أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عيبان محمد السامعي - دور الثقافة في تحقيق الحرية وبناء الدولة الديمقراطية الاتحادية















المزيد.....


دور الثقافة في تحقيق الحرية وبناء الدولة الديمقراطية الاتحادية


عيبان محمد السامعي

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 12:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ورقة عمل قُدمت إلى ندوة فكرية نظمها مكتب الثقافة بمحافظة تعز بتاريخ 10 مارس 2026.


أولاً: مفهوم الثقافة (Culture):

تاريخياً، نشأت الثقافة كظاهرة اجتماعية مع نشوء الزراعة قبل أكثر من 7000 عام، فالزراعة خلقت شروط استقرار البشر، وأعطت إحساساً عاماً لديهم بوجود شيء جديد، وبأنهم انتقلوا إلى نوع من التحضّر، أي إلى التثاقف.
إنّ طلائع البشرية من الفلاسفة والمفكّرين بدأوا يُعيرون اهتماماً بهذه الظاهرة، منذ أمدٍ بعيد، ومع ذلك لم تكتسب كلمة ثقافة (Culture) معناها الفكري في أوروبا إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، إذ كانت تعني في القرون الوسطى الطقوس الدينية (Cultes)، وفي القرن السابع عشر كانت تعبّر عن فِلاحة الأرض، ومع القرن الثامن عشر اتخذّت منحىً يعبّر عن التكوين الفكّري عموماً، وعن التقدّم الفكّري للشخص بخاصة، وعما يتطلبه ذلك من عمل، وما ينتج عنه من تطبيقات. [1]
وفي حقيقة الأمر، فإنّ وضع تعريف محدّد للثقافة يُعدّ أمراً شاقاً. فمفهوم الثقافة مفهوم إشكالي ظل مَدار جدل واسع بين مدارس فكرية، واتجاهات سياسية، واجتماعية عديدة [2] ولا يزال كذلك حتى يومنا.
في لغتنا العربية، تأتي كلمة الثقافة من الفعل ثَقِفَ، وثَقِفَ الشيءَ ثَقْفاً وثِقافاً وثُقُوفةً: حَذَقَه. ورجل ثَقْفٌ وثَقِفٌ وثَقُفٌ: حاذقٌ فَهِم. ويقال: ثَقِفَ الشيءَ وهو سرعة التعلم. [3]
وفي العلوم الاجتماعية هناك تعريفات للثقافة لا حصر لها، بيد أنّ أشهر تلك التعريفات ذلك التعريف الذي قدّمه العالم الانثروبولوجي البريطاني إدوارد تايلور (1832 – 1917) ومفاده: الثقافة هي ذلك الكُلّ المركّب الذي يشمل المعرفة، والمعتقدات، والفن، والأخلاق، والقانون، والعادات، وكلّ القدرات، والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته عضواً في المجتمع.
فيما تعرّف منظمة اليونسكو الثقافة، بأنها ذلك النسق المركّب الذي “يشمل جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، ويشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما يشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونُظُم القيم والتقاليد والمعتقدات”. [4]


ثانياً: الثقافة والسياسة.. التداخل المحتوم.

الثقافة ليست قيمة محايدة، أو تصورات تجريدية، أو مجالاً للإبداع الأدبي، أو الفني، أو الفلسفي فحسب، بل – أيضاً – هي مجال للصراع السياسي. وفي مجرى الصراع الدائر في البلاد، سعت الجماعات الميليشياوية إلى ممارسة “هيمنة ثقافية” (Cultural hegemony) على أفراد المجتمع، عبر أدوات ووسائل مختلفة بهدف السيطرة على عقول الناس وتوجيههم لخدمة أجنداتها ومشاريعها الصغيرة.
ويمكن الإشارة بإيجاز إلى بعض الشواهد الآتية:

1- التعبئة الأيديولوجية:

تؤدي الأيديولوجيا دوراً فاعلاً في التعبئة والشحن الوجداني، وتُمارِس سلطة رمزية على أفراد المجتمع. فهي تعمل على تغييب عقل الفرد، وقولبة وعيه، واستلاب روحه ووجدانه، حتى يصبح مُنقادًا للزعيم/ القائد، أو يصير تُرْسًُا ضمن آلة، يعمل في خدمة الجماعة، يذوب فيها، ويضّحي من أجلها دونما تفكير. والأخطر من كل ذلك أنّها تؤدي دورًا رئيسًا في التعبئة للعنف، وتبرير الأفعال العنفية، ودفع الأفراد إلى الانخراط في القتال، وتقديس الموت، وازدراء الحياة. لقد برزت وانتشرت هذه الظاهرة بوضوح في سياق الحرب الدائرة في اليمن، وتغلغلت في المجتمع بواسطة عدة وسائل وممارسات، منها:

– الزَّوامِلْ والأناشيد الحماسيَّة:
تُسخِّر الجماعات المسلحة “الزوامل” أداة أساسية فاعلة لبثّ الحماسة القتالية في مقاتليها وأنصارها. فقد نسج “الإعلام الحربي” الحوثي أناشيده على منوال ما عُرف بـ”الصرخة الحوثية” على إيقاع أهازيج تبثّ الحماسة في مقاتلي الجماعة الفتيان. وتزخر زوامل جماعة الحوثيين بمضامين طائفية تُضفي طابع القداسة على الدعوة الحوثية، والنَّسب إلى آل البيت، والولاية، والتفاخُر بالحرب وبالسلاح وبالموت. [5]


2- هندسة الذَّاكرة الجمعيَّة (Collective memory):

تقوم الجماعات الميليشياوية بتوظيف “الذاكرة الجمعية” بطريقة تؤدي إلى إذكاء النزاعات بدلًا من تعميق أواصر الوحدة الوطنية. والشاهد على ذلك قيام بعض الجماعات الطائفية والمناطقية باستدعاء ماضي النّزاعات والانقسامات وذكريات الحروب والمآسي، وتوظيفها أيديولوجيًا في تأجيج العواطف الفرديّة والجماعيّة، بهدف تقسيم المجتمع على أساس مناطقي بين شمال وجنوب، أو على أساس مذهبي بين زيدية وشافعية أو بين سنة وشيعة، وتهدف هذه الجماعات من وراء ذلك إلى صرف الانتباه عن جوهر الصراع بوصفه صراعًا سياسيًا على مشروع بناء الدولة، أي أنه صراع بين القوى المناهضة للدولة اليمنية وبين القوى المدافعة عن مشروع الدولة اليمنية الاتحادية.
كما تقوم بعض الجماعات الميليشياوية بإساءة استخدام الذّاكرة الجمعية بهدف تزييف وعي أفراد المجتمع وبما يُشرعِن وجودها كسلطة مفروضة ضمن سياق اجتماعي معين، وضمان استمراريتها وبقائها. وفي هذا السياق، تسعى هذه الجماعات عادةً إلى استخدام الرموز والطُّقوس الدينية وإحياء مناسبات دينية بهدف إعادة تشكيل الهُوية الجمعية، حيث تعمد الميليشيات الحوثية إلى إحياء بعض المناسبات الدينية، مثل: “المَولِد النّبوي” و”عيد اَلْغَدِير” أو “يوم الوِلاية” و”عاشوراء” و”جمعة رجب” و”يوم القُدس العالمي”، وغيرها من المناسبات التي تأخذ الطابع المهرجاني غالبًا، إذ يتم تحشيد عشرات وربما مئات الآلاف من المواطنين (طَوعًا وكَرهًا) إلى ساحاتٍ عامة في مدن يمنية عديدة، وتُردَّد فيها شعارات وهتافات، أشهرها: “الصَّرخة” الحوثية.
وتُوظِّف جماعة الحوثيين هذه الفعاليات سياسيًا، فهي تستثمر هذه المناسبات لتُعزّز سطوتها الأيديولوجية وسلطتها الرمزية على عقول الناس، وتعبئتهم بشعارات وهتافات حماسية ودينية تلهب عواطفهم، وتغسل أدمغتهم، وتُمعِن في استلاب وعيهم، حتى يصيروا مِطْواعين للجماعة، ومُنقادين وراء أجندتها ومشروعها الطائفي.


