أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - الأخلاق لا تُغني عن القانون في بناء الدولة















المزيد.....

الأخلاق لا تُغني عن القانون في بناء الدولة


عبدالجبار الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 14:23
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عبد الجبار الرفاعي
تتحدد الهوية السياسية للإنسان بين تصورين متباينين: الإنسان بوصفه مواطنًا، والإنسان بوصفه رعية، ففي التصور الأول يتجلى الإنسان ذاتًا قانونية وأخلاقية فاعلة، يتأسس وجود الدولة على اعترافها به مواطنًا كامل الحقوق والمسؤوليات، ويغدو شريكًا في صناعة الشأن العام، لا تابعًا لإرادة فوقية، أما في التصور الثاني فينكمش الإنسان إلى موقع التابع، وتُبنى العلاقة السياسية على منطق الوصاية، حيث يُقدَّم الحاكم بوصفه راعيًا، ويُنظر إلى الناس بوصفهم رعية، كما شاع في مجتمع دولة الخلافة، في هذا الأفق تنحسر فاعلية الإنسان، ويتراجع حضوره في المجال العام، ويبهت معنى المواطنة بوصفها تعبيرًا عن الكرامة والحرية والمسؤولية المشتركة.
في دولة المواطنة الحديثة، لا تتشكل هوية الدولة إلا من خلال هوية الإنسان بوصفه مواطنًا، إذ يمنح توصيف الإنسان مواطنًا الدولة معناها، ويحدد طبيعة نظامها، ويرسم أفق شرعيتها، لأن الدولة هنا لا تقوم على روابط ما قبل وطنية، بل على رابطة قانونية وأخلاقية تؤسس لعلاقة متوازنة بين الإنسان والوطن. عندئذ يغدو كل تشريع، وكل قرار، وكل موقف سياسي، محكومًا بمعيار واحد هو الانتماء إلى الوطن، بوصفه إطارًا جامعًا للحقوق والواجبات، لا إلى الدين، ولا إلى المذهب، ولا إلى القومية، ولا إلى أي انتماء ضيق يختزل الإنسان ويقيده خارج أفق المواطنة التي تصون كرامته وتكفل حريته وتؤسس لعيش مشترك يقوم على العدالة والاعتراف المتبادل.
الوطن في سياق هذا المفهوم، لا يُختزل إلى مساحة جغرافية، بل يتجلى إطارًا جامعًا يحتضن جميع أبنائه على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم، ويمنحهم معنى الانتماء المشترك الذي يتجاوز كل رابطة ضيقة، وكل ما لا يستمد مشروعيته من هذا المعنى للوطن، ولا يتصل بكرامة الإنسان بوصفه مواطنًا، يظل خارج أفق دولة المواطنة الحديثة. تتأسس هذه الدولة على المواطنة الدستورية وسيادة القانون، وعلى منظومة قيم تنسجم مع روح العدالة وتترجمها في الواقع، بحيث يخضع الجميع للقانون من دون امتياز ومن دون استثناء. في ضوء هذا الفهم تتأسس الدولة التي ترى في الإنسان غايتها، فتصون كرامته، وتحمي حرياته، وتبني العيش المشترك بوصفه تعاقدًا قانونيًا وأخلاقيًا بين مواطنين أحرار، يتقاسمون المسؤولية كما يتقاسمون الحقوق، ويصوغون معًا معنى الوطن في حياتهم اليومية. لا تتحقق دولةُ المواطنة الحديثة بالفضائل الأخلاقية الفردية وحدها، لأن الأخلاق، مهما سمت، لا تؤسس نظامًا عامًا قادرًا على إدارة المجتمع، ولا تحلّ محلّ القانون، ولا تعوّض عن المعارف العلمية والخبرات المؤسسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة. الأخلاق قيمة روحية وإنسانية عليا، غير أنها تعمل في مجال الضمير الشخصي، بينما تتشكل الدولة في مجال التنظيم، والتشريع، وتوزيع السلطة، وإدارة المصالح العامة.
كما أن الرهان على الإيمان والتقوى لا تكفي لحماية الدولة من الفساد، ولا تضمن العدالة، ولا تصون كرامة الإنسان، ما لم يتحقق ذلك في إطار قوانين عادلة، ومؤسسات تخضع للمساءلة، ونظام لبناء الدولة الحديثة يستمد أسسه من العلوم الإنسانية والاقتصادية والسياسية والحقوقية الحديثة. الدولة لا تقوم على طهارة الضمائر وحدها، وإنما تتأسس على تنظيم عادل للسلطة، وفصل حقيقي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإدارة عادلة للمصالح العامة، ومعايير واضحة للمحاسبة والرقابة. إن مشكلات الحكم وإدارة الدولة لا تجد طريقها إلى الحل عبر المواعظ أو حسن النيات، وإنما تحتاج إلى عقل مؤسسي قادر على قراءة الواقع كما هو، وإلى تدبير عقلاني يعي تعقيد المجتمع وتعدد مصالحه، وإلى امتلاك أدوات الدولة الحديثة التي تتيح تحقيق التنمية الشاملة، وضمان الحقوق، وصيانة المواطنة بوصفها رابطة قانونية وأخلاقية جامعة، تتجسد في الواقع المعيش، ولا تبقى وعدًا أخلاقيًا مؤجَّلًا في أفق الأمنيات.
لا تُقاس الكفاءة السياسية والإدارية بدرجة التقوى والورع الديني، ولا تُستمد أهلية الحكم من طهارة الروح، ولا من الانتماء الاعتقادي، ولا من الوفاء للمدونة الفقهية الموروثة. تتحدد أهلية الحكم بالكفاءة المهنية، والخبرة العملية، والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة، وخدمة المصلحة العامة، والإخلاص للوطن والمواطن، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه جميع المواطنين على قدم المساواة. أخفقت الدول الدينية في عصرنا إخفاقًا واسعًا في بناء مؤسسات حديثة قادرة على الإدارة الرشيدة، كما عجزت عن ترسيخ الانتماء الوطني الجامع، وحماية المصالح والمصائر المشتركة لمجتمعاتها. أنهك الفساد هذه الدول، وتغلغل في بنيتها الإدارية والاقتصادية، حتى صارت تتقدم على غيرها في مؤشرات الفساد العالمية، في مشهد يكشف عجز تدين رجال السلطة عن إنتاج دولة عادلة، ويؤكد أن إدارة الدولة شأن معرفي ومؤسسي ينتجه العقل وتراكم الخبرة البشرية، لا اختبارًا دينيًا لتدين المسؤول.
يتطلب بناء الدولة الحديثة وعيًا سياسيًا ناضجًا، وإدراكًا عميقًا لبنيتها المركبة، ومعرفة دقيقة بمنطق إدارتها، واعتمادًا على العلوم والمعارف والخبرات المتخصصة في تنظيم السلطة وتسيير المؤسسات العامة. الدولة شأن عام تحكمه القواعد، وتضبطه القوانين، وتديره مؤسسات تخضع للمساءلة. إن التقوى وطهارة القلب يمكن أن تثري الضمير الأخلاقي للفرد، وتدعم التزامه بالقانون واحترامه للآخرين، غير أن هذه القيم تظل في مجالها الروحي والأخلاقي، ولا تتحول بذاتها إلى أسس صالحة لبناء دولة المواطنة أو لترسيخ نظام سياسي حديث. الدولة الحديثة تتأسس على العقل المؤسسي، وعلى سيادة القانون، وعلى إدارة عادلة للمصالح العامة، تضمن الحقوق، وتحمي كرامة الإنسان، وتساوي بين المواطنين بوصفهم شركاء في الوطن، لا رعايا يُختبرون بمعايير التدين أو سلامة القلوب وصفاء النيات.
تنشأ دولة المواطنة الحديثة حين يتأسس المجال العام على القانون العادل، وعلى منظومة حقوق وحريات تصون كرامة الإنسان، وتكفل المساواة بين المواطنين جميعًا، وتضمن العدالة في تنظيم السلطة وتوزيع المسؤولية. لا تتوقف شرعية هذه الدولة على درجة التدين الفردي، ولا على صفاء الضمائر، ولا على الانتماءات الاعتقادية. الدولة شأن عام يقوم على الدستور وينظمه القانون، وتديره مؤسسات، وتحكمه قواعد واضحة خاضعة للمساءلة. لا يحول غياب التقوى والورع دون قيام دولة تحمي الحقوق والحريات، ما دام القانون حاضرًا، وما دامت القيم العامة منسجمة معه، وما دام تطبيقه يسري على الجميع من غير تمييز. القانون العادل حين يحكم المجال العام يحد من تغول السلطة، ويكبح الفساد، ويؤسس للثقة بين الفرد والدولة، ويمنح المواطنين شعورًا بالأمان والاستقرار. أما الأخلاق، على سموّها، فتعمل في مجال الضمير الشخصي، وتغني الحياة الإنسانية، وتدعم الالتزام بالقانون، غير أنها لا تتحول بذاتها إلى نظام لإدارة الدولة أو أداة لتنظيم الشأن العام. تقوم دولة المواطنة على مبادئ العدالة، والمساواة، وسيادة القانون، ولهذا تتقدم دول كثيرة غير مسلمة في كفاءة مؤسساتها، وفي جودة إدارتها، وفي ترسيخ الثقة العامة، حيث يتحلى موظفوها بدرجة عالية من المهنية، ويؤدون أعمالهم بإخلاص، ويحترمون القانون، من غير أن يستند أداؤهم إلى انتماء ديني أو مرجعية اعتقادية. في هذه التجارب، لا يُختبر المواطن في ضميره، ولا يُسأل عن إيمانه، لأن الدولة تقيس أداء الأفراد بالكفاءة، وتحدد المسؤوليات بالقانون، وتضبط السلطة بالمحاسبة.



#عبدالجبار_الرفاعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خذلت الجغرافيا بلاد الرافدين قبل أن يخذلها التاريخ
- لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة
- العجز عن التراكم عجز عن بناء الدولة
- -أكرهك-!
- الوجود الخوارزمي بوصفه قطيعة أنطولوجية
- المواطنة شراكة متكافئة
- تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان
- من مكاسب الذكاء الاصطناعي
- الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية
- الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق
- اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات
- الصمت في المدرسة الفيثاغورية
- صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس
- الحق في الكرامة والهوية المغلقة
- ثرثرات السياسة تفسد الوعي
- الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة
- مقدمة كتاب الهوية في شِراك الأيديولوجيا
- الصمت مرآة لقوة الإرادة
- أنين الأرض من استباحة مواردها
- يتطور النحو عند المخزومي بتطور اللغة


المزيد.....




- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف قاعدة لوجستية تتبع للعدو ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف تجمع لجنود العدو الإسرائي ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف قاعدة -تسنوبار- اللوجستي ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية: استهداف مستوطنة مرغليوت بصلية صار ...
- المقاومة الإسلامية في #العراق تعلن عن تنفيذ خلال الأربع والع ...
- قائد الثورة الإسلامية آية الله سماحة السيد مجتبى الخامنئي ي ...
- قائد الثورة الإسلامية : العدو الأميركي - الصهيوني لجأ إلى أ ...
- آية الله السيد مجتبى الخامنئي: اللواء سيد مجيد خادمي نال شرف ...
- مسيحيو غزة يحيون فصحاً حزيناً: غياب للتقاليد وصلوات تحت وطأة ...
- -نرفض الاحتفال-.. مسيحيو غزة يُحيون عيد الفصح الثالث تحت الإ ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - الأخلاق لا تُغني عن القانون في بناء الدولة