أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-















المزيد.....

-العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 05:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أولا: "المفاوضات" خدعة إدارة الحرب خلف خطاب السلام.

عن قصد يترك دونالد ترامب العالم برمّته يتخبّط في بحر التكهّنات. الكلُّ منقسمٌ حول ما إذا كان الرئيس الأهوج متّجها نحو مسار دبلوماسي حقيقي لإنهاء الحرب الحالية، أم أنّه يتخذ من المفاوضات "الغامضة" ممرًّا زمنيًّا لنقل الحرب إلى مرحلة جديدة.
ولعل تجارب الخداع على طاولة المفاوضات مازالت ماثلةً بفجاجتها ودروسها. وقياسا على هذا، يبدو أن الحرب ستستمرّ، وما حديث ترامب عن "المفاوضات" و"اقتراب الصفقة" سوى توفير الغطاء وشراء الوقت.

في شهر جوان الماضي، أطلق ترامب سيلا من التصريحات المتناقضة، وظنّ كثيرون في حينه أنّ توقيق اتفاق ثنائي قيد التوقيع، في مسقط. وما أن وصلت توقّعات الانفراج لدى المراقبين والأسواق المالية إلى أعلى نقطة ممكنة، حتى انطلقت الطائرات الأميركية والإسرائيلية لتقصف إيران. ثم كرّر ترامب المسلسل ذاته في شهر فيفري الماضي، إذ دخل في مفاوضات مع إيران، وتعمّد رفع سقف توقّعات الوصول إلى صفقة، ثم شرع في القصف بالتنسيق مع إسرائيل. والآن نشهد فصلا جديدا من عجرفة الخداع الذي يمارسه ترامب يوميا خلف الميكروفونات، تماما كما رأيناه يفعل في المرَّتَين السابقتَين: مجرّد ثرثرة لا متناهية عن مفاوضات، يوازيها حشد عسكري وجلب قوات وسفن وبناء تحالفات، ما يوحي بأنّ الانتقال إلى مرحلة جديدة من الحرب أمرا مقضيّ ينتظر استكمال التجهيزات لا غير.

بالمعطى السياسي يحقّق الخداع الذي يمارسه هذا الرجل المتعجرف إلى محاولة الظهور أمام العالم بأنّ واشنطن هي الطرف العقلاني الذي يسعى للخروج من الأزمة، بينما طهران هي "المعتدي" الذي يعرقل الحلّ برفضه المفاوضات. ويهدف أيضا إلى إيجاد مسار سياسي وهمي يسهّل اندراج الحلفاء التقليديين لأميركا، ممّن تردّدوا إزاء المسار العسكري، للاصطفاف خلف ترامب ودعمه في حربه، وهو دعم غير مهم الآن، لكنه سيصبح حيويا وضروريّا فيما إذا ما تصاعد الصراع إلى غزو برّي. على أنّ الخداع يمكن فهمه من خلال شروط الاستسلام التي طرحتها الإدارة الأمريكية على طهران في مضمون "النقاط الخمس عشرة"، والتي صُمّمت لتُرفض أصلا، وليس لتكون قاعدة لمحادثات جديّة. ولعل تسارع الحشد العسكري الأميركي في جبهات متعدّدة، وتدفّق قوات المارينز والبارجات الأميركية إلى المنطقة يوميا، وتحوّل خطط احتلال الجزر الإيرانية الاستراتيجية في مضيق هرمز إلى مادّة للنقاش العام. ولأن حشد عشرات آلاف من الجنود وضمان التجهيزات العسكرية الأخرى يستغرق أسابيع، فإنّ كلام ترامب عن المفاوضات يُوفّر التمويه المثالي لعمليات التعبئة المطلوبة للمرحلة التالية من الحرب. ويوفّر شراء وقت كافٍ تنضج فيه تحوّلات سياسية عالمية وإقليمية داعمة للحرب بسبب آثارها الكارثية على الجميع. ومن ذلك بداية تشكّل تدريجي لتحالف يضمّ عشرات الدول تحت شعار "إعادة فتح مضيق هرمز وتأمينه". وما من شكّ أنّ هذا التحالف في حال نجاح تشكّله سيكون إطارَ دعم سياسي موسّع للحرب على إيران ولو بشكل غير مباشر.

بهذا المعنى، لا تمثل "المفاوضات" التي يتحدث عنها ترامب بديلاً من الحرب، بل ستكون جزءا جوهريا من مخطّط إشعالها. وإذا كان النفوذ الصهيوني والتحريض على شن الحرب على العراق قبل ربع قرن مٍورس خلف الكواليس، فالتحريض على غزو إيران اليوم يُمارس علنًا وأمام الكاميرات، بل أن الكيان الصهيوني هندس الحرب برمتها وتصدّرها وقادها. ولذلك تبدو أهداف الولايات المتحدة غامضةً ومتقلّبةً. في حين تتجلّى بوضوخ الأهداف الإسرائيلية الاستراتيجية العابرة للأجيال، والتي لا تتوقّف عند التدمير الشامل للقدرات العسكرية النووية وتقييد البرنامج الصاروخي، بل تصل إلى إحداث فوضى داخلية تؤدّي إلى انهيار النظام، وتقسيم إيران، والخلاص منها كدولة محورية في المنطقه تهدد المشروع الصهيوني. وهذا ما يفسر معادلة نتنياهو القائمة على أنّ المزيد من زجّ الولايات المتحدة في الحرب يشلّ قدرتها على الانسحاب بسهولة قبل تحقيق "نصر" واضح المعالم. ويساعد إسرائيل على ذلك مزاج الصهيونية المسيحية للدائرة المقرّبة من ترامب.

ثانيا: العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة

المفردات الواردة في الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 1 أفريل الجاري، والوعيد بـ "الأسابيع الثلاثة" مؤشر على تآكل الوظيفة المعيارية لليبرالية الغربية، وانتقالها من خطاب كوني للحقوق إلى ممارسة بربرية قائمة على التدمير والقتل الجماعي والاستحواذ على مقدرات الشعوب وشنّ الحروب خارج الأطر الأممية. ودليل على تحول النظام النيوليبرالي المهيمن إلى فاشية تقنية، كنمط من السيطرة يوظف التكنولوجيا لإخضاع المجتمعات وإدارة العنف على نحو ممنهج.
وقد تجلى هذا النمط ميدانيا في الحروب التي تشنها عصابة العولمة الصهيونية في فلسطين ولبنان وإيران، والتي يوظف فيها التفوق التقني المفرغ من أي أفق أخلاقي.
خطاب هذا الرجل الجاهل هو التجسيد الحيّ لأزمة "العقل الأداتي" الذي يرى الكرة الأرضية مادة قابلة للاستغلال، ولا يرى الإنسان المقيم عليها، حيث يختزل المجتمعات في أهداف عسكرية، والوجود البشري في بنية تحتية (كهرباء، ماء، نفط، إنترنت). متجاهلا أن الحضارة هي إرادة ومعنى.

لقد وصل نظام الحداثة الغربي مع ترامب إلى ذروة تناقضه الوجودي. فالحداثة الغربية التي بدأت بوعود تحرير الإنسان، انتهت بتحويله إلى رقم في خوارزمية، وهدف في إحداثية عسكرية. ولم يعد لديها ما تقدمه للبشرية سوى البربرية الرقمية. فالتهديدات المتكرّرة التي تُطلقها العصابة الصهيونية المهيمنة، بشقيها المسيحي واليهودي، بإعادة إيران اليوم والعراق أمس وكذلك غزة واليمن إلى العصر الحجري، هي اعتراف بأن العقل الأداتي فقد قدرته على الإقناع الحضاري أو الجذب الأخلاقي. ولم يتبقّ له إلا اللغة البدائية للآلة، لغة القتل الجماعي، الهدم، المحو.

حضارة الحداثة الغربية باتت مادية عارية من القيم، وعنصرية في بنيتها. فهي لا ترى الإنسانية إلا في الجنس الأبيض، وفيما يخدم التفوق المادي فقط. أما باقي البشر فهم مجرد عقبات بيولوجية أمام تدفق المادة.
بهذا المعنى تُفهم سياسات الولايات المتحدة باختطاف رئيس فنزويلا وزوجته. وفي نفس السياق تأتي تصريحات ترامب بضم كندا، ونشر صور على وسائل التواصل الاجتماعي لخريطة تُظهر كندا وغرينلاند وفنزويلا مغطّاة بالعلم الأميركي. والسعي للاستحواذ على قناة بنما وخليج المكسيك، وتهديد كوبا. وتسويق الإبادة في فلسطين ولبنان وإيران كضرورة أمنية.

