناهضا لكثير من الحقوق التي ناضل وضحى من أجلها جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ( 54 في المائة يؤيدون تجريم الإفطار العلني خلال شهر رمضان، 80 في المائة يرفضون إلغاء تجريم العلاقات الرضائية علما أن المتابعات الجنائية بتهمة الفساد (العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج) خلال سنة 2022 وصلت إلى 14335، مقابل 13406 في سنة 2021، أظهرت نتائج استطلاعات رأي أجرتها شبكة “أفروبارومتر” بين يناير 2024 وشتنبر 2025 في 38 دولة إفريقية، حول الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية في إفريقيا ،أن المواطنين المغاربة هم من أقل الأفارقة دعما لتعليم التربية الجنسية في المدارس، إذ لم تتجاوز نسبة الذين أيدوا ذلك 14 في المائة فقط، وأن 56 في المائة من المغاربة يرفضون تبرير الإجهاض لدى النساء بالصعوبات المالية أو عدم القدرة على رعاية الجنين، علما أن ألف حالة إجهاض سري تتم يوميا، وأن 24 رضيع يُرمى في الأزقة في كل يوم، وأن 4.2 في المائة من مجموع وفيات الأمهات في المغرب، و5.5 في المئة من وفيات الأمهات، الناتجة عن التعقيدات المباشرة للولادة مرتبطة بالإجهاض. وأن 21 في المائة فقط من المغاربة يوافقون على توفير وسائل منع الحمل للعموم، فيما وصل متوسط الذين يؤيدون ذلك على المستوى القاري إلى حوالي النصف تقريبا).
هكذا انقلبت الأدوار وصارت الدولة هي التي تقود إستراتيجية التحديث بقيادة عاهل البلاد الذي أكد في خطاب 29 ماي 2003، (وسيظل المغرب وفيا لالتزاماته الدولية مواصلا بقيادتنا مسيرة إنجاز مشروعنا المجتمعي الديمقراطي الحداثي بإيمان وثبات وإصرار. وسيجد خديمه الأول في مقدمة المتصدين لكل من يريد الرجوع به إلى الوراء، وفي طليعة السائرين به إلى الأمام، لكسب معركتنا الحقيقية ضد التخلف والجهل والانغلاق)؛ فيما انتصب جزء من المجتمع بمكوناته الحزبية والجمعوية مناهضا لهذه الإستراتيجية. الأمر الذي عقّد مهمة تيار الحداثة الذي وجد نفسه في مواجهة قوى النكوص المناهضة للحداثة بكل مقوماتها الفكرية والحقوقية والسياسية والاجتماعية.



#سعيد_الكحل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقطعوا أذرع الأخطبوط الإيراني قبل أن يخنق العالم.
- حتى لا تصير مدن الشمال بيئة حاضنة للخلايا المتشيعة.
- النظام الجزائري في رقصة الديك المذبوح.
- حين تتباكى نساء الإسلامويين على حقوق المرأة التي ناهضنها.
- حب الأوطان من الإيمان يا بنكيران.
- وفاء مبدئي للمغرب بالتزاماته تجاه الفلسطينيين.
- حتى لا يتحول المغرب إلى موْطن للمرحّلين من أوربا.
- ملحمة دولة وأمة.
- رؤية ملك.
- مصلحة الوطن أهم من كأس CAN.
- اللهم كثّر حسادنا.
- بهتان بنكيران.
- العنف ضد النساء: تعدد البرامج وضُعف النتائج.
- الكان CAN والوطن.
- مآرب عدلاوة في مناهضة التطبيع.
- تثمين العمل المنزلي عُقدة الإسلاميين.
- الفقيه الريسوني يعود إلى عادته القديمة.
- سقوط الأقنعة عن تجار الفتنة.
- حين خذلت الجزائر أهل غزة.
- المغرب لا يقبل النصائح من مبعوث أممي فاشل.


المزيد.....




- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف قاعدة لوجستية تتبع للعدو ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف تجمع لجنود العدو الإسرائي ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف قاعدة -تسنوبار- اللوجستي ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف مستوطنة مرغليوت بصلية صار ...
- المقاومة الإسلامية في #العراق تعلن عن تنفيذ خلال الأربع والع ...
- قائد الثورة الإسلامية آية الله سماحة السيد مجتبى الخامنئي ي ...
- قائد الثورة الإسلامية : العدو الأميركي - الصهيوني لجأ إلى أ ...
- آية الله السيد مجتبى الخامنئي: اللواء سيد مجيد خادمي نال شرف ...
- مسيحيو غزة يحيون فصحاً حزيناً: غياب للتقاليد وصلوات تحت وطأة ...
- -نرفض الاحتفال-.. مسيحيو غزة يُحيون عيد الفصح الثالث تحت الإ ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد الكحل - عصرنة الدولة في مواجهة تقليدانية المجتمع.