3- تفخيخ الكتب المدرسية بمضامين طائفية:

تستخدم الجماعات الميليشياوية التعليم والكتب المدرسية كأدوات أيديولوجية لتعزيز وشرعنة سلطتها وضمان استمرار مصالحها ونفوذها.
وعَمَدَتْ الميليشيات الحوثية إلى إجراء تغييرات واسعة في الكتب المدرسية، وتفخيخها بمضامين طائفية وسياسية فاقعة تخدم مشروعها وتعزز هيمنتها، فقد قامت بتضمين المقررات المدرسية بمضامين تعكس توجهاتها الطائفية من خلال طمس رموز الهُوية الوطنية، والتاريخ النضالي المعبّر عن المجتمع اليمني بكل أطيافه السياسية، وإحلال محلها شخصيات مرتبطة بها، وهو ما يؤكد إصرار الميليشيات على استكمال وبناء مشروعها الطائفي، من خلال بثّ ثقافة في عقول الأجيال الناشئة تُمجّد أيديولوجيتها الطائفية ورموزها. [6]


4- تنامي “خطاب الكراهية” (Hate Speech):

شَهِدَ خطاب الكراهية تناميًا ملحوظًا خلال سنوات الحرب، وبات يمثل تهديدًا فعليًا يحدق بالنسيج الاجتماعي؛ نظرًا لانتشاره الواسع، وتضمّنه تعبيرات ذات نزعة عدوانية تعصُّبية ضد الآخر المُختلِف.
ويتمظهر خطاب الكراهية في سياق الحرب الدائرة في اليمن بأنواع وأشكال عديدة، أبرزها:

– خطاب سياسي:
تشير تقارير حقوقية إلى أن الجماعات الميليشياوية قد عمدت، منذ بداية الحرب، للاعتماد على خطاب الكراهية والتحريض، وحشدت كل أدواتها الفكرية والدينية والتاريخية، من أجل تبرير ممارساتها وإلغاء الآخر، كما أنّها ملأت عقول الأفراد بأفكار الانتقام والنَّزعات القبلية والتفرُقة العُنصرية التي كان لها الأثر البالغ في تعميق الانتهاكات بحق المدنيين. [7]
وتتصدَّر الميليشيات الحوثية قائمة تلك الجماعات التي تعتمد على خطاب الكراهية، وتترجمه إلى ممارسات ذات طابع عدائي، فأدبيات الجماعة، مثل: الوثيقة الفكرية الصادرة عن الجماعة في 13 فبراير 2012، و”المَلازِم” التعليمية لمؤسس الجماعة “حسين بدر الدين الحوثي”، والخُطب التي يلقيها زعيم الميليشيا تحمل في طياتها مضامين تَنْضَّحُ بالكراهية والعداء للآخر، والتحريض على العنف تحت دعاوى “الجهاد”، وإلصاق تُهم الخيانة والعمالة بمناوئيها.
وفي المُقابل ينتهج أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي خطابًا مليئًا بكل صِيغ الإقصاء، ومشحونًا بدوافع الثأر والنّقمة تجاه “الآخر” الذي يتجلّى غالبًا في كل ما هو “شمالي” وله علاقة بـ”الشمال”، إذ يتم تصوير المواطنين “الشماليين” على أنهم سبب البلاء الذي حلَّ بـ”الجنوب”، بلغة شعبويَّة تترك آثارًا مدّمرة في النسيج الاجتماعي وينتج عنها شرعنة لكل أنواع السلب والاعتداء على ممتلكات المواطنين وجعلهم عُرضة للقتل، فقط لمجرد أنّهم شماليون. [8]
كما أنّ المؤسسات الإعلامية التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا قد انزلقت إلى مستنقع خطاب الكراهية ضد الآخر. إذ يتم توصيف جماعة أنصار الله (الحوثيين) على أنّهم “إرهابيين وأعداء للوطن”، ووصهم بمصطلحات ازدرائية، كـ “أذناب إيران، والمجوس، والروافض، والشيعة الإثنا عشرية، وغيرها من المصطلحات”، بالإضافة إلى دعوات البعض إلى قتال الحوثيين باعتبار أنّ قتالهم “نصرة للإسلام ودفاع عن الدين والسُّنة النبوية”، ويصوّرون أنّ من ينتمي إلى جماعة الحوثي بأنّه “ضال ومنحرف ورافضي”، وغيرها من الأوصاف التي تشيطن الحوثيين.
كما يستخدم أنصار الحكومة الشرعية لغة الكراهية المُوجّهة ضد الجنوبيين، حيث ينخرط نشطاء وإعلاميون في حملات تحريض ضد أبناء الجنوب، وممارسة عنف لفظي ضدهم، مما يسهم في تكريس حالة الكراهية والتنابذ على أساس مناطقي وشطري.[9]
لم يقتصر استخدام خطاب الكراهية على الأطراف المحلية فقط، بل تجاوز ذلك ليصبح خطابًا عابرًا للحدود الجغرافية الوطنية، من خلال الدور الذي تقوم به بعض الأطراف الإقليمية، فقد سعت دولة الإمارات منذ سنوات إلى تعميق الانقسام المناطقي في اليمن لتحقيق مصالحها الخاصة في البلد، من خلال قيامها بتمويل حملات إعلامية ودعائية عبر وسائل الإعلام المختلفة لخلق وتعميق الكراهية بين اليمنيين، لاسيما التركيز على الخلافات المناطقية بين الشمال والجنوب، والمناداة بتقسيم اليمن وأحقية الجنوب في تكوين دولته الخاصة به.
كما تقوم السعودية منذ سنوات بتعميق خطاب الكراهية بين “السنة” و”الشيعة” عبر وسائل الإعلام المختلفة من خلال الاجتماعات والندوات الدينية التي يقيمها كبار رجال الدين المتبنين للخطاب الحكومي الذي يُعادي الشيعة، وزادت حدّة تلك الخطابات بعد مشاركة السعودية في الصراع القائم في اليمن في عام 2015، فقد بدأت المملكة ومنذ ذلك الوقت وعبر رجال الدين والمسؤولين الحكوميين بمهاجمة الحوثيين بصفتهم “الروافض”، ويُحقِّرون معتقداتهم وممارساتهم.[10]
ولا تفتأ القيادات السياسية والعسكرية في إيران على إطلاق تصريحات نارية ضد الحكومة الشرعية، واتّهام كل من يناهض جماعة أنصار الله (الحوثيين) بأنّهم “أذناب الشيطان الأكبر” (أمريكا)، وإسرائيل.

– خطاب إعلامي ورقمي:
تعتمد الجماعات الميليشياوية على وسائل التواصل الاجتماعي في بثّ سردياتها، وتنفق بعض هذه الأطراف مبالغ مالية طائلة على نشطاء “السوشيال ميديا”، وباتت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة ساحة أخرى تدور فيها حرب شرسة بين أنصار كل طرف. وقد استرعت هذه الظاهرة بعض الباحثين وباتوا يطلقون عليها مصطلح “الذُّباب الإلكتروني”.

– خطاب ديني:
يحظى الدِّين بقداسة عاليّة، وبقيمة رمزيّة واجتماعيّة كبيرة في المجتمع اليمني؛ لذلك يحرص منتجو الخطاب الديني على توظيف النصوص الدينية في التأثير على الوعي الاجتماعي، والتحكّم بعواطف ووجدانات أفراد المجتمع، وتطويعهم لما يخدم أجندة الجماعات المسلحة. من هنا يكتسب الخطاب الديني “سلطة خفيَّة” بالمعنى الذي يوضّحه “نورمان فيركلف” [11]. ويتجلَّى ذلك من خلال توظيف المؤسسات الدينية، والفتاوى الدينية، ومنابر المساجد، وخُطب يوم الجمعة من كل أسبوع في مُهاجمة بعض الجهات أو الأفراد والتحريض عليهم، واتّهامهم بشتى التُّهم. ومن ذلك: الفتاوى والبيانات الصادرة عن بعض المؤسسات والهيئات الدينية ورجال الدين، فعلى سبيل المثال:

• دعتْ “رابطة علماء اليمن” الموالية للحوثيين، مرارًا إلى النَّفير العام، ورفد الجبهات بالمقاتلين لمواجهة ما أسمته بـ “العدوان السعودي الأميركي” على اليمن، واعتبرت القتال في صفوف الحوثيين “جهاد في سبيل الله”.
وفي الضّفة المُقابلة، صدر عن “هيئة علماء اليمن” الموالية للحكومة المعترف بها دوليًا بيانات تصف فيها الحوثيين بـ”الشيعة الإثناعشرية” و”الروافض”، وحثّت على قتالهم.
ولم تقتصر هذه الفتاوى والدعوات على الهيئات الدينية المحلية، بل تخطّت الحدود الجغرافية اليمنية، ففي بداية الحرب سارعت “هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية” إلى دعم عملية “عاصفة الحزم” (العملية العسكرية التي قادتها دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية) ضد تحالف الحوثيين وصالح. كما أيَّد “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، و”علماء الأزهر” العملية، واعتبرا أنّها تهدف لمواجهة المَدّ الشيعي.

• ينشط عدد من رجال الدين في تعبئة المقاتلين في إطار وظيفة “التوجيه المعنوي”، إذ غالبًا ما يحتشد المقاتلون في المعسكرات، وفي ساحات التدريب التابعة للفريقين المتنازعين (الحكومة الشرعية والحوثيين) لسماع خطب رجال الدين ومحاضراتهم التي تغذّي فيهم نزعة الكراهية والتعصّب على أساس طائفي، وتحثّهم على “الجهاد”، و”الموت في سبيل الله”… إلخ.

• يتبنَّى بعض خطباء المساجد في بعض المدن الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية منظورًا طائفيًا للصراع المسلح الدائر في البلاد، وقد رصد الباحث بعض تلك التعبيرات والأوصاف الدالة على ذلك، إذ يتم وصف جماعة أنصار الله (الحوثيين) بـ “الشيعة الإثناعشرية”، و”الروافض”، و”الصفويين”، “وأذناب المجوس”، وأنّهم يشكّلون “خطرًا على عقيدة أهل السنّة والجماعة”، و”أنّ خطرهم يفوق خطر الغرب والصليبيين”، و”أنّ قاتلهم جهاد في سبيل الله ودفاع عن عقيدة المسلمين”.

• في المُقابل، تقوم جماعة أنصار الله (الحوثيين) باستخدام منابر المساجد في المناطق الواقعة تحت سيطرتها كوسائل دعاية حربية تخدم أجندتها. وتحثّ المواطنين على دعم “جبهات القتال”، والاحتشاد للمشاركة في فعاليات سياسية ودينية خاصة بالجماعة، كما تقوم بالتحريض ضد معارضي الجماعة، ووصفهم بـ”الخونة”، و”المرتزقة”، و”العملاء”، “والدَّواعِش”، وغيرها.
تجد هذه الفتاوى والخطب الدينية أصداء لدى أوساط اجتماعية معينة، وتكمن خطورتها أنّها تشرعن للعنف، وتسبغ عليه هالةٍ من القداسة الدينية، لاسيما أنّ الجهل وقصور الوعي الديني والسياسي يستحكِمان بنسبة كبيرة من أبناء المجتمع.
إن استخدام الفتوى الدينية كوسيلة للتحشيد والسيطرة على المجتمع يمثل تهديداً خطيراً للمجال السياسي والحريات العامة، إذ إن نقل الصراع من الحقل السياسي إلى الحقل الديني يحوّل الخلاف في الرأي إلى مسألة كفر أو ردّة، ويجعل الخصم هدفاً مباحاً، ما يعقّد المشهد السياسي ويقوّض فرص الوصول إلى حلول سلمية، ويُسهم في إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها الوطنية، فضلاً عن تقويض ما تبقّى من مؤسسات الدولة عبر إحلال الفتوى الدينية في اليمن محل القضاء والقانون.


ثالثاً: دور الثقافة والمثقف في الوضع الراهن:

من العرض السابق تتضح العلاقة الوطيدة بين الحقل الثقافي، والحقل السياسي، فالثقافة ليست ترفاً، أو قضية ثانوية، بل هي قضية أساسية ومحورية، ترتبط بقضايا الشعب ومصير الوطن.
وفي خضم الصراع القائم من أجل الحرية وبناء الدولة الوطنية الاتحادية، تبرز الحاجة إلى وجود “أنتلجنسيا وطنية” أو مثقفين عضويين، يرتبطون بالجماهير، ويمارسون دورهم التاريخي في تنوير المجتمع، ونشر الوعي الوطني الديمقراطي المرتكز على قيم التسامح، والتعايش، والوحدة، والتآخي، وعلى إعلاء الهُوية الوطنية الجامعة فوق الهويات الفرعية الضيقة، إضافة إلى مواجهة أشكال الوعي العصبوي اللاوطني بتلاوينه المختلفة (الطائفي، والجهوي، والقبائلي، والقروي.. إلخ).
إن المهمة الملحة اليوم هي خوض ثورة ثقافية، ثورة تهدف إلى إعادة بناء الثقافة الوطنية والهُوية الجامعة.
ولتحقيق هذا الهدف لابد أن يرتكز إلى مرتكزين أساسيين:

– الأول: بناء كتلة تاريخية وطنية، أي تحالف واسع يشمل: المثقفين والفنانين والمبدعين والأكاديميين والحقوقيين والناشطين والمؤسسات الثقافية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات ومختلف القوى الاجتماعية الحديثة.

– والثاني: إعادة بناء المؤسسات الثقافية، الرسمية والأهلية، وتقديم الدعم الكافي لها بما يمكّنها من القيام بدورها الوطني في تنوير المجتمع، والمحافظة على الرأسمال الثقافي الجمهوري وتنميته.

كما أن تحقيق الهدف المذكور سابقاً يستلزم الأخذ بسياسات ثقافية عديدة، وفي مقدمتها:
1. بلورة خطاب وطني ديمقراطي متجاوز للعصبيات (الطائفية، والمناطقية، والقبائلية)، ويؤكد على الهُوية الوطنية الجامعة لليمنيين.
2. إعادة تصميم المناهج التعليمية لجميع المراحل الدراسية بما ينسجم مع قيم الإبداع، والتفكير النقدي الحر، وقيم المواطنة، والديمقراطية، والفكر السياسي الجمهوري، والهُوية الوطنية الجامعة.
3. تضمين مفهوم التربية الإعلامية ومحدداته في المناهج التعليمية المدرسية والجامعية، وإكساب التلاميذ والطلاب مهارات التحليل العلمي، والنقد الإعلامي، بما يجعلهم قادرين على الفرز بين الخطاب الوطني الجامع والخطاب الانقسامي والعصبوي، وبما يضمن نشوء أجيال واعية، تمتلك مناعة فكرية ومناعة وجدانية ضد الاستقطابات الهُوياتية الصغيرة، والتضليل الإعلامي، وتكون أكثر ارتباطًا بالهُوية الوطنية.
4. تخليد ذكرى رموز الحركة الوطنية وشهدائها ومناضليها في الذاكرة الجمعيّة الوطنية من خلال تعريف الأجيال الصاعدة بهم، وبرصيدهم النضالي، وتوثيق نضالاتهم بأساليب حديثة وجذّابة، وتسمية بعض الشوارع، والساحات العامة، والمدارس، والجامعات، وقاعات الدَّرس بأسمائهم، تكريمًا لهم على ما بذلوه من عطاء في سبيل الشعب والوطن.
5. تخصيص يوم وطني رسمي للهُوية الوطنية، ويوم آخر للعَلَم الوطني. يتم فيهما تكثيف الاحتفاء بالهُوية الوطنية، والعَلَم الوطني، ونشر التوعية عبر حملات وطنية واسعة عنهما.
6. الاعتناء بالعناصر المميزة للهُوية الوطنية اليمنية، مثل: البُن، والأزياء الشعبية، والموروث الشفاهي الأدبي والغنائي، والفلكلور الثقافي، والثقافة الجمهورية، وإبراز سمة تنوعها، وثرائها، وتعميق وعي أفراد المجتمع بمجمل تلك العناصر، وتعزيز ارتباطهم بها.
7. وضع خطط وطنية استراتيجية لمحو الأمية، ومكافحة التطرّف، والعنف، والغلو.
8. تخصيص نسب عادلة وكافية من الناتج المحلي الاجمالي لدعم الثقافة والتعليم، وبناء البنى التحتية الخاصة بهما.
9. الاهتمام بوسائل الإنتاج الثقافي، وأشكاله الإبداعية: الفني، والأدبي، والفكري، والعلمي. وكذا الصناعات الثقافية الشعبية التي تدخل في إنتاج الثقافة والفنون، كالصناعات الحرفية، والمشغولات اليدوية، بحيث تؤدي الثقافة دوراً تحفيزياً في استنهاض الروح الوطنية، وتجديد الوجدان الجماهيري بغية تحقيق الأهداف المنشودة.
10. وضع تشريعات تكفل حرية الإبداع، والبحث العلمي، وحرية التفكير، والتعبير.
11. إشاعة ثقافة الحوار الديمقراطي، وتكريس التوافق الوطني، وقيم التعايش، والتنوّع، والقبول بالآخر.
12. تطبيق ما ورد في وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ولاسيما ما ورد بخصوص الثقافة والتعليم والتنمية الثقافية.


الهوامش والإحالات:

[1] عبدالغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة، المفاهيم والإشكاليات.. من الحداثة إلى العولمة، ط3، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2016، ص26.
[2] لا يوجد تعريف محدّد ومتفق عليه لمفهوم الثقافة، إذ إن هناك أكثر من مئة وستين تعريفاً للثقافة، لعلماء ينتمون إلى تخصصات مختلفة منها: الأنثروبولوجيا، والإثنولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والطب العقلي، والاقتصاد، والسياسة، والجغرافيا. (راجع: عبدالغني عماد، مرجع سابق، ص29).
[3] ابن منظور؛ معجم لسان العرب، مج9، بيروت، دار صادر، ص19.
[4] الوثائق الرئيسية لإعلان مكسيكو بشأن الثقافة، مكسيكو، 6 تموز/ يوليو – 6 آب/ أغسطس 1982؛ نقلاً عن: محمد الرميحي، واقع الثقافة ومستقبلها في أقطار الخليج العربي، في: الطاهر لبيب وآخرون، الثقافة والمثقف في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، “سلسلة كتب المستقبل العربي (10)”، ص268.
[5] هدى العطاس، الزوامل الحربية مرآة الجماعات المتناحرة في اليمن، مقال، موقع المجلة، تاريخ النشر: 9 يونيو 2023، رابط: https://2u.pw/RUUJr9bA
[6] فضل عبدالله الربيعي و أمل صالح راجح، سوسيولوجيا الحرب في اليمن، عدن، مركز مدار لدراسات الرأي العام، 2023، ص.ص144-145.
[7] منظمة سام للحقوق والحريات، إنّهم خطر: رصد خطاب الكراهية الصادر عن أطراف الصراع المسلح خلال فترة الصراع في اليمن، منظمة سام للحقوق والحريات، ديسمبر 2023، ص15.
[8] نفسه، ص14.
[9] نفسه، ص47.
[10] نفسه، ص48.
[11] نورمان فيركلف، اللغة والسلطة، ترجمة: محمد عناني، القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2016، ص72 وما بعدها.



