أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - احتكار منصب جامعة الدول العربية















المزيد.....

احتكار منصب جامعة الدول العربية


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 02:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


احتكار منصب جامعة الدول العربية.

الدكتور / عبدالحكيم سليمان وادي
أستاذ العلاقات الدولية

يتناول هذا المقال ظاهرة استمرار احتكار جمهورية مصر العربية لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، والى يومنا هذا مارس/2026، باستثناء فترة انتقالية قسرية واحدة. ينطلق المقال من إشكالية مركزية مفادها: كيف يمكن تفسير استمرار هذا "التمثيل الجامد" رغم التحولات الجذرية في موازين القوى العربية، ورغم الاتهامات المتكررة للجامعة بالعجز والجمود؟ حيث يجادل المقال بأن هذه الظاهرة ليست مجرد تقليد تاريخي بريء، بل هي "آلية تمثيل معطلة" تساهم في تعزيز الهيمنة المركزية، واستنساخ أنماط التفكير ذاتها، وتعيق أي محاولة حقيقية لإصلاح الجامعة. ويخلص المقال إلى مقترحات عملية لكسر هذا الاحتكار، تبدأ من نظام "النائب المتناوب" وصولاً إلى تعديل آليات صنع القرار في الجامعة بأكملها، مع الاستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي في التوزيع الجغرافي العادل لهذا المنصب.

أولاً: نشأة جامعة الدول العربية

منذ تأسيسها في 22 مارس 1945، لعبت جامعة الدول العربية دوراً محورياً –وإن كان غالباً ما يوصف بالهشاشة– في صياغة العلاقات العربية المشتركة. لكن ثمة تقليداً راسخاً لفت انتباه الباحثين والمراقبين على نحو خاص، وهو استمرار حصر منصب الأمين العام للجامعة في المواطنين المصريين. مع احترامنا الشديد لجمهورية مصر العربية، فإن ما ننادي به هو ضرورة التنويع والانتقال الديمقراطي لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، ولا نقصد أبداً التقليل من مصر أو من أي دولة بحد ذاتها. فمن بين تسعة أمناء عامين تعاقبوا على إدارة الجامعة، كان ثمانية منهم من مصر، في حين كانت الفترة الوحيدة التي خرج فيها المنصب من القاهرة (1979-1990) استثناءً قسرياً فرضته مقاطعة الدول العربية لمصر بعد توقيعها معاهدة كامب ديفيد عام 1979 مع إسرائيل، حيث تولى التونسي/ الشاذلي القليبي المنصب وانتقل مقر الجامعة إلى تونس.

هذا التقليد غير المكتوب، والذي تجسد مجدداً في مارس 2026 بالموافقة على تعيين الوزير المصري الأسبق/ نبيل فهمي ،أميناً عاماً خلفاً لأحمد أبو الغيط، مع احترامنا الشديد لشخصهم الكريم، يثير إشكاليات جوهرية تتجاوز مجرد "من يشغل المنصب" إلى "كيف يُفهم التمثيل العربي" و"لماذا تستمر الهياكل المعطلة". ففي وقت تشهد فيه المنطقة العربية تحولات جذرية في موازين القوى –صعود دول خليجية فاعلة، وتفكك دول عربية أخرى ، وتدخلات إقليمية ودولية متزايدة– يظل منصب الأمانة العامة أسيراً لنموذج تمثيلي جامد لا يتغير، يعود إلى منتصف القرن العشرين دون التفكير في التجديد أو التوزيع الجغرافي لباقي الدول الأعضاء في الجامعة العربية.

يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية لهذه الظاهرة، في محاولة للإجابة عن سؤال إشكالي محوري: لماذا يستمر احتكار المنصب على دولة بعينها رغم التحولات العربية، وكيف يساهم هذا الاحتكار في تعزيز العجز الهيكلي للجامعة.

ثانياً: الإشكالية المركزية – بين التقليد السياسي والتمثيل الجامد.

يمكن صياغة الإشكالية التي يعالجها هذا المقال في التساؤلات المشروعة التالية:

1-ما المبررات التاريخية والسياسية التي أدت إلى ترسيخ "حق جمهورية مصر" غير المكتوب في منصب الأمين العام؛ وهل ما زالت هذه المبررات قائمة في سياق إقليمي متغير.

2-كيف يمكن وصف "التمثيل الجامد" الناتج عن هذا الاحتكار؛ وما انعكاساته على أداء الجامعة العربية وقدرتها على الابتكار والتجديد.

3- هل يؤدي تغيير جنسية الأمين العام من مصر إلى دولة عربية أخرى إلى إصلاح حقيقي، أم أن المشكلة أعمق وتتعلق بآليات صنع القرار والتمثيل برمتها داخل هيكل جامعة الدول العربية.

4-ما السيناريوهات أو الآليات العملية التي يمكن من خلالها كسر هذا الاحتكار، ولو بشكل تدريجي، بما يحقق قدراً من التنويع والتمثيل العادل لجميع الدول الأعضاء في الجامعة.

5- لماذا لا نستفيد من تجربة الاتحاد الأوروبي الرائدة في مجال التوزيع الجغرافي العادل للمناصب القيادية.

ثالثاً: تحليل الظاهرة – قراءة في المبررات والتداعيات

3.1 المبررات التاريخية من "الزعامة الطبيعية" إلى "العبء الموروث داخل الجامعة العربية ".

استند احتكار المنصب تاريخياً إلى ثلاث مبررات رئيسية:

أ- الدور التأسيسي والثقل السياسي. كانت مصر في منتصف القرن العشرين "قلب" العالم العربي من حيث عدد السكان، والقوة العسكرية، والنفوذ الثقافي والإعلامي، وهي صاحبة فكرة إنشاء الجامعة، ومقرها الدائم في القاهرة. تحول هذا الواقع إلى "عرف دستوري" صامت اعتبرته الدول العربية، لاسيما في مراحل التحرر الأولى، أمراً طبيعياً.

ب- الخبرة الدبلوماسية المتراكمة، يتمتع الدبلوماسيون المصريون، كما هو الحال مع السياسي والدبلوماسي المصري الرائع/نبيل فهمي، الذي عمل سفيراً في واشنطن وطوكيو ووزيراً لخارجيّة مصر، بخبرة طويلة في التعامل مع الملفات العربية والدولية. وقد نشأت فكرة أن هذه الخبرة "لا تُضاهى" من قبل نظرائهم في الدول العربية الأصغر حجماً أو الأحدث عهداً بالاستقلال.

ج-الاستقرار اللوجستي والإداري. وجود مقر الجامعة في القاهرة، وهيمنة الموظفين المصريين على الأمانة العامة لعقود، جعل من الأمين العام المصري خياراً "عملياً" يقلل من تكاليف التغيير والتكيف مع كل احترامنا وتقديرنا للجهود المصرية ولكننا نشير هنا لضرورة التوزيع الجغرافي بين جميع الدول العربية.

لكن هذه المبررات أصبحت موضع تساؤل جاد في العقود الأخيرة. فصعود قوى عربية جديدة كالسعودية والإمارات وقطر والمغرب وغيرهما، التي تمتلك خبرات دبلوماسية وسياسية واقتصادية تفوق في كثير من الأحيان الخبرة المصرية، إلى جانب انشغال مصر بقضاياها الداخلية المتعاقبة، جعل "الزعامة الطبيعية" تبدو أقرب إلى "العبء الموروث" منه إلى الامتياز الفعلي الذي يدعم عمل المؤسسات داخل هيكل جامعة الدول العربية.

3.2 التمثيل الجامد: عندما يتحول التقليد إلى إعاقة

يمكن وصف نموذج التمثيل الناتج عن احتكار المنصب بأنه "تمثيل جامد" يتسم بثلاث سمات إشكالية رئيسية وهي:

أ- استنساخ النمط الفكري. يؤدي تولي شخصيات من نفس "المدرسة الدبلوماسية" المصرية إلى تكرار نفس الرؤى والأدوات والحلول، مما يحول دون ضخ أفكار جديدة وعدم تكليف موظفين ودبلوماسيين من جنسيات عربية أخرى، لديهم سياقات وطنية وثقافية وإدارية مختلفة. وبالتالي الجامعة العربية تحت هذا النموذج، لا تتجدد بل تعيد إنتاج نفسها.

ب- إقصاء الطاقات العربية. يحرم احتكار المنصب الكفاءات العربية الواسعة في الدول العربية الأخرى من فرصة تولي المنصب، مما يولد شعوراً لدى هذه الدول بأن الجامعة العربية"مملوكة" لمصر وليست "مملوكة" للعرب جميعاً مع احترامنا الشديد لمصر. هذا الإقصاء يضعف شرعية الجامعة ويقلل من حماسة الدول الأعضاء لدعمها أو الدفاع عنها.

ج- ترسيخ العجز السياسي. عندما يقترن التمثيل الجامد بآليات صنع قرار معطلة كقاعدة الإجماع، تتحول الجامعة إلى ساحة لاتهامات متبادلة. فكل نقد للجامعة يمكن تفسيره على أنه نقد لمصر وهذا خطأ ، وكل دفاع عن استمرار الاحتكار يمكن تفسيره على أنه دفاع عن "العبء المصري" ايضا خطأ. هذا التجاذب يحجب النقاش الحقيقي حول إصلاح الآليات داخل مؤسسة جامعة الدول العربية .

3.3 الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: تجربة الشاذلي القليبي (1979-1990)

تعتبر فترة تولي التونسي/ الشاذلي القليبي ، للأمانة العامة، بعد نقل المقر إلى تونس، الحالة الوحيدة التي خرج فيها المنصب من الإطار المصري. لكن تحليل هذه التجربة يكشف أنها لم تكن إصلاحاً مقصوداً، بل كانت عقاباً سياسياً لمصر على خروجها عن الإجماع العربي بتوقيعها معاهدة كامب ديفيد مع اسرائيل عام 1979 وتم مقاطعتها لهذا السبب.

والدليل على ذلك أن المنصب عاد إلى مصر فور عودة العلاقات العربية معها عام 1990,وعودة مقر الجامعة إلى القاهرة. كما أن تجربة القليبي لم تؤدي إلى أي تغيير جوهري في هيكل الجامعة أو آليات عملها، مما يشير إلى أن تغيير الشخص دون تغيير النظام والآليات لا يحدث فرقاً. والأهم من ذلك، أن هذا الاستثناء القسري يؤكد أن احتكار المنصب ليس ناتجاً عن كفاءة ذاتية، بل عن (توازن قوى سياسي)فرضته مصر لعقود على باقي الدول العربية التي تخجل نقاش هذه القضية بضرورة التوزيع الجغرافي لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية.

3.4 دروس مستفادة من الاتحاد الأوروبي: التوزيع الجغرافي كآلية للعدالة والكفاءة

هنا نصل إلى المحور الأكثر أهمية الذي يطرحه هذ المقال: لماذا لا نستفيد من تجربة الاتحاد الأوروبي في التوزيع الجغرافي للتمثيل؟ فالاتحاد الأوروبي، الذي يُعتبر أنجح نموذج للتكامل الإقليمي في العالم، لم يترك منصباً قيادياً واحداً محتكراً لدولة بعينها، بل أرسى مبدأ التوزيع الجغرافي العادل كأساس لشرعية المؤسسات الأوروبية.

ففيما يتعلق بمبدأ التوازن الجغرافي في المؤسسات الأوروبية، نجد أن المناصب القيادية في الاتحاد الأوروبي، مثل رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي ورئيس البرلمان الأوروبي والممثل السامي للسياسة الخارجية، يتم توزيعها وفقاً لتوازن دقيق بين الدول الكبرى والصغرى، فإلى جانب تولي شخصيات من ألمانيا وفرنسا، تولى هذه المناصب شخصيات من بلجيكا وبولندا والبرتغال وإستونيا. كما يتم مراعاة التوازن بين المناطق الجغرافية المختلفة مثل شمال أوروبا، جنوبها، شرقها، وغربها.

أما فيما يخص آلية "حزمة المناصب"، فكل بضع سنوات يتم الاتفاق على حزمة متكاملة لتوزيع جميع المناصب القيادية الأوروبية دفعة واحدة، بحيث تشعر كل دولة أو كتلة إقليمية أنها حصلت على ما يناسبها. هذه الآلية تضمن العدالة فلا دولة تحتكر كل شيء، وتضمن الكفاءة فكل منصب يشغله الشخص الأكثر كفاءة من مجموع مرشحي المنطقة المختارة، وتضمن الاستقرار فالحزمة تُتفق عليها بتوافق سياسي قبل التصويت الرسمي.

وبتطبيق هذا النموذج على جامعة الدول العربية، يمكن اقتراح توزيع جغرافي عربي للمناصب القيادية، حيث يتناوب على منصب الأمين العام دول المشرق العربي (مصر، الأردن، لبنان، سوريا، العراق، فلسطين)، بينما يتناوب على منصب رئيس المجلس الوزاري الدوري دول الخليج العربي (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، عُمان، البحرين). كما يمكن تخصيص منصب نائب الأمين العام للشؤون الاقتصادية لدول شمال أفريقيا (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا)، في حين يُخصص منصب نائب الأمين العام للشؤون السياسية والأمنية لدول القرن الأفريقي (السودان، جيبوتي، الصومال، جزر القمر).

هذا التوزيع الجغرافي، لو تم اعتماده، سيحقق ثلاث مكاسب كبرى تتجلى في التالي:

أ- كسر الاحتكار المصري مع احترامنا الشديد لها، ليس عن طريق استبعاد مصر، بل عن طريق جعلها جزءاً من نظام دوري عادل تتناوب فيه مع دول المشرق الأخرى.

ب-تعزيز الشرعية، حيث سيشعر كل إقليم عربي أن له "صوتاً" في قيادة الجامعة العربية ، مما يزيد من الالتزام بقراراتها.

ج- ضخ الكفاءات والدماء الجديدة في موسسات جامعة الدول العربية، حيث سيتيح المجال لظهور كفاءات دبلوماسية وسياسية من جميع أنحاء العالم العربي، وليس فقط من القاهرة.

وللرد على الاعتراضات المحتملة، قد يقول البعض إن الاتحاد الأوروبي مختلف لأن له قوانين ملزمة وديمقراطية راسخة. وهذا صحيح، لكن المبدأ الذي نستفيد منه هنا ليس نقل النموذج الأوروبي كاملاً، بل نقل فكرة التوزيع الجغرافي كآلية لكسر الاحتكار وتعزيز العدالة. وهذا مبدأ يمكن تطبيقه حتى في غياب الديمقراطية الكاملة، لأنه يحتاج فقط إلى إرادة سياسية عربية، وليس إلى تغيير الأنظمة السياسية.

رابعاً: المقترحات – نحو آليات جديدة للتمثيل والتنويع داخل جماعة الدول العربية.

انطلاقاً من الإشكالية المطروحة، ومن الدروس المستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي، يمكن تقديم مجموعة من المقترحات العملية التي تهدف إلى كسر "التمثيل الجامد" بشكل تدريجي، مع مراعاة الحقائق السياسية الراهنة.

المقترح الأول – نظام "النائب المتناوب" لكسر الاحتكار.
ربما يعتبر هذا المقترح الأكثر قابلية للتطبيق في المرحلة الحالية. فبدلاً من انتظار تعديل جنسية الأمين العام، وهو أمر يتطلب إجماعاً عربياً شبه مستحيل، يمكن الاتفاق على تعيين نائبين أو أكثر للأمين العام من دول عربية مختلفة، على أن يتم تداول هذا المنصب أو توزيع الحقائب كل عامين.

كما يمكن منح النائب صلاحيات حقيقية في إدارة ملفات محددة، كالملف الاقتصادي والملف الإنساني وملف إعادة الإعمار، وجعل النائب هو المرشح الطبيعي لمنصب الأمين العام في الدورات التالية، مما يخلق جسراً للانتقال التدريجي للقيادة. هذا المقترح لا يحتاج إلى تعديل جذري في الميثاق، بل إلى قرار سياسي عربي بتفعيل "روح التنويع".

المقترح الثاني – تعديل آليات الاختيار لتصبح أكثر تنافسية وشفافية.

يشمل هذا المقترح التحول من نظام "التوافق" الحالي، الذي يعني عملياً تسمية المرشح المصري، إلى نظام الترشيح المفتوح، حيث يحق لأي دولة عربية ترشيح أي شخصية عربية مستقلة بغض النظر عن جنسيتها. كما يشمل إجراء تصويت سري في مجلس الجامعة لاختيار الأمين العام، بدلاً من الإعلان المسبق عن المرشح "التوافقي"، وتحديد حد أقصى لدورتين فقط للأمين العام، مع منع تداول المنصب بين دولتين فقط.

المقترح الثالث – اعتماد نظام التوزيع الجغرافي المستوحى من الاتحاد الأوروبي.

يتمثل في تقسيم العالم العربي إلى أربعة أقاليم جغرافية كبرى هي المشرق والخليج والمغرب العربي والقرن الأفريقي، ثم توزيع المناصب القيادية في الجامعة، مثل الأمين العام ونوابه ورؤساء اللجان، على هذه الأقاليم بالتناوب، بحيث لا يخلو أي إقليم من تمثيل قيادي. كما يمكن إنشاء آلية تشاورية إقليمية داخل كل إقليم لترشيح مرشحيه للمناصب المخصصة لإقليمه، مما يقلل من الصراع المباشر بين الدول.

المقترح الرابع – ربط تنويع التمثيل بإصلاح أوسع للجامعة.

يمكن ربط قضية كسر احتكار المنصب بحزمة إصلاحات هيكلية واسعة، تشمل إنشاء "مجلس رئاسي عربي" دوري تترأسه دول مختلفة كل عام، ليكون بمثابة هيئة توجيهية موازية للأمين العام، وتحويل الأمانة العامة إلى هيئة عربية مستقلة يعمل موظفوها لصالح الجامعة وليس لصالح دولهم، وإنشاء آلية عربية للمساءلة تراقب أداء الأمين العام ويمكنها عزله بتصويت خاص.

خامساً: الخاتمة

في الختام، يمكن القول إن استمرار احتكار جمهورية مصر العربية لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية يمثل نموذجاً صارخاً (للتمثيل الجامد) الذي لم يعد يتناسب مع التحولات الجذرية في موازين القوى العربية في القرن الحادي والعشرين. فما كان يُبرر في الماضي بـ "الثقل الطبيعي" لمصر، أصبح اليوم يشكل عقبة أمام تجديد دماء الجامعة وتنويع رؤاها وبرامجها المستقبلية.

لكن التحليل النقدي الذي قدمته هذه الورقة يؤكد أن المشكلة ليست في (الشخص المصري كشخص) ،بقدر ما هي في آلية التمثيل المعطلة التي تجعل من هذا الاحتكار قاعدة ثابتة بدلاً من أن تكون استثناءً مرحلياً. إن تغيير الأمين العام من مصر إلى دولة عربية آخرى لن يقلل من حجم ودور مصر عربيا ودوليا،بقدر ما يوزع التناوب بشكل ديمقراطي بين الدول، وأن تكليف السيد المحترم/نبيل فهمي ،خلفاً للسيد/أحمد أبو الغيط، لن يحدث فرقاً جوهرياً ما لم تتغير الآليات التي تنتج هذا الاحتكار وتكرسه.

لقد قدم الاتحاد الأوروبي نموذجاً عملياً ناجحاً في التوزيع الجغرافي للمناصب، أثبت أن التنويع لا يضعف المؤسسات، بل يقوي شرعيتها ويعزز كفاءتها. فلماذا لا تستفيد جامعة الدول العربية من هذه التجربة الرائدة، ولو بشكل تدريجي ومُكيَّف مع خصوصية المنطقة العربية.

لذلك، فإن المقترحات سابقة الذكر في هذا المقال – بدءاً من نظام "النائب المتناوب"، مروراً بتعديل آليات الاختيار، وصولاً إلى اعتماد "التوزيع الجغرافي" المستوحى من التجربة الناجحة للاتحاد الأوروبي – تهدف إلى كسر هذا الجمود التدريجي، وتحويل منصب الأمين العام من "حق مصري مكتسب" إلى "فرصة عربية متناوبة" مع كل احترامنا وحبنا لمصر وشعبها. فإما أن تتحرك الجامعة العربية نحو تنويع تمثيلها وتجديد آلياتها، أو ستظل أسيرة لنموذج جامد يعيد إنتاج العجز نفسه، ويحول بيانات الشجب والاستنكار إلى البديل الدائم عن الأفعال الجريئة لجامعة الدول العربية.

-قائمة المراجع:

- ميثاق جامعة الدول العربية (1945)، المواد المتعلقة بالأمانة العامة.
-السيد، مصطفى كامل. (2019). جامعة الدول العربية: تاريخ وأزمة. القاهرة: مركز الدراسات السياسية.
-الهاشمي، عبد الرحمن. (2022). "إشكالية تمثيل الأمين العام في جامعة الدول العربية". مجلة الدراسات العربية والإقليمية، العدد 45، ص ص. 112-135.
-تقارير مجلس الجامعة العربية (دورات 2024-2026).
-موقع جامعة الدول العربية الرسمي: https://www.lasportal.org
-الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي: europa.eu
-كيلنغ، ج. (2018). الاتحاد الأوروبي: النشأة، التطور، آليات صنع القرار. ترجمة مركز الخليج للأبحاث. دبي: مركز الخليج للأبحاث.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتيال الرئيس كينيدي ودور إسرائيل القذر.
- الحرب على إيران ومنزلق فيتنام وأفغانستان.
- اسرائيل وعقوبة الإعدام التمييزية بين الأبرتهايد والعقوبات ال ...
- الحرب على إيران بين الضغط الزمني ومنزلق فيتنام وأفغانستان.
- الهجرة العكسية في إسرائيل -الجيل الضائع- وانهيار المشروع الص ...
- فرض مدونة سلوك اسرائيلية على الدول العربية
- فخ التصعيد وتحول القوة لنقطة ضعف
- مضيق هرمز 2026 هل يكون سويس أمريكا عام 1956.
- فن الصفقة بين الوهم والواقع في استراتيجية ترامب التفاوضية.
- ترمب يفضل الدبلوماسية المعيارية على وزير الخارجية روبيو
- البروفيسور الصيني جيانغ يؤكد انتصار ايران
- البروفيسور الصيني جيانغ وانتصار ايران
- عقيدة البقاء وفتوى الردع النووي
- اغتيال الصحفية الفرنسية/مارين فلهوفيتش داخل منزلها في فرنسا.
- مضيق هرمز يضع الأمن القومي العربي والصين في مرمى العاصفة
- جهل ويتكوف وكوشنر أشعل الحرب مع إيران
- دومينو اسرائيل ومخطط ترمب النفطي
- -الرد الإيراني على القواعد الأمريكية في دول الخليج بين القان ...
- التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق ...
- رئيس مجلس سلام غزة لا يصلح للسلام


المزيد.....




- وسط تراجع شعبيته.. استطلاع لـCNN يكشف تحولا في الرأي بين ناخ ...
- -تمالك نفسك أيها الرجل العجوز-.. سفارات إيران تسخر من ترامب ...
- ترامب يوضح سبب استخدامه ألفاظًا نابية عندما هدد إيران بـ-الج ...
- -يا مجانين- و -يا أولاد …- بكلمات نابية ترامب يهدد إيران لفت ...
- السفارة 87: هل دفعت الحرب مجموعة #MBC لتأجيل عرض مسلسل يروي ...
- مقالات مقابل 250 إلى 700 دولار: كيف تؤثر روسيا على المحتوى ا ...
- ترمب: الثلاثاء هو الموعد النهائي لإيران
- مسؤول إيراني رفيع يوضح للجزيرة نت إستراتيجية طهران إزاء العب ...
- قصف منشآت صناعية وتعليمية إيرانية والحرس الثوري يستهدف سفينة ...
- الحوثيون: استهدفنا إيلات بعملية مشتركة مع الحرس الثوري وحزب ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - احتكار منصب جامعة الدول العربية