أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية في المنطقة















المزيد.....

الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية في المنطقة


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 04:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من الخطأ النظر إلى العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة على أنها مجرد علاقة عابرة بين دولتين اختلفتا أحيانًا واتّفقتا أحيانًا أخرى. ما يجري أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام علاقة مشدودة بين طرفين يعرف كل منهما أنه لا يستطيع الاستغناء عن الآخر بسهولة، حتى وهو يشتمه، ويبتزه، ويشكك في نواياه صباح مساء. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تركيا حليفة لأمريكا أم لا؟ بل: أي نوع من الحلفاء هي؟ وهل تحولت فعلاً إلى إسرائيل خفية في المنطقة، تؤدي وظائفها بطريقتها الخاصة، ولو من وراء ستار الخطاب الإسلامي والقومي؟

منذ سنوات طويلة، بنت تركيا صورتها في المخيال العربي والإسلامي باعتبارها دولة “متمردة” على الغرب، أو على الأقل دولة تملك شجاعة قول “لا” لواشنطن وتل أبيب. ساعدها في ذلك خطاب أردوغان العالي، ومسرحيات الغضب المتكررة، واللغة العاطفية التي تتحدث عن فلسطين والقدس وكرامة الأمة. لكن السياسة لا تُقاس بالخطب، بل بالبنية العميقة للعلاقات، والتموضع الاستراتيجي، والوظائف الفعلية على الأرض. وهنا تبدأ الصورة الحقيقية بالظهور.

تركيا ليست خارج المنظومة الغربية، ولا كانت كذلك يومًا. هي عضو في الناتو، وجيشها جزء من بنية أمنية غربية أوسع، واقتصادها متشابك مع أوروبا وأمريكا، وموقعها الجغرافي جعلها منذ عقود أداة لا يمكن للغرب تجاهلها في إدارة الشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز وطرق الطاقة. هذا وحده يكفي لنسف الأسطورة الساذجة التي تقول إن أنقرة تقف في خندق آخر مضاد لواشنطن. ما يوجد في الحقيقة ليس قطيعة، بل خلاف داخل البيت نفسه: بيت المصالح الغربية، لا خارجه.

لكن تركيا ليست إسرائيل، لا في بنيتها، ولا في مكانتها، ولا في درجة الحماية التي تحظى بها، ولا في طبيعة علاقتها العضوية بالقرار الأمريكي. إسرائيل بالنسبة لواشنطن ليست مجرد حليف مفيد، بل امتداد صلب لمشروعها الاستراتيجي والقيمي والعسكري في المنطقة. أما تركيا، فهي حليف وظيفي كبير، مزعج أحيانًا، متمرد أحيانًا، لكنه يبقى في النهاية داخل المدار. إسرائيل مدللة لأنها تُعتبر جزءًا من “الذات الغربية” سياسيًا وثقافيًا واستراتيجيًا، أما تركيا فتظل حليفًا مهمًا لكن مشروطًا، مطلوبًا لكن غير موثوق بالكامل، قويًا لكن قابلًا للضغط.

ومع ذلك، إذا تجاوزنا الفروق البنيوية، سنجد أن السؤال عن “إسرائيل خفية” ليس بلا معنى. فتركيا، منذ صعود أردوغان خصوصًا، لم تتحول إلى قوة مبدئية أخلاقية في المنطقة، بل إلى قوة وظيفية انتهازية تتغذى على الفوضى العربية، وتستثمر في الانهيار الإقليمي، وتدخل إلى المساحات الرخوة بوصفها وسيطًا حينًا، وراعياً حينًا، ومحتلًا ناعمًا أو خشنًا حينًا آخر. وهذا بالضبط ما يجعل كثيرين ينظرون إليها بريبة: ليست إسرائيل في الشكل، لكنها قد تؤدي في بعض السياقات وظيفة مشابهة من حيث خدمة التوازنات الأمريكية ومنع تبلور فضاء عربي مستقل.

تركيا لا تأتي إلى المنطقة باعتبارها شقيقة كبرى، بل باعتبارها دولة لديها مشروع نفوذ واضح. تدخلها في سوريا، وتمددها العسكري، وتحكمها بورقة اللاجئين، واستثمارها في الانقسامات العربية، وتوظيفها للفصائل، وابتزازها المستمر لأوروبا وأمريكا والعرب معًا، كلها مؤشرات على أن أنقرة لا تتحرك بمنطق “الأخوة” بل بمنطق القوة. إنها تريد أن تكون دولة لا يمكن تجاوزها. تريد أن تجعل الجميع مضطرين للمرور بها: أمريكا، أوروبا، روسيا، العرب، وحتى بعض الإسلاميين الذين ظنوا يومًا أنها قلعتهم الآمنة.

هنا تظهر مفارقة أردوغان الكبرى. الرجل الذي باع نفسه للعالم الإسلامي باعتباره خصمًا للهيمنة الأمريكية، تصرف في كثير من اللحظات كواحد من أكثر اللاعبين انسجامًا مع ضروراتها العامة. نعم، صرخ كثيرًا. نعم، اشتبك لفظيًا. نعم، حاول أن يرفع سعره. لكن حين نزلنا من المسرح إلى الأرض، وجدنا أن تركيا لم تكسر الهيكل العام للنفوذ الأمريكي في المنطقة، بل سعت إلى إعادة التفاوض على موقعها داخله. أرادت حصة أكبر، لا ثورة عليه. أرادت اعترافًا بدورها، لا إلغاء اللعبة. أرادت أن تكون شريكًا صعبًا لا تابعًا صامتًا، لكنها لم تصبح يومًا خصمًا جذريًا للمنظومة التي تمنحها أصلًا قيمتها.

ومن هنا قد نفهم لماذا تبدو العلاقة الأمريكية التركية دائمًا متوترة، لكنها لا تنكسر. كلا الطرفين يعرف أن الآخر ضروري. واشنطن تحتاج تركيا بوصفها جيشًا كبيرًا في الناتو، وبوصفها مفتاحًا جغرافيًا، وبوصفها لاعبًا يمكن استعماله في ضبط الفضاء الممتد من أوكرانيا إلى سوريا. وتركيا تحتاج واشنطن لأنها تعرف أن سقف حركتها، مهما ارتفع، ما زال مربوطًا بالبنية الغربية: بالسلاح، والأسواق، والنظام المالي، والغطاء الأمني، والموقع داخل التحالفات الكبرى. لذلك هما يتشاجران كثيرًا، لكنهما لا يطلقان بعضهما.

أما إسرائيل، فهي لا تحتاج إلى كل هذا القدر من التمثيل. علاقتها مع أمريكا أوضح وأعمق وأصلب. بينما تحتاج تركيا إلى قناع. تحتاج إلى صراخ، إلى خطاب عثماني، إلى حديث عن الاستقلال والسيادة والقدس والعزة، لأنها لو ظهرت بحقيقتها العارية كدولة براغماتية باردة تطلب النفوذ تحت المظلة الغربية، لخسرت جزءًا من سحرها في الشارع الإسلامي والعربي. هذا هو الفارق الأهم: إسرائيل لا تحتاج إلى التنكر، أما تركيا فتحتاج إليه باستمرار.

هل يعني هذا أن تركيا تسير نحو تطبيع كامل مع واشنطن على حساب المنطقة؟ في الحقيقة هي لم تغادر هذا المسار أصلًا، لكنها تسير نحوه بطريقتها الخاصة: تطبيع صاخب، لا صامت. تبقي مسافة لفظية، لكن من دون أن تحرق الجسور. تلوّح بالاستقلال، لكنها لا تقطع الحبل. تهدد، ثم تفاوض. تغضب، ثم تعود إلى الطاولة. إنها لا تريد الخروج من العباءة الأمريكية، بل تريد توسيع هامشها تحتها، وأحيانًا العبث بأطرافها لتُشعر الجميع أنها مختلفة.

ولذلك، فإن وصف تركيا بأنها “إسرائيل خفية” فيه قدر من الصحة من حيث الدور الوظيفي التخريبي والانتفاعي في المنطقة، لكنه يصبح خاطئًا إذا فهمناه حرفيًا. تركيا ليست إسرائيل ثانية، لكنها قد تكون في بعض اللحظات نسخة مقنّعة من قوة إقليمية تخدم، بوعي أو من دون وعي، منطق الهيمنة الأمريكية العام: تفكيك المجال العربي، ابتلاع الأزمات بدل حلها، منع نشوء توازنات مستقلة، وإبقاء المنطقة بحاجة دائمة إلى وكلاء وحراس ومبتزين.

الأسوأ من ذلك أن تركيا تمارس هذا كله وهي تتحدث بلغة المظلومية والهوية الإسلامية. وهنا يكمن خطرها الحقيقي. إسرائيل عدو واضح عند كثيرين، أما تركيا فتدخل من الباب الخلفي للعاطفة والدين والحنين التاريخي. تقول لك: أنا منكم. أنا أدافع عنكم. أنا أرفع راية القدس. ثم تنظر إلى الخريطة، فتجدها في لحظة الحسم لا تشتبك مع البنية الأمريكية قدر اشتباكها مع العرب المنهكين، ولا تكسر التوازنات الظالمة قدر ما تحاول أن تحجز لنفسها مقعدًا ذهبيًا داخلها.

إلى أين تسير تركيا إذن؟
تسير نحو تعميق براغماتيتها.
نحو علاقة أكثر برودة مع أمريكا في الشكل، وأكثر التصاقًا بها في الجوهر.
نحو دور إقليمي يزداد خشونة، لكن من دون الانفصال عن المظلة الغربية.
نحو خطاب أعلى، وقيود أكبر، وابتزاز أكثر، وتناقضات أعمق.

ليست تركيا ذاهبة إلى حرب مصيرية مع أمريكا، ولا إلى تحالف حب صادق معها. هي ذاهبة إلى شيء ثالث: زواج مصلحة متوتر. زواج يصرخ فيه الطرفان كثيرًا، ويهددان بعضهما كثيرًا، لكنهما يعرفان أن الطلاق الكامل مكلف جدًا. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدًا، تحاول تركيا أن تبني لنفسها صورة القوة المستقلة، بينما تمارس على الأرض وظيفة لا تختلف دائمًا كثيرًا عما تريده واشنطن من حليف إقليمي كبير: أن يضبط، ويمنع، ويبتز، ويدير الفوضى، ويمنع سقوط المنطقة نهائيًا خارج السيطرة.

لذلك، ليس السؤال: هل تركيا ضد أمريكا؟
هذا سؤال ساذج.
السؤال الأدق هو: كم تريد تركيا من أمريكا، وكم تريد أمريكا من تركيا، وكم ستدفع المنطقة العربية ثمن هذا الزواج القذر؟

وهنا ربما نجد الجواب الأقسى:
تركيا ليست إسرائيل الخفية في المنطقة بالمعنى الحرفي، لكنها بالتأكيد ليست المخلّص الإسلامي الذي باعته لجماهيرها. إنها قوة تبحث عن ذاتها فوق خرائط الآخرين، وتفاوض على نفوذها فوق جراح العرب، وتصرخ في وجه واشنطن كي تسمعها أكثر، لا كي تهدم بيتها. وهذا وحده يكفي لكي نتعامل معها كما هي: دولة مصلحة، لا دولة رسالة.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأت ...
- عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس ...
- صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...


المزيد.....




- بحيرات -أراشان-..جوهرة طبيعية شاهقة في أوزبكستان تتساقط فيها ...
- بكلمات -بذيئة-.. ترامب يهدد إيران مطالبا إياها بفتح مضيق هرم ...
- نتنياهو يجري اتصالا مع ترامب بعد إنقاذ الطيار الأمريكي في إي ...
- باحثون في المكسيك يطوّرون ذراعاً روبوتية سهلة الاستخدام
- مفاوضات اللحظة الأخيرة.. باكستان تقدم خطة لواشنطن وطهران لإن ...
- عاجل | الحرس الثوري الإيراني يعلن مقتل رئيس استخباراته اللوا ...
- بعد استيعاب 670 مدرسة.. أزمة النزوح في لبنان تتجاوز قدرة الد ...
- إيران تعلن مقتل رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري  
- الكويت.. 6 إصابات إثر سقوط مقذوفات وشظايا على منطقة سكنية
- قفازات الملكة البريطانية وبشت ولي العهد السعودي.. كيف تصبح ا ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية في المنطقة