#عيبان_محمد_السامعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- باحث يمني يكشف كيف مزقت الحرب الهوية الوطنية.. دراسة ترصد نب ...
- كتاب جديد ل عيبان السامعي عن الحرب في اليمن وتفكك الدولة وتش ...
- الباحث اليمني عيبان السامعي يوثّق تشظّي الهُوية الوطنية في ا ...
- الباحث عيبان السامعي يصدر كتاباً جديداً يدرس فيه تأثير الحرب ...
- الهُوية الوطنية تحت مجهر علم الاجتماع… دراسة جديدة بجامعة تع ...
- الماجستير بامتياز للباحث عيبان السامعي عن دراسته النوعية حول ...
- لواء السلام ودوره في فك الحصار عن العاصمة صنعاء
- قصتي مع حـيـفـا !!
- أوجاع يمانية في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية!!
- ثورة 11 فبراير السلمية: عوامل وعوائق وآمال
- التغيير جوهر الوجود وقانونه الأسمى
- عيبان السامعي: إدانة ثورة فبراير هي تبرئة مجانية لتحالف الثو ...
- علي عبدالرزاق باذيب.. حضور إنسانيّ عصيّ على الغياب
- كريم مَرُوَّة: المناضل والمُفكر الذي لا يغيب
- عن السلام وكيفية تحقيقه في اليمن: أفكار أولية للنقاش
- دور التيار الماركسي في تثوير وعي الطبقة العاملة اليمنية(*)
- الطبقة العاملة اليمنية وحركتها النقابية خلال الفترة (1939-20 ...
- وجع يماني... في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية!!
- صدور كتاب إشكالات الواقع اليمني: الثورة الشعبية والحرب، الهو ...
- ملاحظات سريعة على مقالات أ. قادري أحمد حيدر حول ما يسمى -اله ...


المزيد.....




- مسؤولون ورجال دين يطالبون بالإفراج عن رئيس مسجد اعتُقل بتهم ...
- كيف أعادت إيران تعريف -القوة العظمى-؟ - مقال في نيويورك تايم ...
- حرب إيران تعيد رسم خارطة النفوذ في شمال أفريقيا لصالح الجزائ ...
- هل تدافع إيران عن نفسها باستهداف دول الخليج؟
- قمة -الصحة الواحدة-.. أي جديد في مجال العلم والأبحاث؟
- اليوم 38 من الحرب في الشرق الأوسط: ترامب أمام -مأزق- مضيق هر ...
- بين -معجزة- إسلام آباد و-جحيم- ترمب.. الشرق الأوسط في سباق ا ...
- السيناريوهات المحتملة لدور الحوثيين في الأيام المقبلة
- ساعات قبل نفاد مهلة ترمب.. كيف يوظَّف التصعيد لتحسين شروط ال ...
- عبور ناقلة نفط تركية من مضيق هرمز تحمل مليون برميل من نفط ال ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عيبان محمد السامعي - دور الثقافة في تحقيق الحرية وبناء الدولة الديمقراطية الاتحادية