أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 15:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
جاء قرار الرئيس ترامب أمس بإقالة رئيس أركان الجيش ومعه بضعة جنرالات كبار في الجيش الامريكي ليعيد النقاش حول العلاقة بين المدنيين والعسكريين في الولايات المتحدة، وطبيعة علاقة الجيش الامريكي بالسياسة، وليضيف مادة جديدة لتلك العلاقة التي طالما كانت ملتبسة وغير مريحة للطرفين، ولتعزز عدم الثقة التاريخي بين الجهاز العسكري والجهاز السياسي في أقوي دول العالم...
والعلاقة بين الجيش الامريكي والسياسة، وبين المدنيين والعسكريين حكمها مجموعة متنوعة من المحددات والتشابكات، من أبرزها:
١ ــ ان الجيش الامريكي جزء من تراث الغرب في بناء وتكوين الجيوش الحديثة، وهي جيوش طبقة قبل أن تكون جيوش أمة، أي انها نشأت تابعة للطبقة الرأسمالية وتأتمر بأمرها، بحكم أنها هي من أنفقت علي تكوين جيوشها واستخدمتها في تحقيق مصالحها...
ففي العصور الوسطي كان لكل نبيل جيشه الصغير الذي يحمي ضياعه وممتلكاته، وكان النبلاء يقدمون أفراد جيوشهم للملوك عندما يحتاجونها للغزو أو التدخل في بلاد اجنبية...
ومع نهاية العصور الوسطي واضمحلال طبقة النبلاء وبزوغ طبقة جديدة هي طبقة التجار، التي سرعان ما تحولت الي طبقة رأسمالية ــ تجارية في البداية ثم صناعية ثم مالية ــ أصبحت الجيوش في خدمة السادة الجدد وهم الرأسماليون، لدرجة ان بعض الشركات في بداية العصر الرأسمالي كانت لها جيوشها الخاصة مثل شركة الهند الشرقية (البريطانية)...
وبسيطرة الطبقة الرأسمالية علي جهاز الدولة في غرب اوربا وأمريكا الشمالية اصبح الجيش ــ وهو جزء من جهاز الدولة ــ في خدمة الطبقة الرأسمالية ومحققا لمصالحها حول العالم... أي أن ما يسمونه في الغرب ــ تجميلا ــ سيطرة المدنيين علي العسكريين، هو في حقيقته سيطرة الرأسماليين علي الجيش وتحويله لمؤسسة تعمل في خدمتهم...
٢ ــ ان العلاقة بين العسكريين والطبقة الرأسمالية في الولايات المتحدة سادها الالتباس منذ البداية، فمن ناحية حدث تداخل غريب بين الجهاز العسكري والجهاز الصناعي في امريكا جعل رئيسا أمريكيا عسكريا ــ هو الجنرال دوايت ايزنهاور ــ يحذر في خطابه الوداعي للأمة الامريكية في يناير ١٩٦١ من خطورة ما أسماه المجمع الصناعي ــ العسكري الذي أصبح نفوذه محسوسا في كل ركن في الحياة الأمريكية... وهو الصورة المعاصرة لشكل العلاقة بين العسكريين وبين الرأسماليين...
ومن ناحية اخري كان هناك الشك التقليدي من العسكريين في الرؤساء الامريكيين ومعاونيهم، وهم مجموعات السياسيين الذي قدمتهم الطبقة الرأسمالية لملأ المجال العام، واصطناع شكل تداول السلطة بين مجموعات متنافسة، مع ان السلطة الحقيقية كانت دوما في مكان أخر...
٣ ــ كان عدم الثقة والشك التقليدي من العسكريين في السياسيين الامريكيين ينام مؤقتا في أوقات السلم، بينما كان الشك وعدم الثقة يصل الي الاحتكاك المباشر وشبه الصدام في أوقات الحروب...
والأمثلة علي ذلك شهيرة، منها مثلا امتناع قادة الجيش الامريكي تنفيذ كثير من مطالب وأوامر رئيس لا يثقون فيه كثيراً هو الرئيس ريتشارد نيكسون أثناء حرب فيتنام، بل وكانوا كثيرا ما يحجبون عنه معلومات مهمة تتعلق بحقيقة الاوضاع في حرب فيتنام !!
وقبلها اختص قائد الجيش الامريكي في الشرق الاقصي اثناء الحرب الكورية ماك أرثر بتقرير سياسة خاصة به بعيدا عن السياسيين في واشنطن لشكه في كفاءتهم، مما أدى في النهاية الي الطلب اليه بتقديم استقالته... وغير ذلك من وقائع مشهورة...
٤ ــ كان لدي العسكريين فهم خاص لدورهم ووظيفتهم، ولطبيعة استخدام القوة في الصراعات الحديثة، وكان رئيس هيئة الاركان المشتركة للجيوش الامريكية الاسبق كولين باول ــ ووزير الخارجية الامريكي فيما بعد ــ أبرز من عبر عن ذلك بقوله ان استخدام القوة العسكرية في الحروب الحديثة لابد ان يكون صارما الي أبعد حد، وليس أمرا مطلقا لنزوات كل رئيس امريكي وهواه، والمبدأ الثاني في ضوابط استخدام القوة في الصراعات الحديثة هو أنه لابد ان يكون الهدف من الحرب محددا بدقة تامة لا تسمح بأي لبس، ودقة الهدف سوف يساعد علي دقة الخطط، وتجهيز وتوفير مستلزماتها، وبالتالي فمعرفة النصر من الهزيمة شيئا يمكن قياسه بسهولة وبدون اختلاف في الاراء...
ولكن جاء الشك ثم عدم الثقة ثم الاحتكاك من أن اغلب الرؤساء الامريكيين لم يلتزموا بهذه الضوابط البديهية التي وضعها الجيش الامريكي - ويضعها أي جيش يحترم نفسه - للجهاز السياسي في بلده، فكان لكل رئيس امريكي حربه الخاصة، التي يجرب فيها حظوظه ويضع بها اسمه في التاريخ... وكان ذلك شبه مسموح به مادام يحقق الحد الادني علي الاقل من مطالب العسكريين الامريكيين، ولكن وصل الامر الي حدود غريبة وغير مقبولة مع بعض الرؤساء، فبيل كلينتون يستخدم الجيش الامريكي في ضربات جوية في بعض البلدان للتغطية علي افعاله غير اللائقة مع متدربة في البيت الابيض وجد الوقت ــ وهو رئيس اقوي واهم دول العالم ــ لممارسة الرذيلة معها او صورة غير شائعة منها، كما اعترف بنفسه...
والرئيس الذي يليه جورج بوش الابن يدخل في حروب ــ كحرب افغانستان وحرب العراق ــ بدون تحديد هدف واضح لكلا الحربين، يمكن معه قياس النصر او الهزيمة، ثم يدخل في حرب هلامية، زمانها غير محدد ومكانها هو العالم كله، وهي ما اسماها "الحرب علي الارهاب"، بدون أن يفهم أحد ما هو معني الارهاب... ولا من هم الارهابيين، وهو ما جعل كثيرين يرون ان الارهاب والارهابيين في نظر الولايات المتحدة هم كل من لا ترضي عنه أمريكا أو من يقف في وجه سياستها وخططها، من ياسر عرفات وأحمد ياسين في فلسطين، إلى قادة دول مثل كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا... وما يستجد من دول واشخاص، استحقوا الغضب الأمريكي، ومن ثم حق عليهم اعتبارهم ارهابيين من وجهة نظر أمريكا !!
٥ ــ ان الالتباس الكبير والشك وعدم الثقة بين الجهاز العسكري والجهاز السياسي الأمريكي يجعلنا نضع السؤال التالي علي دائرة النقاش...
هل يستولي الجيش الامريكي علي السلطة السياسية في امريكا ؟!
والجواب أن ذلك مستبعد بالطبع... بحكم نشأة الجيش الامريكي كجيش تابع لطبقة، ولكن مع تزايد الاحتكاك المباشر بين العسكريين والطبقة السياسية الأمريكية، واغلب افرادها في العقود الاخيرة عديمو الموهبة باستثناءات بسيطة يجعلنا نفكر في حدود ما يمكن ان تصل اليه علاقة الجيش الامريكي بالسياسة في المستقبل...
اولا الجيش في أي دولة هو الحائط النهائي لوحدة الدولة وتماسكها، والدولة الامريكية يحكمها توازن هش برغم ما يبدو للمتابع من خلاف ذلك... فالشعب الامريكي أعراق وقوميات وأديان متعددة، وتلك وصفة تشرذم اكثر منها وصفة وحدة، بالاضافة إلي ذلك ليس في امريكا ــ كبريطانيا ــ مؤسسة ملكية يعيش الجميع تحت ظلها كعنصر وحدة وتجمع لكل طوائف الشعب، وليس فيها ــ في امريكا ــ كنيسة رسمية واحدة، او مذهب ديني سائد، فالمسيحيين هناك طوائف، منهم البروتستانت ( نسبتهم ٤٠٪ تقريبا، وينقسمون الي مجموعة طوائف كالإنجليين المعمدانيين والخمسينيين والميثوديين واللوثريين) والكاثوليك (نسبتهم ٢٣٪ تقريبا) والارثوذكس ( نسبتهم ٢٪ تقريبا) والمرمون، وطوائف مسيحية أخري أقل عددا، وبجانب الطوائف المسيحية هناك أديان أخري كالمسلمين واليهود والبوذيين واللادينيين، وأعدادهم في ازدياد...
وما يجمع كل تلك الأديان والطوائف والأعراق للعيش معا بدون مشاكل كبيرة هو الفرص التي تقدمها الدولة الامريكية لقاطنيها، وأحوال الغني والثروة في امريكا، ولكن تلك الوصفة ليست مضمونة للأبد، علي العكس، فنصيب الولايات المتحدة من الثروة العالمية تضاءل بشدة في العقود الاخيرة، والقوة العسكرية الامريكية وحدها هي ما تحفظ للدولة الامريكية غناها، فبواسطتها تتحكم أمريكا في المضايق والممرات البحرية الرئيسية في العالم، وبواسطة القواعد العسكرية الامريكية المنتشرة في دول كثيرة حول العالم وفي بحار العالم الرئيسية ومحيطاته تسيطر علي التفاعلات العالمية، وتتحكم في أهم سلعة استراتيجية وهي البترول، وتفرض عملتها - الدولار - علي التعاملات العالمية بالقوة...
وفي حالة اضمحلال القوة الامريكية وظهور منافسين اقوياء ــ وذلك من سنن الطبيعة ــ سوف يتلاشي الغني الامريكي وتتضاءل الثروة الامريكية وتكف الولايات المتحدة عن كونها أرض الفرص وأرض الاحلام... وهنا سوف تظهر ــ ولابد ان تظهر ــ التناقضات الرئيسية في الحياة الأمريكية، والتي تكفلت احوال الغني والثروة بالتغطية عليها مؤقتا...
سوف يظهر الاحتكاك بين الاديان المختلفة في امريكا، بل وفي الطوائف المختلفة داخل الدين الواحد، وسوف يزداد الشد والجذب بين عشرات القوميات والاعراق داخل الدولة الامريكية، ومع تراجع الغني وازدياد الفقر سوف تنتشر الجرائم بمختلف انواعها، وفي دولة يمسك بالسلاح الشخصي اغلب افرادها فحدوث ما يشبه الحرب الاهلية سوف يكون أمرا مفروغا منه... وإذا أضيف الي كل ذلك نزعة كثير من الولايات داخل الدولة الامريكية الي ترك الاتحاد والاستقلال عن الدولة فسوف يصبح تفكك الدولة الامريكية أمرا ليس مستبعدا...
وهنا سوف يأتي دور الجيش الامريكي...
وكما قلت فإن الجيش في اي دولة هو الحائط الاخير ضد تفكك الدولة او الحرب الاهلية، وفي احوال مثل ما ذكرنا يمكن ان يكون إمساك الجيش الامريكي بالسلطة السياسية هو البديل الوحيد المتاح... ولكن حتي هذا البديل سوف يكون بديلا مؤقتا وليس مضمون النجاح، فالجيش في أي دولة هو انعكاس لطبيعة الحياة في تلك الدولة، ومجموع افراده هم نفس افراد الذين يعيشون علي أرض تلك الدولة، ويأتون للجيش بكل تناقضاتهم في الحياة المدنية...
وما يهمنا في هذا النقاش هو أن هناك احوال من المحتمل أن تحدث في المستقبل تحتم علي الجيش الامريكي اخذ السلطة في يده منعا لانهيار الدولة الامريكية او تفككها...
وحتي يأتي ذلك الوقت فالاحتكاك الخشن بين طبقة عسكرية محترفة ومهنية وبين طبقة سياسية تخلو من اي مواهب تفرض احترامها، بل علي العكس بان أمام الشعب الامريكي وامام العالم كله مدي انحرافاتها ولا اخلاقيتها سوف يزداد ويصنع معه تاريخا مستمرا من الشك وعدم الثقة، حتي تأتي احوال مستجدة تفرض علي الطرف الاقوي التصرف... وقول كلمته النهائية...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