أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم














المزيد.....

إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 12:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial
مجرد التلويح بقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين، لا يضعنا أمام خلافٍ سياسي، بل أمام جرمٍ مريع يمسُّ ثوابتَ الضمير الإنساني، التي استقرّت بعد حروبٍ دفعت البشريةُ فواتيرها دمًا وخرابًا وويلاتٍ. ففكرة "الأسير" في القانون الدولي لم تُنشأ لتجميل وجه الحروب، فهو قبيح في كل حال، بل لتقييد آماد الغلواء فيها، لتذكير المتحاربين بأن هناك حدًا لا يجوز اختراقه، مهما اشتدّ الصراع. ففي قلب الجحيم، يجب أن تظل للإنسان حرمة.
الاتفاقية الثالثة، من اتفاقيات جنيف، الخاصة بأسرى الحرب، والتي أُقرّت بعد ويلات الحرب العالمية الثانية، تحدد أن الأسرى أشخاص أصبحوا "خارج دائرة القتال"، فاقدي السلاح والقدرة على المقاومة، وبالتالي يكتسبون حماية قانونية كاملة. هذه الحماية لا تقتصر على منع تعذيبهم أو إهانتهم، بل تمتد لتشمل الحق في الحياة بكرامة داخل معسكرات الاحتجاز، مع توفير الغذاء والرعاية الطبية والزيارات. ولا يجوز تعريض الأسير لأي عقوبة دون محاكمة عادلة تستوفي كافة الضمانات القانونية. وأثناء الاستجواب، لا يُجبر على الإدلاء إلا بمعلومات أساسية كالاسم والرتبة والرقم العسكري، ولا يجوز تعذيبه لاستخلاص معلومات.
كل ما سبق ثابتٌ لا فصال فيه. غير أن الموضوعية تقتضي التمييز بين الوقائع وصدمة الشائعة. فالمتداول في الفضاء العام عن “قرار إعدام الأسرى”، لا يعكس الصورة القانونية الدقيقة. فما أُقرّ داخل الكنيست الإسرائيلي هو تشريع يفتح الباب أمام فرض عقوبة الإعدام في حالات محددة متورطة في أعمال العنف، وليس قرارًا فوريًا بإعدام جماعي عشوائي للأسرى، كما أُشيع. تلك المسافة بين الحقيقة وصداها الإعلامي ليست تفصيلًا هامشيًا، بل هي جوهرُ المسألة. لأن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تنفيذ الإعدام، بل في تقنين إمكانيته، أي تحويله من فعل استثنائي مُدان إلى خيار قانوني مشروع. وفي خضمّ هذا التحليل، ينبغي ألا ننسى ما شهدته غزة من مجازر عمياء ارتكبها الاحتلال الصهيوني، فالنقاش ينعقد فوق أرضٍ مثقلةٍ بالدم والضحايا.

