أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس بأقدامها جيرانها العرب؟















المزيد.....

عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس بأقدامها جيرانها العرب؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 09:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست المشكلة في أن تركيا تريد علاقة جيدة مع أوروبا. هذا حقها، بل ومصلحتها. المشكلة في الإذلال السياسي والأخلاقي الذي يتكرر منذ عقود: انحناءٌ شبه مرضي أمام الأوروبي، يقابله انتفاخٌ وقحٌ أمام العربي. هناك شيء مريض في هذه المعادلة، شيء يكشف أزمة عميقة في وعي الدولة التركية ونخبها، لا يمكن تغطيته بخطابات الدبلوماسية الرخيصة ولا بأغاني “الأخوّة الإسلامية” الموسمية.

تركيا حين تتحدث إلى أوروبا، تتحدث بلسان التلميذ المرتبك أمام الأستاذ المتكبر.
تتودد، تتوسل، تشرح، تبرر، تنتظر الإشارة، وتبتلع الإهانات الواحدة تلو الأخرى.
أما حين تنظر إلى العالم العربي، فكثيرًا ما تنقلب فجأة إلى قوة متعجرفة، جافة، فظة، تتكلم من فوق، وتتصرف وكأن العرب حديقة خلفية، أو مجال حيوي مباح، أو شعوب وُجدت لتُستعمل ثم تُرمى.

هذه ليست ثقة بالنفس.
هذه عقدة خواجة مكتملة الأركان.

العقل السياسي التركي الحديث، أو على الأقل قطاع واسع من نخبته، لم يشفَ يومًا من الهوس الأوروبي. منذ انهيار الدولة العثمانية وهو يطارد اعترافًا أوروبيًا لا يأتي كاملًا أبدًا. يريد أن يصبح “مقبولًا” في النادي الغربي، أن يُنظر إليه بوصفه متحضّرًا، حديثًا، منتميًا إلى المركز لا إلى الأطراف. لكنه في الوقت نفسه يصطدم بحقيقة مهينة: أوروبا لا تنظر إلى تركيا باعتبارها واحدة منها تمامًا، بل باعتبارها جارًا مفيدًا، حارس حدود، سوقًا، قاعدة، جدار صد، وأحيانًا مشكلة يجب احتواؤها.

وهنا تبدأ المأساة النفسية.
الذي يُهان من الأعلى، ولا يملك ردّ الإهانة، يبحث عادةً عمّن هو أضعف منه ليفرغ فيه إحباطه.
وهكذا يتحول العربي، في المخيال التركي الرسمي والشعبي لدى كثيرين، إلى الهدف الأسهل:
لا يكلف كثيرًا، لا يملك وزن أوروبا، لا يملك قدرة العقاب نفسها، ويمكن شتمه واحتقاره واستغلاله ثم الحديث بعد ذلك عن “العلاقات التاريخية” و”الروابط الأخوية”.

كم مرة رأينا تركيا تبتلع من أوروبا ما لا تجرؤ على ابتلاعه من أحد غيرها؟
إهانات سياسية، تسويف، أبواب موصدة، عنصرية ثقافية، مماطلة لا تنتهي، ومع ذلك يبقى الخطاب التركي الرسمي يدور حول “الشراكة” و”التكامل” و”المستقبل الأوروبي”.
لكن حين يتعلق الأمر بالعرب، فجأة يظهر لسان آخر:
لسان التهديد، التحقير، الابتزاز، التدخل، وإعادة تعريف المنطقة كلها وفق المصلحة التركية.

ويا للمفارقة:
حين تحتاج تركيا إلى الأموال العربية، تتذكر الدين والتاريخ والتعاون.
وحين تحتاج إلى النفوذ داخل أرض عربية، تتذكر الأمن القومي.
وحين تريد تبرير احتقارها لبعض العرب، تتذكر فجأة أنها دولة “حديثة” وأن جيرانها متخلفون.
إنه نفاق مكتمل:
يتزين بالدين عند الحاجة، ويتزين بالحداثة عند الحاجة، ويتزين بالقومية عند الحاجة، لكن المعيار الوحيد الثابت هو المصلحة التركية العارية.

ليست المشكلة أن تركيا تدافع عن مصالحها. كل الدول تفعل ذلك.
المشكلة في الاحتقار المضاف إلى المصلحة.
في الفوقية المريضة.
في النبرة التي تتعامل مع العربي ككائن أدنى:
إما كعامل، أو لاجئ، أو ورقة تفاوض، أو أداة في صراعات النفوذ، أو مادة للعنصرية اليومية الرخيصة.

تركيا الرسمية قد لا تقول هذا النص حرفيًا، لكنها مارسته مرارًا في السلوك والسياسات والخطاب العام الذي سمحت له بالنمو داخل مجتمعها.
فالعربي عند كثير من الأتراك ليس جارًا مساوياً، بل ملفًا.
ليس شعبًا له كرامة، بل كتلة يمكن استخدامها أو تحميلها مسؤولية الأزمات.
ليس شريكًا، بل مادة خام للابتزاز السياسي أو للتنفيس القومي.

ولماذا يحدث هذا؟
لأن تركيا، في عمقها النفسي والسياسي، لم تحسم سؤال هويتها.
هي ليست أوروبية بالكامل، ولا تريد أن تكون شرقية بالكامل.
تحتقر الشرق لتثبت للغرب أنها ليست منه، وتتشبث بالغرب كي تهرب من شعور قديم بالنقص، ثم حين يرفضها الغرب أو يضعها في مكانها، تعود لتنفجر في وجه العرب تحديدًا، لأنهم الحلقة الأضعف في هذه الدراما النفسية الطويلة.

إنها دولة تريد من الأوروبي أن يصفق لها كندّ، لكنها حين تفشل في انتزاع هذا الاعتراف، تسرع إلى المنطقة العربية لتلعب دور السيد.
وهكذا نرى المشهد البائس:
تواضع مهين أمام من يحتقرك، وغرور سمج أمام من تظنه أضعف منك.

وهنا يجب قول ما لا يحب كثيرون سماعه:
جزء من النخبة التركية لا يرى في العالم العربي إلا مسرحًا مناسبًا لتعويض عقده.
يعجز عن فرض نفسه على أوروبا بالقدر الذي يحلم به، فيأتي إلى الجوار العربي منتفخًا بالدبابات والخطابات والمخابرات والشعارات، وكأنه وجد أخيرًا من يستطيع أن يستعرض عضلاته عليه.
هذه ليست زعامة.
هذه بلطجة تعويضية.

والأقبح من ذلك أن بعض الخطابات التركية تحاول تسويق هذا السلوك على أنه نوع من “القيادة الإقليمية” أو “المسؤولية التاريخية”.
أي مسؤولية هذه التي تتحدث بلغة الأخ الأكبر حينًا، ولغة المحتل الرمزي حينًا آخر، ولغة السمسار حينًا ثالثًا؟
أي أخوّة هذه التي تتبخر لحظة تتعارض مع حسابات الأمن والاقتصاد والانتخابات؟
أي إسلام هذا الذي يُرفع شعارًا حين تحتاج تركيا جمهورًا عربيًا، ثم يُرمى جانبًا حين يبدأ الأتراك في شتم اللاجئ العربي واعتباره عبئًا وقذرًا وغريبًا؟

الحقيقة أن تركيا، أو بالأحرى جزءًا وازنًا من دولتها ونخبها ومزاجها العام، لا يريد من العربي احترامًا متبادلًا، بل يريد علاقة عمودية:
هو في الأعلى، والعربي في الأسفل.
هو يقرر، والعربي يتلقى.
هو يبتز، والعربي يشكر.
هو يتدخل، والعربي يصمت.
فإذا اعترض العربي، اتُّهم بالجهل أو نكران الجميل أو العداء لتركيا.

لكن السؤال الأهم ليس: لماذا تفعل تركيا ذلك؟
بل: لماذا سمح العرب لها أحيانًا أن تفعل ذلك؟

لأن العالم العربي نفسه مفكك، ضعيف، ومليء بأنظمة ونخب فقدت القدرة على فرض احترامها.
ولأن بعض العرب، بسذاجة أو مصلحة أو جهل، صدقوا أن كل خطاب عثماني دافئ يعني أخوّة، وأن كل ابتسامة تركية تعني حسن نية، وأن كل تدخل تركي هو إنقاذ لا نفوذ.
فُتحت الأبواب، ثم بدأ الاستعلاء.
وكلما ازداد الضعف العربي، ازداد الغرور التركي.

لكن مهما حاولت تركيا تجميل هذا السلوك، تبقى الحقيقة قبيحة:
الدولة التي تتصرف كالقط أمام أوروبا، ثم كالأسد على العرب، ليست دولة عظيمة، بل دولة مأزومة.
الدولة التي تبحث عن كرامتها في رضى الغربي وتهين جيرانها لتعويض نقصها، لا تقود منطقة، بل تنشر مرضها فيها.
والنخبة التي تنحني للغرب وتتباهى على العربي ليست نخبة واثقة، بل نخبة مصابة بدونية متخفية داخل قشرة قومية صاخبة.

العلاقة السليمة بين تركيا والعرب لا يمكن أن تُبنى على هذه المعادلة المريضة.
لا على التبجيل الساذج لتركيا، ولا على السماح لها بلعب دور السيد المتعالي، ولا على قبول خطاب مزدوج يتوسل أوروبا صباحًا ويصفع العربي مساءً.
إما احترام متبادل بين جيران متساوين، أو لا معنى لكل هذا الكلام عن التاريخ والجغرافيا والدين والمصالح المشتركة.

في النهاية، ليست عقدة الخواجة مجرد مشكلة أخلاقية في تركيا، بل مشكلة سياسية تكشف حدود مشروعها كله.
فمن يحتقر نفسه أمام الأقوى، ويحتقر غيره أمام الأضعف، لا يصنع حضارة ولا يقود إقليمًا.
إنه فقط يبدّل الأقنعة:
وجه مذعور أمام أوروبا، ووجه متغطرس أمام العرب.
أما الحقيقة تحت القناعين، فهي واحدة:
أزمة هوية، وعطش مرضي للاعتراف، واستعداد دائم للدوس على الجار حين يتعذر تقبيل يد السيد.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...


المزيد.....




- مسؤولون ورجال دين يطالبون بالإفراج عن رئيس مسجد اعتُقل بتهم ...
- كيف أعادت إيران تعريف -القوة العظمى-؟ - مقال في نيويورك تايم ...
- حرب إيران تعيد رسم خارطة النفوذ في شمال أفريقيا لصالح الجزائ ...
- هل تدافع إيران عن نفسها باستهداف دول الخليج؟
- قمة -الصحة الواحدة-.. أي جديد في مجال العلم والأبحاث؟
- اليوم 38 من الحرب في الشرق الأوسط: ترامب أمام -مأزق- مضيق هر ...
- بين -معجزة- إسلام آباد و-جحيم- ترمب.. الشرق الأوسط في سباق ا ...
- السيناريوهات المحتملة لدور الحوثيين في الأيام المقبلة
- ساعات قبل نفاد مهلة ترمب.. كيف يوظَّف التصعيد لتحسين شروط ال ...
- عبور ناقلة نفط تركية من مضيق هرمز تحمل مليون برميل من نفط ال ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس بأقدامها جيرانها العرب؟