أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم خليل - الاعتداء على السفارات في دمشق: سقوط الاحتجاج في فخ الفوضى














المزيد.....

الاعتداء على السفارات في دمشق: سقوط الاحتجاج في فخ الفوضى


كرم خليل
سياسي و كاتب وباحث

(Karam Khalil)


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الدول التي تسعى إلى إعادة بناء نفسها بعد مرحلة انهيار، لا تُقاس هيبة السلطة بخطابها، بل بقدرتها على فرض قواعد السلوك العام وضبط المجال العام بالقانون. ما شهدته دمشق من اعتداءات على بعثات دبلوماسية، وفي مقدمتها السفارة الإماراتية، ليس احتجاجاً، بل اعتداء مباشر وخرق صريح لسيادة الدولة والتزاماتها الدولية.

الأعراف الدبلوماسية ليست تفصيلاً بروتوكولياً، بل جزء من بنية النظام الدولي. الاعتداء على أي سفارة هو اعتداء على الدولة نفسها قبل أن يكون موجهاً ضد الدولة الممثَّلة. وحين تعجز الدولة عن حماية بعثات منحتها الحصانة والأمان، فإنها لا تفقد فقط صورتها، بل تهتز مصداقيتها كسلطة قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.

ما جرى في دمشق لا يمكن تبريره تحت أي مسمى سياسي أو أخلاقي. هذه ليست مظاهرات، بل سلوك تخريبي منفلت لا يمت للاحتجاج بصلة. الخلط بين الغضب المشروع وبين الاعتداء على الممتلكات والبعثات الدبلوماسية هو انزلاق خطير ينقل الفعل من خانة السياسة إلى خانة الفوضى، ويحوّل أي قضية—مهما كانت عادلة—إلى أداة لتقويض الدولة بدل الضغط عليها.

التجربة السورية في بداياتها قدّمت نموذجاً مختلفاً، حيث حافظت الاحتجاجات على طابعها السلمي رغم كل محاولات الاختراق والتشويه. أما ما يحدث اليوم، فهو نمط مغاير، أقرب إلى الفوضى غير المنضبطة، حيث تتقدم الشعبوية على الوعي، وردود الفعل على المسؤولية. هذه ليست استمرارية لروح الاحتجاج، بل انحراف عنها.

صحيح أن بعض هذه الأفعال قد تصدر عن مجموعات محدودة، لكن خطورتها لا تقاس بحجمها، بل بنتائجها. مثل هذه الاعتداءات تُستخدم فوراً لتشويه القضايا التي تُرفع شعاراتها، وتحوّلها من قضية عادلة إلى مشهد فوضوي منفّر، ما يؤدي عملياً إلى عزلها دولياً وتقويض التعاطف معها.

القضية الفلسطينية، بما تحمله من عمق إنساني وسياسي، لا تحتاج إلى فوضى لتُدافع عنها. القرارات التي تستهدف الأسرى الفلسطينيين مدانة ومرفوضة وفق الأعراف الدولية، والتضامن معها واجب أخلاقي وسياسي، لكن تحويل هذا التضامن إلى اعتداء داخل دولة أخرى هو إساءة مباشرة لهذه القضية، لأنه يضعف موقعها الأخلاقي ويقوّض سرديتها أمام العالم.

الاحتجاج حق مشروع، لكن الاعتداء جريمة سياسية قبل أن يكون مخالفة قانونية. الدولة ليست طرفاً في صراع شعبي، ولا يجوز لها الانحياز إلى الأصوات الشعبوية—لا المؤيدة ولا المعارضة—بل واجبها فرض القانون على الجميع دون استثناء. الإنسان السوري هو جوهر الدولة، وحمايته تبدأ بحماية القانون، لا بمجاراة الغضب.

الاستياء الشعبي القائم مفهوم ومبرر في كثير من جوانبه، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى غطاء للفوضى. في بيئة إقليمية معقدة، وأمام خصوم متربصين، يتم تضخيم أي خطأ داخلي وتحويله إلى أداة ضغط وتشويه. هذا الواقع لا يبرر الانتهاكات، لكنه يفرض على الدولة أن تكون أكثر حزماً في منعها قبل أن تتحول إلى ثغرات استراتيجية.

في المقابل، العلاقة مع دولة الإمارات ليست تفصيلاً سياسياً عابراً. هي علاقة لها بعد إنساني واقتصادي عميق، حيث استضافت ملايين السوريين وساهمت في تخفيف الأعباء عن المجتمع السوري لعقود. الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية لا يضر فقط بصورة الدولة، بل يضرب شبكة علاقاتها ومصالحها الحيوية.

ما حدث ليس حادثاً عابراً، بل إنذار واضح. استمرار هذا النمط يعني الانتقال من دولة تحاول استعادة توازنها إلى ساحة مفتوحة لتعدد مراكز الفعل خارج القانون. هذه ليست فوضى مؤقتة، بل بداية مسار يؤدي تاريخياً إلى تفكك السلطة وفقدان السيطرة.

بناءً على ذلك، المطلوب ليس إدانة شكلية، بل إجراءات حاسمة وواضحة: فرض القانون، محاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات، وضمان عدم تكرارها تحت أي ذريعة. حماية البعثات الدبلوماسية ليست خياراً، بل اختبار مباشر لوجود الدولة ككيان سيادي.

الاعتداء على السفارات ليس احتجاجاً، بل تخريب سياسي يضرب الدولة والقضية معاً، والدولة التي لا تحسم هذه الفوضى تفقد معنى الدولة، لا مجرد اسمها



#كرم_خليل (هاشتاغ)       Karam_Khalil#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الكرامة إلى الفاتورة؟ محاولة خطيرة لإفراغ الثورة من معناه ...
- الأكراد في سوريا: شراكة وطنية لا تقبل المساومة ولا التفكيك
- حين يسقط الأسد في دمشق ويستيقظ في بيروت: لبنان بين دولة حزب ...
- حين يصرخ الغوغاء: لماذا يتحول الاختلاف في الرأي إلى محاكمة ع ...
- كرم خليل يكتب: كيف تحوّلت سوريا من ملف أمني إلى شريك استراتي ...
- أزمة الهوية السياسية لدى النخب المهاجرة: بين الولاء والانتما ...
- انهيار الحائط الرابع… حين سقطت الهيبة وصارت الأخلاق مادة للت ...
- رمز الدولة السورية بين القداسة والاستهلاك
- من الكراهية إلى العقد الاجتماعي: الطريق إلى سوريا المتحضّرة
- الأسطورة التي هزمت الواقع: قراءة فلسفية في صورة صلاح الدين
- كيف نجح الزعماء العرب في تغيير موقف ترامب من حرب غزة؟
- أنبياء القرآن… أنوار الهداية في مسيرة الإنسان
- بين البلشفية والبرغماتية: أين يقف المبدأ وأين تبدأ النتيجة.؟
- النمسا بين فخّ التقشّف وسوء التخطيط: اقتصاد يعاقب الفقراء وي ...
- الفكر الجمعي بين الجمود والتحول: أزمة الوعي العربي في مرآة ا ...
- سوريا الجديدة… في البحث عن الأخلاق المفقودة والعقد الاجتماعي ...
- المستبدّ وصانعه: في علم النفس الجمعي للمطبل السوري
- ثقافة الكراهية في سوريا… حين يصبح الاختلاف عداء
- الموالاة الجديدة.. وجه آخر للانحطاط السياسي السوري
- أحياء في ضمير الثورة: الشهداء الذين حموا سوريا أحياءً وأموات ...


المزيد.....




- اربح المال من تدريب الروبوتات على التنظيف.. كيف ذلك؟
- محمد علي الحوثي يؤكد لـCNN أن -لا نية- لاستهداف الموانئ السع ...
- فيديو مزعوم لـ-ضرب نتنياهو في الكنيست الإسرائيلي-.. ما حقيقت ...
- -إشعاع خطير- محتمل.. -الطاقة الذرية- تحذر من الضربات قرب محط ...
- تحالف أمني غير متوقع: زيلينسكي يزور دمشق ويبحث تعاونًا مع سو ...
- إسرائيل تغتال رئيس استخبارات الحرس الثوري وتعلن قصف أكبر منش ...
- دفعات صاروخية إيرانية تستهدف إسرائيل.. وانتشال 4 جثث من تحت ...
- سيول تعتذر عن طائرات مسيّرة اخترقت مجال بيونغ يانغ.. وشقيقة ...
- بعد تصريحات ترامب.. الأكراد الإيرانيون ينفون تلقي أسلحة من ا ...
- إيران تعتبر إنقاذ الطيار الأمريكي قد يكون -عملية خداع لسرقة ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم خليل - الاعتداء على السفارات في دمشق: سقوط الاحتجاج في فخ الفوضى