غير أن الدم لا يُطفئ السؤال الأخلاقي، بل يشعله: فحين يصبح إعدام الأسير احتمالًا؛ فإن الحماية التي كرّستها "اتفاقيات جنيف" تتعرّض لتآكلٍ تدريجي، عبر "شرعنة الاستثناء”. فالقوانين لا تُهدم دائمًا بقرارات صاخبة، بل أحيانًا بنصوصٍ “منضبطة” ظاهريًا، تُبقي الشكلَ وتفرِّغ المضمون، وهذا أخطر.
وليس هذا فحسب؛ فالقانون الدولي لا يعترف بمنطق "الانتقام" كذريعة للفُجر في الخصومة. فلا يجوز لدولةٍ أن تُبرّر إعدام الأسرى ردًا على أفعالٍ سابقة، أو بدعوى الردع. فالقانون وُضع تحديدًا ليكبح هذا المنحدر الأخلاقي، الذي إن فُتح بابُه، تحوّلت الحروبُ إلى مذابحَ فوضويةٍ لا قيود لها ولا أخلاق. وثمّة بُعدٌ "نفسيٌّ" آخر لا يقل خطورة. ذاك أن إعدام الأسرى لا يهدد الضحايا المباشرين وحسب، بل يهدد فكرة "الأَسْر" ذاتها. فإذا فقد المقاتلُ ثقتَه في أنه سيُعامل بكرامة كـ"أسير حرب" إن استسلم، فسوف تزداد وحشية المعارك، وتتسع دوائرُ الدم. هكذا يتحول خرق قاعدة واحدة إلى سلسلة من الانهيارات الأخلاقية والقانونية.
الأهمُّ والأخطر من وجهة نظري، هو أن المسألة لا تتعلق وحسب بنصوصٍ قانونية، بل بفلسفةٍ كاملة تأسست عليها فكرة “الإنسان” في العصر الحديث. فبعد كوارث القرن العشرين، لم تعد الحياةُ حقًا تمنحه الدولةُ أو تمنعه، بل هي قيمةٌ عُليا لا يجوز مسّها إلا وفق إجراءاتٍ قانونية وأخلاقية بالغة الصرامة والتعقيد. والأسير هو الاختبار الأصعب لتلك الفلسفة: هل نحمي الإنسانَ حين يكون أعزلَ، أم نعيد تعريفه وفق ميزان القوة والسلطان؟
يخبرنا التاريخُ أن الانحدارَ دائمًا ما يبدأ بخطوةٍ صغيرة تُبرَّر بالضرورة أو الاستثناء. ثم لا يلبث الاستثناءُ أن يتحول إلى قاعدة، وتصبح القسوةُ عادةً، ويبهتُ الحسُّّ الأخلاقي شيئًا فشيئًا. لذلك، فإن الصمتَ على فكرة إعدام الأسرى لا يعني فقط قبول انتهاكٍ راهن، بل تمهيد الطريق لانتهاكاتٍ أوسع في المستقبل. والمسألة تتجاوز أطراف الصراع لتطال النظام الدولي برمّته. فإذا تآكلت القواعدُ التي تنظّم الحروب، فإننا نعود إلى "قانون الغاب"، حيث لا معيار إلا القوة والغَلَبَة، ولا حماية إلا لمن يملكهما. وحينها، لن يكون أيُّ إنسان، في أي مكان، بمنأى عن أن يصبح "أسيرًا بلا حقوق”.
إن الدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد موقف سياسيّ، بل هو دفاع عن الحد الأدنى من إنسانيتنا المشتركة. فالقانون الدولي لم يُكتب لينحاز لهذا الطرف أو ذاك، بل ليحمي "الإنسانَ" حين يصبح في أضعف حالاته: أعزلَ، مقيّدًا، في قبضة خصمه. وفي النهاية، يبقى السؤالُ معلقًا فوق ضمير العالم: هل نسمح بأن يُعاد تعريف الأسير من “إنسانٍ تحت الحماية” إلى "هدفٍ مستباح”؟ إذا حدث ذلك، فلن يكون الضحايا هم الأسرى وحدهم، بل العدالة والضمير.



***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!


المزيد.....




- عيد الفصح في سوريا: صلوات بلا احتفالات ورسالة تضامن مع إحدى ...
- كفن المسيح: هل حسم العلماء لغز -أقدس- قطعة قماش عرفها التاري ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان تستهدف تجمّعاً لآليات وجنود جيش ...
- استشهاد العميد -مجيد خادمي- رئيس جهاز استخبارات حرس الثورة ا ...
- السودان.. إعادة هيكلة الجيش تعيد الإخوان إلى قلب السلطة
- الاعلام الامريكي يزعم بتلقي الجمهورية الإسلامية الايرانية خ ...
- -المسيح المخلّص-.. كيف تُغذّي الصهيونية المسيحية نرجسية ترام ...
- فصح مثقل بالجراح: حصار للقدس وطبول حرب إقليمية تخيم على احتف ...
- عيد فصح حزين يعيشه مسيحيو المنطقة.. طبول الحرب الإقليمية وحص ...
- تقرير بريطاني: ضرورة تكثيف جهود حماية المسيحيين والإيزيديين ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم