أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - جينالوجيا العدالة: وهم المطلق، ومكابدة النسبي














المزيد.....

جينالوجيا العدالة: وهم المطلق، ومكابدة النسبي


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 04:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


العدالة ليست جوهراً أبدياً معلقاً في سماء الميتافيزيقا ننتظر هبوطه، ولا هي مجرد انعكاس باهت لمصالح الأقوى؛ بل هي "صيرورة" تاريخية متوترة، ومكابدة بشرية تتشكل عبر تراكم النضالات، وتدافع الأفكار، والاشتباك اليومي مع الواقع. إن محاولة اصطياد "عدالة مطلقة" — تعيد الضحية من قبرها وتغسل روح الجاني من كل خطيئة — ليست سوى يوتوبيا رومانسية وعاقراً في حقل التطبيق. لكن، حذارِ؛ فالخطيئة المعرفية الكبرى تكمن في ردّ كل مبدأ كوني إلى "وهم طوباوي" بحجة الواقعية. هناك فارق جوهري بين "مطلق معياري" لا غنى عنه كبوصلة أخلاقية (كحرمة الدم وكرامة الإنسان)، وبين "مطلق كمالي" مستحيل يسوقنا نحو العدمية. الأول ضرورة لتفكيك الظلم، والثاني مجرد سراب نطارده في الصحراء.
بين الأسطورة والمؤسسة: لا تذبحوا النسبي!
في الحفر الجينالوجي لمفهوم العدالة، ندرك أنها لم تكن يوماً حقيقة فيزيائية، لكنها قطعاً ليست دالاً فارغاً. لقد تخلقت وتطورت عبر مدونات التاريخ، من جستنيان إلى الشرائع القديمة وصولاً إلى ديباجات حقوق الإنسان. هي نماذج نسبية، نعم، لكنها تحمل في أحشائها نزوعاً نبيلاً نحو الكونية. المأزق يبدأ حين نُقدّس سياقاً تاريخياً واحداً ونصبّه في قالب أبدي، أو حين ننزلق إلى تشكيك عدمي يلغي كل المعايير بحجة النسبية. العقل الحر يتبنى "نسبية نقدية"؛ تدرك نقص المؤسسة البشرية، لكنها لا تستسلم لانفلات المعايير.
خرافة القصاص الجاهز والبراغماتية الغائبة
يختزل العقل الثأري، ببدائيته المعهودة، الديالكتيك المعقد للعدالة في معادلة صفرية: "القاتل يُقتل". هذا الخطاب يتجاهل أن الدم لا يغسل الدم، وأن القصاص بحد ذاته لا يشفي عطب المجتمع. غير أن رفضنا للثأر المنفلت لا ينبغي أن يوقعنا في سذاجة حقوقية تلغي وظيفة "الردع". العدالة العقلانية تحتاج إلى توازن براغماتي دقيق: بُعد "تعبيري" يدين الجرم بعقاب رمزي وازن، وبُعد "وقائي" يعزل الخطر عن الجسد الاجتماعي، وبُعد "تأهيلي" يحاول إصلاح ما أفسدته البيئة، مع امتلاكنا لشجاعة الاعتراف بأن بعض العقول المعطوبة سيكولوجياً لا تملك قابلية الإصلاح!
المسكنات الميتافيزيقية: الهروب من ساحة المعركة
حين تسحق آلةُ الظلم الإنسانَ وتخذله العدالة الأرضية، يمارس أقسى أنواع الإسقاط النفسي: الهروب الميتافيزيقي. إما باللجوء إلى سماء تَعِدُ بعدالة مؤجلة، أو بالتمترس خلف طوطم أرضي (سلطة مقدسة أو آيديولوجيا). هذه الإسقاطات قد تعمل كـ "مسكنات" تمنع الانهيار السيكولوجي، لكنها في جوهرها تعطل ماكينة النضال، وتحيل الإنسان من فاعل تاريخي يغير واقعه إلى كائن سلبي ينتظر الخلاص. العقلانية الحقيقية لا تشتم الإيمان بالقيم، بل تشتبك معها في الأرض، وترفض تحويلها إلى تبرير للكسل السياسي.
الإنسان كغاية أخيرة
أي عدالة نبتغي إذن؟ إنها العدالة التي تضع "الإنسان الحي" كغاية قصوى، لا كحطب يُحرق على مذابح الآيديولوجيا. عدالة لا تعترف بالنصوص المحنطة، بل تعمل بمرونة ديمقراطية لتحجيم الأذى والانتروبيا المجتمعية، وتعويض الضحايا بلموسية، وتخضع لمساءلة مؤسساتية قادرة على تصحيح مسارها دون انتظار "ثورة ملائكية" مستحيلة.
في النهاية.. لا تبرروا الخنوع باسم "الواقعية"، ولا تذبحوا "النسبي الممكن" على مذبح "المطلق المستحيل". إن عدالة متواضعة، عرجاء، وناقصة، تشتبك مع وحل التاريخ وتصارع لتقترب من الكرامة الإنسانية، هي أكرم للعقل وأشرف ألف مرة من عدالة ميتافيزيقية مؤجلة لا تهبط أبداً، أو عدالة ثأرية لا تورث الأرض سوى الخراب.
- أحمد كانون



