أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الوطنية .














المزيد.....

سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الوطنية .


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 15:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تقتضي الضرورة التاريخية الراهنة، أكثر من أي وقت مضى، إجراء مراجعة نقدية للمسارات السياسية التي سلكها الوعي الجمعي السوري منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلّت الدولة والوجدان العام رهيناً لمشاريع أيديولوجية شمولية حاولت قسراً صهر الوجود السوري المتعدد في أطر "فوق-وطنية"، مستندةً في ذلك إلى شعارات العروبة "الراديكالية " أو"الأممية" الدينية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والواقع المعاش ، بيد أن القراءة المتأنية والمحايدة لتاريخ سوريا الحديث تكشف بوضوح أن تلك الانتماءات، رغم جاذبيتها العاطفية ، لم تكن في جوهرها سوى استعارات أيديولوجية استُخدمت كأدوات براغماتية للتوظيف السياسي والشرعنة السلطوية ، دون أن تملك القدرة على تقديم نموذج واقعي يحقق التنمية المستدامة، أو يضمن الحريات العامة، أو يصون الكرامة الإنسانية . فالواقع العياني الملموس يثبت أن سوريا، بتعدديتها الثقافية ، وجغرافيتها المتنوعة وتاريخها الممتد ، لم تحصد من تلك الأحلام القومية أو الدينية سوى المزيد من الاستقطاب البنيوي و"النزاعات" الصفرية التي بلغت في العقد الأخير حد الانهيار الشامل، مما يفرض علينا اليوم اعترافاً شجاعاً بأن الحدود السورية الحالية، وإن تشكلت في سياق توازنات دولية وإرادات خارجية مطلع القرن الماضي، قد تحولت مع الزمن إلى إطار واقعي وتاريخي ، فهي تضم نسيجاً إثنياً ودينياً وبيئياً يمتد من سواحل المتوسط إلى سهول الجزيرة الخصبة، حيث يتعايش العرب والكرد والتركمان والآشوريون والشركس والأرمن، في تساكن تاريخي "معقد" بين طوائف إسلامية ومسيحية وموحدين دروز، وهو نسيج ، يستحيل اختزاله في لون أيديولوجي أو عرقي واحد دون ممارسة عنف وجودي وإقصاء منهجي ضد بقية المكونات.
لقد استنفدت التجارب التاريخية القاسية رصيد الأوهام الأيديولوجية الكبرى، فمن تجربة الوحدة الفاشلة مع مصر عام 1958، مروراً بالعقود التي سيطر فيها الخطاب القومي الإقصائي الذي حوّل الدولة إلى أداة لخدمة الحزب أو الفئة ، وأدخل البلاد في متاهة الانقلابات العسكرية والمحاكمات الصورية، وصولاً إلى النموذج الكارثي والمأساوي لـ"الخلافة" المزعومة التي روجت لها التنظيمات الراديكالية، التي قدمت أبشع صور التوحش والدمار وتجريف الإرث الحضاري السوري ، وهكذا ، نجد أن هذه الخطابات الشمولية العابرة للحدود تعاني من "مغالطة" تسعى بجهل أو عمد لحشر الإنسان السوري في هوية أحادية ضيقة تعلو على انتماءاته الطبيعية والمركبة ككائن متعدد الأبعاد ، فالإنسان السوري هو ابن قريته ومدينته، ينتمي لثقافة فرعية بقدر انتمائه للثقافة السورية العامة، لكن المشاريع الأيديولوجية "العابرة" تدعوه دائماً التضحية بهذه التعددية لصالح "الهوية الكبرى" التي غالباً ما تكون قناعاً لهيمنة مركزية معينة.
إن هذا الارتهان للمشاريع "العابرة" للحدود أدى تاريخياً إلى كارثة وطنية تمثلت في تهميش الأولويات الوطنية للشعب السوري ، فبينما كانت أجهزة الدولة ومواردها تُستنزف في معارك أيديولوجية لا تنتهي أو في السعي وراء سراب "تحرير الأمة" وإقامة "دولة الخلافة"، كانت مؤسسات التعليم والصحة والبنية التحتية تتآكل بصمت، والاقتصاد الوطني يتحول إلى بنية ريعية هشّة تعتمد على الولاءات لا على الإنتاج، مما أدى في النهاية إلى انسداد الأفق أمام الأجيال الشابة . من هنا ، فإن سوريا ، المستقبل ، القوية والمستقرة، لا يمكن أن تستقيم إلا على قاعدة "المواطنة الدستورية" والهوية الوطنية الجامعة التي تجعل من سوريا "أمة بذاتها"، أسوة بنماذج الدول الأخرى مثل سويسرا وبلجيكا وكندا والهند، حيث لم تكن الوحدة والازدهار الاقتصادي نتاج تماثل ثقافي أو لغوي أو أيديولوجي ، بل ثمرة نظام سياسي وقانوني يحترم التعددية ويديرها بعدالة، ويوحد الجميع حول مفهوم "الوطنية الجامعة " القائمة على الحقوق والواجبات والمصالح الوطنية العليا.
ما تحتاجه سوريا ، بعد كل هذا الدمار والمعاناة والتهجير، ليس إعادة تدويرالأحلام القديمة التي لا وجود لها إلا في بطون الكتب والخطابات الشعبوية، بل التأسيس الجاد لدولة قانون ومؤسسات تجعل من دمشق عاصمة حقيقية لجميع السوريين دون استثناء أو تمييز، دولة تعترف بخصوصية كل مكون وتعتز به كجزء من الثراء الوطني، و تبني فوق كل ذلك "هوية المواطنة السورية" . ففي ذلك يكمن خلاص السوريين عبراستعادة السيادة ، والتركيز على بناء الإنسان، والمدرسة، والمشفى، والمصنع، وتطوير اقتصاد منتج يضمن الكرامة للجميع. ونصل إلى سوريا متصالحة مع ذاتها ومع تنوعها، وتحظى باحترام الجيران والعالم، ويكون صوتها مسموعاً في المحافل الدولية ، وتقدم نموذجاً تنموياً وحضارياً وإنسانياً يُحتذى به في منطقة أرهقتها الأيديولوجيات.
لقد آن الأوان لنقولها بصراحة ان سوريا هي "وطن الجميع "، وهي ما تبقى لنا من ركام التاريخ، فإما أن نعيد إعمارها معاً على أسس العدالة والمساواة، أو نظل تائهين في سراديب الأيديولوجيا التي لا تورّث إلا الخراب، فسوريا الجديدة التي يريدها السوريون ، هي دولة وطنية حديثة، تفخر بدمشق وحلب وحمص وحماه واللاذقية ودير الزور والحسكة والقامشلي والسويداء ودرعا وإدلب والرقة وباقي مدنها وقراها ، وتعتبر كل شبر من أرضها مقدساً، وكل إنسان يعيش فوقها مواطن كامل الحقوق، هذا هو الطريق الوحيد لترميم الوجود السوري وإعادة بعثه من جديد "كأمة" حية قوية ، وعادلة.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكرد في سوريا الجديدة ، من العزلة إلى الشراكة .
- عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الج ...
- إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري
- في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية
- الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل؟
- جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟
- قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام ٢٠٢£ ...
- في ظل غياب الشفافية بين دمشق و-قسد-: تفاهمات تحت خط النار
- مشعل التمو :الشعلة التي لا تنطفئ؟
- سوريا: بين كسرالنمط الكولونيالي اوإعادة إنتاج التبعية؟
- عن الهوية السورية
- من دهوك ..هل يعيد الكرد في سوريا هندسة مشهدهم السياسي؟
- الكرد كأمة -لا تاريخية-: قراءة فلسفية وتاريخية في الإشكاليات ...
- تحدّيات الخطاب الكردي في سوريا ، بين الشعاراتية والواقعية..؟
- الكرد: إشكاليّة الهويّة والاعتراف في المشرق العربي
- النقد العادل والإصلاح الممكن :دفاع عن العمل السياسي الكردي
- الكونفراس الكردي : بين الوفد المشترك ودور ENKS
- ثمانِ سنوات على الاستفتاء: إرادة شعبية وإصرار على المشروع ال ...


المزيد.....




- المصممة تيما عابد.. توازن مثالي بين التراث السعودي والأزياء ...
- كبد أسماك القرش..هكذا تذوقت مغامِرة مأكولات الشارع الشهية با ...
- إيران ترفض وقف إطلاق النار المؤقت مع أمريكا وإسرائيل وتُصر ع ...
- شاهد ما قاله محلل أمني عن التحول في أهداف الحرب الأمريكية ضد ...
- العراق.. الحشد الشعبي يعلن تعرض قواته لضربات جوية في محافظتي ...
- محتفلون يستعرضون مجسّمات عملاقة للعضو الذكري خلال مهرجان خصو ...
- تقرير: إسرائيل أعدّت خطة لاستهداف -مواقع استراتيجية- داخل إي ...
- ترامب يحدد زمن الإنذار الأخير قبل -فتح باب الجحيم- على إيران ...
- الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا: بعدما حظرته الشرطة.. القضاء الإ ...
- رشقات صاروخية من إيران وجنوب لبنان على إسرائيل تلحق أضرارا ب ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الوطنية .