ما نشهده اليوم هو صدام الوجود البشري ضد طغيان العقل الأداتي المتوحش. ففي حين يمثل الإنسان الفطرة والمعنى والروح والقدرة على الصمود خلف حدود الممكن المادي، يُقدّس العقل الأداتي الوسيلة على حساب الغاية، ويرى في التكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي، المسيرات، الرقابة الرقمية) إلها جديدا يمنحه حق تقرير مصير الشعوب.
لا شك أن هذا الصدام لا يجري بين الغرب بِرُمته والشرق بٍرُمته، فلا الغرب كتلة حضارية صماء، ولا الشرق كذلك، بل هو صدام طبقيّ كونيّ، بحيث يتخلله انقسام داخلي عميق في بلدان الجنوب، ونفس الانقسام يشقّ المجتمعات الغربية ذاتها، بين منطق نيوليبيرالي أداتي مهيمن وتيارات يسارية وإسانية نقدية متنامية تسعى لمقاومته.

عندما رفض الإنسان في منطقتنا وفي شوارع العالم الانصياع لـخوارزمية الرعب، وفشل التكنولوجيا في حسم المعارك في فلسطين ولبنان عبر حرب الإبادة الجماعية المتواصلة، تحاول العصابة الصهيونية المهيمنة على القرار السياسي في الغرب استعادة "هيبة الردع" عبر التهديد بالإبادة الشاملة للشعوب الرافضة للامتثال، فكان "وعيد العصر الحجري" هو التعبير الأخير عن يأس الأداة من تطويع الروح وابتلاع الإنسان، وهو اعتراف رسمي بأن "الأسلحة الذكية" فشلت، وأن "خوارزمية الرعب" قد كُسِرت فعليا في الميدان، ولم يتبقَ لهذه العصابة التي كشفت فضيحة إبستين جزءً بسيطا من توحُّشها، إلا التدمير الأعمى.

شنّت العصابة الحرب على إيران بمنطق العقل الأداتي، وارتكازا على وهم "الزمن القصير"، مفترضة أن ثلاثة أسابيع من الجحيم التقني كافية لإخضاع الشعوب وانتزاع صك الاستسلام. غير أنّ الزّمن الإنساني في جوهره زمن حضاري وليس تقنيا. وصمود الشعوب يمتلك قدرة فائقة على تفكيك فاعلية الآلة، وتحويل "الحرب الخاطفة" إلى استنزاف أخلاقي ومادي للمهاجم.

على صعيد مفهوم القوة، تراهن العصابة الصهيونية بشقّيها اليهودي والمسيحي على إخضاع إيران عبر استهداف المنشآت الحيوية وشبكات الكهرباء والمصانع والمساكن والمستشفيات لشل الحياة المدنية، ظنا منها أن تجريد الإنسان من رفاهيته المادية والتقنية سيحطمه نفسيا. لكن الوعي الشعبي الإيراني المسلح بتجارب الصمود في فلسطين ولبنان واليمن والعراق ، يستمد قوته من "المعنى"، والقدرة الاستثنائية على إعادة انتاج الحياة والابتكار والعيش تحت الأنقاض، ولطالما نجح الناس في جميع معارك التحرير في تحويل الدمار المادي إلى صمود ووقود لصلابة وطنية وإنسانية لا تكسرها الخوارزميات.
لذلك، كلّما حاول العقل الأداتي فرض صورة للعالم على أنه محكوم بـ "القطب الواحد المتوحش" الذي يديره بالنار والابتزاز الرقمي، كلّما انقلبت الغطرسة المادية إلى نتيجة عكسية تماما، تدفع الشعوب على امتداد العالم نحو صياغة عالم متعدد الأقطاب القيمية، عالم يرفض الهيمنة المطلقة، ويبحث عن سيادة إنسانية تضع كرامة البشر فوق جبروت القوة والتكنولوجيا الاستعمارية.

من جهة أخرى، يتهاوى نظام الحداثة الغربي النيوليبرالي المهيمن ببطء على يد العصابة الصهيونية، وذلك عبر تآكل المؤسسات التقليدية سواء العالمية أو المحلية. فبعد السابع من أكتوبر، لم يعد هناك "قانون دولي". بل أن "القانون الدولي" تحول إلى أداة انتقائية، حيث تتجلى السلطة العالمية الفعلية في القدرة على انتهاك القانون لا تطبيقه، حتى أن الرجلين الذين يخططان للحروب الأمريكية ويحركان حاملات الطائرات ويعطيان ساعة الصفر، هما مجرم الحرب نتنياهو، وترامب خرّيج نوادي القمار ودعارة جزيرة ابستين.
على المستوى المحلي، وفي معظم الدول الغربية، تسيطر النخب المتطرفة (الصهيونية المسيحية واليهودية) على السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والقضائية، فحوّلت "الأمن" (على سبيل المثال) من "عقد اجتماعي" إلى "عقيدة استئصالية" ضدّ مواطنيها المسلمين باعتبارهم أعداء محتملين، وانطلاقا من نظرة عنصرية غارقة في الرجعية. وهذا الانسداد يعني أن النظام بدأ يأكل نفسه من الداخل، لأن الأجهزة التي صُنعت لحماية "المواطن" بدأت تطارده لأنه تجرأ على إدانة جرائم الإبادة ومساءلة المجرمين.

والحقيقة أن الشعوب الغربية تعيش منذ السابع أكتوبر انكشاف وهم حضارة الحداثة، هي مسخ من منظومة عنصرية تقودها مجموعة من المجرمين. ولقد بدأت تظهر داخل المجتمعات الغربية تيارات معارضة فاعلة، حركات طلابية، احتجاجات شعبية، وأصوات أكاديمية وإعلامية- ناقدة للهيمنة العسكرية والتقنية. وتنامى الوعي الشعبي بأن الآلة التي تمارس الإبادة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وإيران، هي نفسها التي تكمم أفواه طلاب الجامعات الأمريكية والغربية، وتقطع المخصصات الحكومية عن الجامعات التي ترفض الامتثال. وهي ذاتها التي تجند القوات الفيدرالية الأمريكية لملاحقة المهاجرين اللاتينيين، وتفصل الأطفال عن أسرهم. وترسلها إلى الولايات غير الموالية لإخضاعها، وتهدد سكان نيويورك بقطع التمويل الفيدرالي إذا انتخبت زهران ممداني. وهي نفسها التي تتوعد حلفاءها في أوروبا وآسيا وأستراليا بالمحاسبة لرفضهم الانخراط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة على إيران. وتهدد بالانسحاب من حلف الناتو لعدم امتثال أعضائه لخوض حرب لم يستشاروا بها وتضر بمصالحهم الحيوية. وهي التي تُعطل مجلس الأمن الدولي، المكلف بحماية الأمن والسلم الدوليين. وتفرض العقوبات على مؤسسات العدالة الدولية (محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية). وتوجه الإهانة لحلفائها الإقليميين لعدم تجندهم وراءها... كلّ هذه الأمور انكشفت، وهذا بحد ذاته يفضح فشل العصابة في فرض إرادتها حتى على وعي مجتمعها الأصلي.

تعرّى "الانسداد الحضاري" لنظام الحداثة الغربي في انتهاجه حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المتواصلة للعام الثالث في فلسطين، والتي تراها شعوب الأرض قاطبة بالبث الحي، وتشهد تداعياتها الإنسانية الكارثية، وامتدادها إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران... وهذا ما فتح ثغرة آخذة في الاتساع لولادة وعي سيادي بشري مختلف، سوف ينتصر مهما بدا ذلك بعيدًا. فالشعوب اليوم تسبق نخبها المترددة بمسافات ضوئية. والوعي الواعد هو "وعي ميداني" اكتشف أن التحرر من هيمنة عصابة العولمة الصهيونية هي طوق نجاة وفعل وجودي، لضمان عدم العودة للعصر الحجري الذي يتوعد به ترامب ونتنياهو.

خطاب ترامب وضع النخب المتأرجحة أمام حائط مسدود. إذ لم يعد هناك مجال لخطاب "الواقعية والمهادنة"، لأن الرئيس الأمريكي لا يعرض صفقة سياسية بل يُخيّر الشعوب والدول بين الاستسلام الكامل، وبين المحو الوجودي. ويتبدى اليوم تسارعا في "الفرز التاريخي"، بين نخب تسقط في حضن شعوبها خوفا على وجودها، ونخب ترتهن كليا للعصابة. وفي الخلال، هنالك تنشأ شبكات تضامن عالمية داخل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، ترى في التهديد بمحو فلسطين ولبنان وإيران تهديدا للضمير البشري ككل، ما يعزز فكرة "وحدة المصير الإنساني" ضد الماكينة المادية. وفي نفس السياق بدأت دول كانت تاريخيا حليفة للولايات المتحدة الأمريكية تبتعد عنها، وتعلن أن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ليست حربها، وتمنع بعضها استخدام أراضيها لشن الهجوم على إيران.

إن تهديد من لا يمتثل من الشعوب والدول بإعاداتها للعصر الحجري، سيدفع الشعوب قسرا نحو مستقبل مختلف، وتحصين الوعي عبر المسارات البديلة: النضالية، السياسية، الاقتصادية، التقنية، والمعلوماتية، لضمان أن تتحول صدمة التهديد الوجودي إلى قوة دافعة لبناء مجتمعات الصمود المقاوم وما تقتضيه من تأسيس بنى موازية: اقتصاد تكافلي، أنظمة مالية بديلة، تقنيات تواصل لا مركزية، تحالفات تكاملية ترتكز على تكافؤ المصالح، منظومات قيمية تضع العدالة فوق الكفاءة المادية...
هذا ما يجب أن يستأثر باهتمام المفكرين والمثقفين والحقوقيين والناشطين في منطقتنا وعلى امتداد العالم لضمان استدامة هذا الوعي السيادي البديل.

يتجاوز خطاب "العصر الحجري" التهديد، ليزيح الغطاء على لحظة كاشفة لانهيار المعنى داخل منظومة الحداثة الغربية حين فقدت قدرتها على الإقناع والإلهام ولججأت إلى العدم. وهي، بهذا المعنى، امتحان لصلابة الإنسان ومعناه. فعندما تتحول التكنولوجيا إلى أداة محو، يصبح التمسك بالروح والمعنى فعل مقاومة وجودية. ومهما بدت صورة العالم وقحة وقبيحة اليوم، فالمستقبل لن يكون أبدا لمن يمتلك القدرة على التدمير، إنما كل الرهان على الشعوب التي وحدها تمتلك القدرة على إعادة تعريف الحضارة بوصفها معنى وعدالة، وبالتالي القدرة على الاستمرار وإعادة البناء خارج منطق الغطرسة والتوحّش..



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محور المقاومة بين القدس وطهران: حسابات التاريخ والجغرافيا وا ...
- هل للعرب مصلحة في إسقاط إسرائيل للنظام الإيراني؟
- اليسار الشيوعي في أوروبا الغربية: قصة المنع المؤبّد
- الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما ب ...
- أفول الهيمنة الغربية على العالم
- في استحالة الدولة الكُرديّة
- أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاست ...
- الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية
- حول مطالبة الحزب الشيوعي الإيراني بإسقاط نظام الملالي.
- أوهام الخلاص الخارجي ومآلات الخراب الداخلي
- التغيير المؤجَّل: بين دعاية -السقوط الوشيك- والأسئلة التي تخ ...
- شرعية بلا مشروع: كيف أُفرغت الدّولة من السياسة في تونس
- هل سيستولي ترامب على جزيرة غرينلاند كما توعّد؟
- من نفط فنزويلا إلى غرينلاند، أطماع ترامب العالمية، وصراع الأ ...
- المعارضة التونسية والغارة الأمريكية على فينيزويلا
- إنها تيتانيك، وليست سفينة نوح. فيا بُنيّ لا تركب معنا.
- راشد الغنوشي هو الحليف الوحيد لنظام قيس سعيّد
- كيف نفهم عملية اختطاف -مادورو- ؟ وما هي رسالتنا للمعارضة الت ...
- -ديمقراطية الأقليات- في معنى -جودة السياسة- و-الشعب المستنير ...
- حتى لا يحتقركم شعبكم !


المزيد.....




- ترامب يحدد مهلة جديدة لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز بعد وعيده ...
- تقنين السيارات المسروقة في روسيا قد يشجع سرقتها في أوروبا
- نبض أوروبا - تفاديا لأزمات اجتماعية وللحد من فوائد روسيا: لم ...
- محطات الكهرباء في إيران: أهميتها ومن يتأثر في حال تدميرها؟
- كيف تحوَّل ترمب من نبذ الحروب إلى النزعة الإمبريالية؟
- زيلينسكي في سوريا لأول مرة لتعزيز التعاون والأمن الغذائي
- هجمات إيران على الخليج.. أضرار واسعة تطال الطاقة والبنية الم ...
- حزب الله للجزيرة: معركتنا في الجنوب لبنانية وسياسة التنازلات ...
- ضجيج المُسيّرات الإسرائيلية يهز الأمن النفسي للبنانيين
- اليونيفيل في مرمى النار.. كيف تعزز إجراءات الحماية؟


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-