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة التربية: بين حكمة القيادة ووهم السيطرة
- صنم الخارج ومورفولوجيا الدولة: الدستور بين سيف الغلبة وميزان ...
- انتحار المستعمرة: قراءة في كيمياء الفناء البشري
- ديالكتيك الخوف والمركزية: الوعي الجمعي بين غريزة النكوص وإرا ...
- ​العلمانية العربية: من الاستيراد القسري إلى الوعي العض ...
- الحديقة: جمهورية الغيوم والذات الحرة
- في يوم المرأة العالمي.. كرنفال التناقض الشرقي!!؟.
- سيمفونية الجسد: الرقص كوثيقة وجودية
- صراع النبوءات الرقمية: حين يمتطي -الجهل المقدس- صهوة التكنول ...
- الذكاء الاصطناعي هو ذكاء الطبيعة(الانتخاب الطبيعي) المعدل بش ...
- -التفوق الاسرائيلي/اليهودي.. وهم الجينات وحقيقة فن التحكم-:
- الدمج بين فلسفة التاريخ عند هيجل، وعلم النفس التحليلي عند فر ...
- -الشماتة المقدسة- او اذا اردتم، -الشامت الذي يظن أن الله معه ...
- اضطراب الشخصية الكاذب المتكرر
- القوة في (التوازن الديناميكي) و ليست في المرونة على حساب الث ...
- -الاتجاه أهم من السرعة-
- ما نخافه يتحقق ليس بسبب -قدر- أو -سحر-، بل بسبب آليات نفسية ...
- تفكيك جينولوجيا الوهم من جينولجيا الأخلاق:-
- شهوة السلطة ليست متجذرة في القوة بل في الضعف
- النجاح و الزمن


المزيد.....




- هيغسيث مهددًا: -أمام إيران خيار.. فلتختر بحكمة لأن ترامب لا ...
- إيران ترفض مقترح وقف إطلاق النار وترامب يهدد بـ-تدميرها في ل ...
- -نحن في بداية الطريق-... هل نعثر يوما على حياة أخرى في الكون ...
- ما هي الشروط العشرة التي وضعتها إيران لوقف الحرب في الشرق ال ...
- إصابات نتيجة اعتراضات لصواريخ إيرانية في دول الخليج والأردن ...
- البرهان يلغي مناصب بالجيش ويُعيد تشكيل رئاسة الأركان
- قصف إسرائيلي يوقع 10 شهداء رغم وقف إطلاق النار في غزة
- زفاف إيراني داخل مسجد الرفاعي بالقاهرة يثير الغضب والأوقاف ت ...
- من العراق إلى إيران.. كيف تصنع مصادر مجهولة الحروب؟
- 170 طائرة.. ترامب يكشف تفاصيل عملية إنقاذ الطيارين


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - جينالوجيا العدالة: وهم المطلق، ومكابدة النسبي