أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأتاتوركي على الجمهور المتدين طوال 25 سنة















المزيد.....

عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأتاتوركي على الجمهور المتدين طوال 25 سنة


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 09:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن رجب طيب أردوغان يومًا مشروعًا إسلاميًا حقيقيًا، ولا قائدًا جاء لينتصر للدين كما تخيّل كثير من البسطاء والمخدوعين، بل كان واحدًا من أمهر المحتالين السياسيين في تاريخ تركيا الحديث: رجل فهم عقدة المتدينين، لعب عليها بوقاحة، وارتدى عباءة الإسلام فقط ليحكم باسمها، ثم مزّقها كلما تعارضت مع مصلحته. هذه هي الحقيقة العارية التي يجب أن تُقال بلا مجاملة: أردوغان لم يخدع العلمانيين، بل خدع المتدينين بالذات، لأنهم كانوا وقوده، وخزان شرعيته، والجمهور الذي أمكن ابتزازه دينيًا وعاطفيًا على مدى ربع قرن.

لقد باعهم الرجل الوهم الكبير: قال لهم إنه جاء ليهزم الجمهورية الكمالية المتغطرسة، فإذا به في النهاية لا يهدمها بل يرثها، ولا يكسّرها بل يلمّعها، ولا يخرج من جلدها بل يلبسه بإتقان. الفرق الوحيد بينه وبين الأتاتوركيين القدامى أنه فهم شيئًا جوهريًا: أن زمن احتقار المتدينين علنًا انتهى، وأن الطريق الأمثل للسيطرة عليهم ليس قمعهم، بل احتضانهم كذبًا، ومخاطبتهم بلغتهم، ثم تحويلهم إلى قطيع سياسي يصفّق للحاكم وهو يدهس كل القيم التي يدّعي تمثيلها.

أردوغان لم يكن عدوًا للأتاتوركية، بل نسخة أكثر خبثًا منها. الأتاتوركي القديم كان يضرب المتدين على وجهه ويقول له: اخرس. أما أردوغان فقال له: أنت تاج رأسي، ثم مد يده إلى جيبه وسرق عقله وكرامته ودينه معًا. الأول أهان المتدين بصراحة، والثاني خدّره بالمواعظ والشعارات والدموع والخطابات المسرحية، ثم استعمله مطية للوصول إلى سلطة مطلقة. ولهذا كان خداع أردوغان أخطر، لأنه لم يأتك بوجه خصمك، بل بوجه من ادعى أنه واحد منك.

ما الذي قدمه للمتدينين فعلًا؟
أعطاهم رموزًا، وأخذ منهم الجوهر.
أعطاهم خطابًا دينيًا، وأخذ منهم الحرية.
أعطاهم مظهر انتصار ثقافي، وأخذ منهم القدرة على محاسبة الحاكم.
أعطاهم مساجد أكثر، وخطبًا أكثر، ودموعًا أكثر، لكنه في المقابل بنى نظامًا يقوم على الطاعة، وتقديس الزعيم، وتبرير الفساد، وتحويل كل اعتراض إلى خيانة، وكل نقد إلى مؤامرة، وكل سؤال أخلاقي إلى خدمة للأعداء.

لقد نجح أردوغان في تحويل قطاع واسع من المتدينين من جمهور يفترض أن يحاسب الحاكم باسم الدين، إلى جمهور يحمي الحاكم من الدين. وهنا قمة الانحطاط السياسي والأخلاقي. بدل أن يكون الإسلام ميزانًا يُوزن به الحاكم، صار عند أتباعه طبلة تُقرع دفاعًا عنه. لم يعد السؤال: هل هذا الرجل عادل؟ هل هو نزيه؟ هل يمنع الظلم؟ هل يصون المال العام؟ هل يحترم الإنسان؟ بل صار السؤال الوحيد: هل هو ضد العلمانيين؟ هل يغضب خصومنا؟ هل يرفع شعارات دينية؟ إذا فعل ذلك، سُمح له بكل شيء، من القمع إلى المحسوبية إلى عبادة الشخصية.

أي إسلام هذا الذي يُختزل في الحجاب والخطب والنوستالجيا العثمانية، بينما تُسحق العدالة سحقًا؟
أي تدين هذا الذي يرتجف غيرةً على الرموز، لكنه لا يرف له جفن أمام الظلم حين يصدر من “زعيمنا”؟
أي أخلاق هذه التي تلعن خصوم السلطة صباحًا ومساءً، ثم تخرس تمامًا حين تتحول الدولة إلى مزرعة ولاءات ومصالح ومنافع؟

الحقيقة أن أردوغان فهم عقول كثير من الإسلاميين والمحافظين أكثر مما فهموا هم أنفسهم. فهم أنهم مجروحون من إهانات الماضي، وأنهم يتوقون إلى انتقام رمزي من النخبة الكمالية، وأنهم مستعدون لتصديق أي رجل يمنحهم شعورًا بالكرامة ولو كان يسرقهم في وضح النهار. ومن هنا بدأت عملية النصب الكبرى: أعطاهم الرجل شعورًا نفسيًا بالانتصار، بينما أخذ منهم السياسة، والمؤسسات، والأخلاق، والقدرة على التمييز بين الدين والحزب، بين المقدس والدعاية، بين نصرة القيم ونصرة الزعيم.

لقد حوّل الدين إلى زي رسمي للسلطة. يلبسه حين يريد تعبئة الشارع، ويخلعه حين يريد صفقة، ويعدّله حسب المقاس حين يحتاج إلى تبرير قمع أو تحالف أو انعطافة أو كذبة جديدة. الدين عنده لم يكن عهدًا أخلاقيًا، بل صندوق أدوات. آية هنا، دعاء هناك، دمعة على منصة، حديث عن الأمة، حديث عن القدس، حديث عن التاريخ، حديث عن المظلومين، ثم في النهاية تجد أن كل هذا الركام الخطابي لم يكن إلا دخانًا كثيفًا يغطي الحقيقة المركزية: بقاء الحاكم في الحكم، ولو دُفن تحت قدميه كل شيء.

ويا للسخرية، كم من متدين بسيط ظن أن هذا الرجل “يخدم الإسلام”، بينما كان في الواقع يخدم أقدم تقاليد الدولة التركية: المركزية، وتعظيم السلطة، وتقديس الدولة، وصهر المجتمع، وإخضاع المؤسسات، وإنتاج المواطن المطيع. لم يفعل أردوغان سوى أنه ألبس هذه التقاليد لحية، وربطها بخطاب عثماني، ووضع فوقها مسحة محافظة، ثم قدّمها لجمهوره المخدوع على أنها نهضة إسلامية. إنها ليست نهضة، بل عملية تجميل سياسية لجثة قديمة.

حتى عداؤه المعلن للعلمانية لم يكن في كثير من الأحيان إلا مسرحية نافعة. فهو لم يحرر الدين من قبضة الدولة، بل أدخل الدين أكثر فأكثر في ماكينة الدولة. لم يجعل العلماء رقيبًا على السلطان، بل جعل منابر كثيرة أبواقًا له. لم يرفع الأخلاق فوق المصلحة، بل جعل المصلحة هي المعبود الحقيقي، ثم طلب من الجمهور أن يصفق لها وهي ترتدي عباءة الدين. هذه ليست قيادة إسلامية، بل إهانة متواصلة للدين باسم الدفاع عنه.

على امتداد خمسة وعشرين عامًا، لم يبنِ أردوغان مجتمعًا متدينًا حرًا، بل بنى جمهورًا مشروط الوعي، مكسور البوصلة، يخلط بين الإيمان والولاء الحزبي. ربّى أتباعه على فكرة واحدة: لا تنظروا إلى ما نفعل، بل إلى من يكرهنا. لا تسألوا عن العدالة، بل عن هوية الخصم. لا تحاسبوا الزعيم، بل احقدوا على أعدائه. وهكذا انحدر جزء من التدين من منظومة قيم إلى غريزة اصطفاف.

كان يمكن للمتدينين أن يكونوا قوة أخلاقية تصحح الدولة التركية وتكسر استبدادها القديم، لكن أردوغان حوّلهم إلى حراس جدد للاستبداد نفسه. استبدل قمعًا فظًا بقمع أكثر نعومة، واستبدل نخبة متكبرة بنخبة منافقة، واستبدل إهانة التدين بإفساده من الداخل. وهذه جريمة أكبر. لأن من يضربك من الخارج قد يوقظك، أما من يفسد وعيك من الداخل فيجعلك تدافع عن سجّانك باعتباره منقذك.

بعد كل هذه السنين، ماذا بقي من كل الوعود؟
هل أصبحت تركيا أكثر عدلًا؟
هل صار الحاكم أكثر خضوعًا للمحاسبة؟
هل صار الفساد أقل؟
هل صار الدين أرفع من المصلحة؟
هل أصبحت الدولة أكثر رحمة وأقل بطشًا؟
أم أن كل ما حدث هو أن آلة الدولة نفسها بقيت على وحشيتها، لكنها تعلمت أن تقول “بسم الله” قبل أن تسحق خصومها؟

هنا تنكشف الخدعة كلها: أردوغان لم يرفع الدين، بل استعمله. لم يحمِ المتدينين، بل استثمر في هشاشتهم النفسية والسياسية. لم يهزم الأتاتوركية، بل نقلها من الثكنة إلى المسجد، ومن خطاب الجمهورية الجاف إلى خطاب محافظ مليء بالعاطفة الرخيصة. إنه ليس نقيض الأتاتوركية، بل ابنها البار، فقط بلهجة أكثر شعبية وملامح أكثر قدرة على التمثيل.

ولذلك فإن أكبر كارثة لم تكن في أن أردوغان حكم تركيا طويلًا، بل في أنه أقنع ملايين الناس بأن الوقوف معه جزء من الوقوف مع الدين. هذه هي الجريمة الفكرية والأخلاقية الكبرى. لقد لوّث المسافة بين الله والحاكم، بين الإيمان والولاء، بين المقدس والمصلحي، حتى صار كثيرون لا يميّزون أين ينتهي الإسلام وأين تبدأ دعاية القصر.

في النهاية، لم يكن أردوغان بطلًا للمسلمين، بل كان واحدًا من أكثر السياسيين مهارة في الاتجار بهم. جعلهم يهتفون باسم الدين وهم يوسّعون سلطته، ويبكون على الأمة وهم يبررون ظلمه، ويدافعون عن “الهوية” وهم يخسرون العدالة والحرية والكرامة. وما لم يعترف الجمهور المتدين بهذه الحقيقة المرة، فسيبقى مستعدًا في كل مرة لأن يُخدع من جديد، ما دام المحتال يعرف كيف يرفع المصحف بيد، ويقبض على الدولة باليد الأخرى.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس ...
- صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية


المزيد.....




- إليك ما ناقشه الرئيسان الأوكراني والسوري بعد لقائهما في دمشق ...
- هدنة الـ45 يوماً على طاولة المفاوضات: تفاصيل -الفرصة الأخيرة ...
- مقتل رئيس استخبارات الحرس الثوري الإيراني بضربات أمريكية إسر ...
- الحرب في الشرق الأوسط: الوساطة المصرية مع دول إقليمية.. نواة ...
- وزير الدفاع الإسرائيلي يعلن قصف أكبر منشأة بتروكيميائية في إ ...
- باكستان ترسل مقترحا لواشنطن وطهران لإنهاء ?الأعمال القتالية ...
- تقنيات في كرسي القذف والخوذة والسّترة: كيف حدد الجيش الأمريك ...
- خلاف أمريكي إسرائيلي حول الهدنة.. هل تعرقل حسابات نتنياهو وق ...
- الكرملين: المنطقة مشتعلة والعواقب سلبية للغاية
- -بذيء ومجنون-.. عندما تصبح لغة الرئيس نفسها أزمة أمريكية


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأتاتوركي على الجمهور المتدين طوال 25 سنة