أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار














المزيد.....

مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 15:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في خبرٍ أثار تباينًا واضحًا في التناول الإعلامي، أعلنت إيران إسقاط طائرة أميركية من طراز F-15E داخل عمق أراضيها بواسطة الحرس الثوري، معتبرةً ذلك إنجازًا عسكريًا يعكس تطور قدراتها الدفاعية. في المقابل، ركّزت الرواية الأميركية، كما نقلت شبكة CBS News، على نجاح عملية معقدة لإنقاذ أحد طياري الطائرة بعد سقوطها في منطقة نائية داخل إيران، ووصفتها بأنها من أكثر عمليات البحث والإنقاذ حساسية وتعقيدًا في التاريخ الحديث، في تأكيد على كفاءة قواتها وقدرتها على حماية أفرادها حتى في أصعب الظروف.
يمثل هذا الخبر نموذجًا كلاسيكيًا لما يمكن تسميته بـ"إعادة صياغة الحدث" داخل الفضاء الإعلامي، حيث لا يُنكر أي طرف الواقعة الأساسية (إسقاط الطائرة)، لكنه يعيد ترتيب أولويات السرد بما يخدم أهدافه الاستراتيجية والنفسية.
في الرواية الإيرانية، يتقدم الحدث بوصفه إنجازًا عسكريًا نوعيًا. إسقاط طائرة متطورة مثل F-15E في عمق الأراضي الإيرانية يُقدَّم كدليل على تطور منظومات الدفاع الجوي وقدرة الحرس الثوري على فرض سيادة ردعية في مواجهة قوة عسكرية كبرى. الإعلام الإيراني عادةً ما يبني حول هذا النوع من الأحداث خطابًا يتجاوز الواقعة العسكرية إلى بعدها الرمزي، فيربطه بمفاهيم "الهيبة" و"كسر التفوق الأميركي"، ويستثمره لتعزيز المعنويات الداخلية وإرسال رسالة إقليمية بأن ميزان الردع لم يعد مختلًا كما كان في السابق. في هذا السياق، يصبح الحدث ليس مجرد إسقاط طائرة، بل تأكيدًا على سردية الصمود والتفوق النسبي.
في المقابل، تعيد الرواية الأميركية ترتيب مركز الثقل في الخبر. بدل التركيز على خسارة الطائرة، يتم تسليط الضوء على نجاح عملية الإنقاذ. وصف العملية بأنها "واحدة من أكثر عمليات البحث والإنقاذ تعقيدًا وحساسية" ليس تفصيلاً بريئًا، بل هو محاولة لتحويل الانتباه من لحظة الخسارة إلى لحظة الكفاءة والاحتراف. هنا يُعاد تعريف النجاح: ليس في تجنب الخسارة، بل في إدارة تبعاتها بفعالية عالية. هذا النوع من الخطاب يهدف إلى طمأنة الجمهور الداخلي بأن المؤسسة العسكرية قادرة على حماية أفرادها حتى في أصعب الظروف، كما يحافظ على صورة الجيش كقوة منظمة لا تترك جنودها خلفها.
المفارقة الإعلامية تظهر بوضوح في "زاوية الالتقاط": الحدث واحد، لكن العدسة مختلفة. الإعلام الإيراني يلتقط لحظة الإسقاط بوصفها الذروة، بينما الإعلام الأميركي يختار لحظة الإنقاذ كنقطة ارتكاز. كل طرف يمارس ما يُعرف في الدراسات الإعلامية بـ"التأطير" (Framing)، حيث يتم انتقاء جزء من الواقع وتكبيره ليصبح هو القصة الأساسية، بينما تُهمَّش أجزاء أخرى.
من زاوية تحليلية أعمق، يمكن القول إن الطرفين يمارسان نوعًا من "إدارة الإدراك". إيران تسعى إلى ترسيخ صورة الردع والقدرة، بينما الولايات المتحدة تسعى إلى حماية صورة التفوق المؤسسي وتقليل أثر الاختراق أو الفشل التكتيكي. كلا السردين لا يكذب بالضرورة، لكنه ينتقي ويعيد ترتيب الحقيقة.
أما من حيث التقييم، فيمكن اعتبار كلا الخطابين ناجحًا نسبيًا ضمن جمهوره المستهدف. الخطاب الإيراني فعّال داخليًا وإقليميًا لأنه يعزز الشعور بالقوة ويغذي خطاب المقاومة، بينما الخطاب الأميركي فعّال داخليًا لأنه يحافظ على الثقة بالمؤسسة العسكرية ويحول الخسارة إلى قصة احتراف وإنقاذ. لكن على المستوى الدولي أو لدى المتلقي المحايد، قد يظهر التناقض بوضوح، ما يفتح الباب للتشكيك أو البحث عن مصادر متعددة لفهم الصورة الكاملة.
في النهاية، هذا المثال يعكس حقيقة أساسية في الإعلام السياسي: الأخبار في سياق الصراع ليست مجرد نقل للوقائع، بل هي ساحة موازية للمعركة، تُستخدم فيها اللغة والانتقاء والزوايا لصناعة معنى يتجاوز الحدث نفسه.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل


المزيد.....




- صور أقمار صناعية تظهر حفرا جراء تدمير القوات الأمريكية لطائر ...
- سقوط شظايا بعد اعتراض هجوم على شركة نظم رنين في أبوظبي وإصاب ...
- من الأهواز إلى قم فطهران.. مراسل الجزيرة نت يوثق كيف تسير ال ...
- هدنة الـ45 يوما بين واشنطن وطهران.. هل تنجح وساطات اللحظات ا ...
- هل الساعة 8:00 مساء الثلاثاء.. سيوجه ترامب ضربته لإيران؟
- ارتباك القرار الإيراني يعمق مسار المواجهة
- نواب من كوريا الجنوبية: كوريا الشمالية تبتعد عن إيران
- إيران على حافة الهاوية.. والمنطقة أمام فصل مصيري
- إعلام إسرائيلي: مقتل شخصين بضربة إيرانية استهدفت مبنى سكنيا ...
- فيديو الظهور الأول للمرشد الجديد بإيران يشعل المنصات.. ما قص ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار