|
|
غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتباك
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 15:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في البدء كانت الدهشة
في لحظة فارقة من لحظات هذا الإقليم الذي لا ينام على جراحه، ولا يألف سوى مفاجآته، بدت السماء — تلك المسرح المكشوف الذي طالما اعتادت العيون أن تراه خاضعًا لإرادات بعيدة، ومدارًا من غرف عمليات لا تُرى — وكأنها تخلع رداء الألفة، وتلبس ثوب الدهشة. إنها تعيد ترتيب نجومها، لا على مقاس أحلام الأقوياء، ولا وفقًا لمشيئة العمالقة، بل على إيقاع تماوج جديد تفرضه حقائق الميدان، وتوازنات الإرهاق، وتحولات التكنولوجيا الرخيصة التي قلبت، في طرفة عين، معادلات كانت تبدو منحوتة في صخر الزمن.
ليس غرب آسيا اليوم كما كان أمس، ولا السماء فوقه كما عهدناها قبل عام. هناك شيء قد تغير في نسيج الهواء ذاته، شيء يشبه أن الرياح قد تعلمت كيف تهب من حيث لا يحتسب، وأن السحب لم تعد تحمل المطر وحده، بل تحمل أيضًا أسئلة ثقيلة لم نجرؤ على طرحها من قبل: ماذا لو أن الطائرات التي تظنها أقوى من الرعد يمكن أن تسقط بصافرة خادعة؟ وماذا لو أن القوة، بتعريفها القديم، باتت أثقل من أن تحلق؟
إننا، إذ نكتب هذه الكلمات، نقف على حافة تحول لا يشبه أي تحول شهده هذا الإقليم المكلوم. إنه تحول لا يُقرأ في بيانات عسكرية ولا في نشرات أخبار، بل يُقرأ في صمت الرادارات التي لم تعد تميز بين الحقيقي والزائف، وفي عيون الطيارين الذين لم يعودوا يثقون بما يرونه على شاشاتهم، وفي حسابات التكلفة التي تجعل الصاروخ بمليون دولار يواجه هدفًا خشبيًا لا يساوي شيئًا.
حين تكون السماء ساحة للوهم
منذ أعوام خلت، وأعين العالم تتجه صوب غرب آسيا، ترقب صراعًا لا يلوح له أفق. كانت المعركة تبدو، من بعيد، غير متكافئة إلى حد السخرية: قوى تمتلك أسرابًا من الطائرات الحربية التي تتخطى سرعتها الصوت، وأخرى لا تجد من العتاد ما يسد رمق دفاعها الجوي. لكن الحرب، كما يعلّمنا التاريخ، لا تُربح دائمًا بالأكثر عددًا ولا بالأسرع انقضاضًا، بل أحيانًا بالأكثر دهاءً والأعظم صبرًا.
لقد أدركت طهران، باكرًا، أن مواجهة التفوق الجوي المطلق في عرض السماء ليست معركة يمكن خوضها بشرف الاستشهاد وحده، بل هي معركة تحتاج إلى عبقرية مختلفة، عبقرية الخداع، عبقرية استنزاف الخصم بالوسائل الرخيصة التي تجعل قوته الغالية تبدو ثقيلة الظل، عاجزة عن اللحاق بظلها.
وهكذا، وعلى مدارج مطارات إيرانية لا تظهر في خرائط الأقمار الصناعية إلا كبقع رمادية غامضة، بدأت تولد طائرات لا تطير. طائرات مرسومة على الأرض بعناية فائقة، كأنها لوحات تشكيلية لمهندس عبقري يريد أن يخدع العيون الإلكترونية. مقاتلات خشبية، ومنظومات دفاع جوي وهمية، كلها صُممت لتُقرأ من علو عشرات الكيلومترات على أنها قوة جوية كاملة، حية، مستعدة للإقلاع في أي لحظة.
لم يكن الهدف من هذا العرض المسرحي الفريد مجرد إضاعة وقت المخابرات الغربية، ولا مجرد خلق ارتباك في غرف العمليات. كان الهدف أعمق وأكثر دهاءً: إجبار الخصم على إطلاق صواريخ لا تُخطئ هدفها أبدًا، لأن الهدف نفسه لم يكن موجودًا من الأساس. صواريخ بملايين الدولارات تسقط على مجسمات خشبية لا تساوي تكلفة نقلها إلى المطار. صواريخ كانت ستنفع لو أُطلقت على أهداف حقيقية، لكنها ذهبت أدراج الرياح، أو بالأحرى ذهبت ضحية وهم من صنع أيادٍ ماهرة.
في تلك اللحظة الدقيقة، لم تكن إيران تنتصر في معركة جوية، بل كانت تنتصر في معركة أخرى أهم: معركة الاقتصاد العسكري. كانت تعيد تعريف الحرب ليس كصراع على السماء وحسب، بل كصراع على تكلفة البقاء فيها. وإذ كان العدو يظن أنه يواجه قوة جوية تقليدية، كان في الحقيقة يواجه فكرة: فكرة أن القوة المطلقة قد تكون أضعف ما تكون حين تواجه خصمًا لا يقاتل بالطريقة التي تنتظرها.
من الظل إلى الظهور.. لحظة الفصل
لأعوام طويلة، بقيت القوة الجوية الإيرانية في الظل. لم يكن هذا الاختفاء بسبب الضعف وحده، ولا بسبب النقص العددي فقط، بل بسبب قناعة راسخة ترسخت في أروقة القيادة في طهران: أن الظهور في سماء مكتظة بالرادارات الغربية، والمليئة بالعيون الإلكترونية التي لا تغفو، يعني الكشف قبل الإقلاع، والموت قبل الولادة.
لكن الظل، في ثقافات غرب آسيا العريقة، ليس دائمًا مكان العار أو الضعف. الظل، في الحكايات القديمة، هو مكان الانتظار، مكان الصبر، مكان تحضير الكمين. وما دام الخصم لا يرى إلا ما تحت الشمس، فليكن البقاء في الظل استراتيجية لا هزيمة فيها.
وهكذا، ظل الأسطول الجوي الإيراني يختبئ في أعماق حظائر تحت الأرض، وفي أنفاق محفورة في قلب الجبال، لا تظهر إلا لمن يعرف أين يبحث. ظل الطيارون يتدربون على طائرات قديمة، يحلمون بغيرها، لكنهم يدركون أن دورهم لم يحن بعد. ظل سلاح الجو الإيراني أشبه بسيف لم يُسحب من غمده، لا لأنه لا يقطع، بل لأن اللحظة المناسبة لم تطل بعد.
واللحظة جاءت، كما تأتي كل اللحظات الفارقة في تاريخ هذه المنطقة، حين لا يتوقعها أحد. جاءت حين استنزفت الحروب المتزامنة — من سهول أوكرانيا المكلومة إلى شوارع غزة المفجوعة — المخزون الغربي من الذخائر الاعتراضية. جاءت حين أصبحت البطاريات الدفاعية تعمل فوق طاقتها، وحين بدأت طوابير الصيانة تئن تحت وطأة التشغيل المستمر. جاءت حين امتلأت السماء بأهداف حقيقية ووهمية، حتى فقدت الرادارات القدرة على التمييز بين الغث والسمين، بين الصوت والصدى، بين الطائر الحديدي والخيال المصنوع من خشب.
في هذا الفراغ الاستراتيجي النادر، بدأت إيران تُخرج طائراتها من كهوفها. ليس لتخوض معارك جوية كلاسيكية على طريقة الحرب العالمية الثانية — فذاك انتحار محقق — بل لتختبر حدود السماء التي تغيرت، ولتخط بظهورها رسالة غير معلنة: أن الهواء فوق غرب آسيا لم يعد ملكًا لأحد، وأن قواعد الاشتباك القديمة انتهت صلاحيتها.
سقوط الطائرة.. حادث أم علامة؟
ثم جاءت اللحظة التي جعلت الجميع يتوقفون: سقوط طائرة أمريكية من طراز F-15E فوق الأراضي الإيرانية. طائرة كانت، قبل لحظات من سقوطها، رمزًا للقوة التي لا تقهر، للتفوق الجوي الذي لا يُنازع، للقدرة على ضرب أي هدف في أي مكان قبل أن يرتد إليه طرف جفن.
لم يكن هذا السقوط مجرد حادث عسكري يمكن طيه في بيان مقتضب تصدره القيادة المركزية، ولا تفصيل تقني يُضاف إلى سجل الحوادث الجوية التي تحدث في زمن الحرب. كان — في جوهره العميق — حدثًا وجوديًا، علامة فارقة تشبه تلك اللحظات التي تسبق تغير الفصول: لا تراها بعينك، لكنك تشعر بها في صميم عظامك.
السماء التي كانت تُدار من غرفة عمليات واحدة، من مركز قيادة واحد، من عقل واحد، لم تعد كذلك. الهواء نفسه أصبح ساحة حرب تتداخل فيها الحقيقة بالوهم، والصوت بالصدى، والظل بالصورة. الطيار الذي كان يظن نفسه سيد الموقف، وأسرع من الرصاصة، وأذكى من أي خداع، وجد نفسه فجأة في عالم لا تعمل فيه قوانين الفيزياء وحدها، بل تعمل فيه أيضًا قوانين الخوف والتعب والارتباك.
وبينما كانت الرواية الأمريكية تصر على أن الطائرة سقطت بسبب "خلل فني"، كانت الرواية الإيرانية تطلق صيحتها المدوية: "لقد أسقطناها". والحقيقة، كما هي العادة في غرب آسيا، تقف في مكان بينهما، مكان رمادي لا تصل إليه أضواء الكاميرات ولا دقة التحقيقات. فالطائرة سقطت في بيئة جوية مشبعة بالتشويش، مشبعة بالإغراق بالمسيّرات، مشبعة بالضغط العملياتي الذي لا تحتمله الأعصاب البشرية ولا الأنظمة الإلكترونية. وهي بيئة لا يمكن فصلها عن سياق إقليمي تتغير فيه قواعد الاشتباك كما لم تتغير من قبل، وتُختبر فيه حدود القوة إلى أقصاها، وتُعاد فيه كتابة معادلات كانت تبدو ثابتة كالجبال.
استنزاف العمالقة.. لعبة الأرقام الجديدة
الحرب، في جوهرها الأعمى، ليست سوى لعبة أرقام قاسية. لكن الأرقام في غرب آسيا تأخذ دائمًا منعطفًا غير متوقع. فحين يعتقد أحد الأطراف أن لديه الرقم الأكبر، يكتشف فجأة أن الخصم يلعب بلعبة مختلفة تمامًا.
لنأخذ الأرقام ونتأملها: صاروخ اعتراضي من طراز Patriot واحد تبلغ تكلفته حوالي ثلاثة ملايين دولار. طائرة بدون طيار إيرانية من طراز "شاهد" لا تتجاوز تكلفتها عشرين ألف دولار. الفارق؟ مائة وخمسون ضعفًا. تخيل الآن أن إيران تطلق وابلًا من خمسين طائرة مسيّرة باتجاه هدف ما. تكلفتها الإجمالية: مليون دولار. لاعتراض هذا الوابل، ستحتاج إلى خمسين صاروخًا اعتراضيًا على الأقل، بتكلفة مائة وخمسين مليون دولار.
هذه ليست حربًا بعد الآن. هذا استنزاف محاسبي خالص. هذه معادلة تجعل أقوى جيوش العالم تتردد قبل إطلاق صاروخها، ليس خوفًا من أن يخطئ الهدف، بل خوفًا من أن يصيبه فيكون قد أهدر ثروة صغيرة على شيء لا يستحق.
وهذا بالضبط ما أدركه الاستراتيجيون الإيرانيون قبل غيرهم. لقد فهموا أن الحرب الحديثة لم تعد تُربح بمن يمتلك أضخم القنابل، بل بمن يستطيع إجبار خصمه على الإفلاس بسرعة أكبر. إنها لعبة الميزانيات قبل أن تكون لعبة الدماء. وإذ كانت أمريكا وإسرائيل تنفقان المليارات على أنظمة دفاع لا تُخطئ، كانت إيران تنفق الملايين على أنظمة هجوم لا تصيب أحيانًا، لكنها تنجح دائمًا في مهمتها الأساسية: استنزاف الخزائن، وإرهاق الرادارات، وإتعاب الأعصاب.
وهكذا، أصبحت سماء غرب آسيا مسرحًا لعبة لا تنتهي: الخصم القوي يطلق صواريخ باهظة على أهداف وهمية، والخصم الأضعف يبتسم من تحت الأرض وهو يشاهد ثروات خصمه تتطاير في الهواء دون طائل. إنها تراجيديا إغريقية بثياب عصرية، حيث البطل العظيم يُهزم ليس بسيف خصمه، بل بغباء كبريائه.
عندما تفقد الرادارات بصرها
في زمن مضى، كانت الرادارات هي العيون التي لا تغفو. كانت تعرف كل شيء عن كل شيء: ترتفع، تنخفض، تسرع، تبطئ، ترسم مسارات الأجسام الطائرة كما لو كانت خرائط لراحات الأيدي. لكن التكنولوجيا، كعادتها، لا تخدم طرفًا واحدًا إلى الأبد.
لقد تعلم الإيرانيون، عبر سنوات من المراقبة والدراسة، كيف يصنعون فوضى جميلة في سماء الرادارات. تعلموا أن يملؤوها بأهداف كثيرة لدرجة أن المشغل البشري — أو حتى الذكاء الاصطناعي — يعجز عن فرزها. تعلموا أن يخلطوا الحقيقي بالزائف، الخطير بالسخيف، الطائرة الحربية بالطائرة الورقية.
ثم جاءت المسيرات الصغيرة، التي لا تكاد تصدر حرارة ولا تعكس رادارًا. تلك التي تطير على ارتفاع منخفض لدرجة أنها تختفي بين المباني والأشجار. تلك التي تحمل أحيانًا قنابل صغيرة، وأحيانًا لا تحمل شيئًا سوى الخوف. كيف تتعامل معها؟ هل تطلق صاروخًا بمليون دولار على جسم لا يتجاوز حجمه حجم طائر اللقلق؟ أم تتجاهله فتفاجأ أنه يحمل سمًا؟
هذه المعضلة هي بالضبط ما جعل الدفاعات الجوية الغربية في غرب آسيا تعاني من أرق مزمن. كل يوم، مئات البلاغات عن أهداف مشبوهة. كل يوم، عشرات الإنذارات الكاذبة. كل يوم، قرارات مستحيلة بين التكلفة الباهظة للاعتراض والمجازفة المخيفة بالتجاهل. وفي هذا المأزق، تزدهر عبقرية الخداع، وتكبر أرباح الوهم، وتصبح السماء سوقًا مزدحمة لا يفرق فيها البائع عن المشتري.
غرب آسيا بين الماضي والمستقبل
ما يجري اليوم في سماء غرب آسيا ليس مجرد حادث طائرة، ولا مجرد مناورة إيرانية بارعة، ولا مجرد خلل في منظومة دفاعية. إنه تحول جيوسياسي عميق، تغيير في طبيعة الحرب الجوية في المنطقة كما لم يحدث منذ اختراع الطيران نفسه.
لقد كانت السماء، لعقود طويلة، ملكًا للطائرات الغربية بامتياز. كانت تطير حيث تشاء، متى تشاء، دون خوف حقيقي من رادع. كانت قواعد اللعبة واضحة: من يمتلك التكنولوجيا الأحدث، والأسرع، والأعلى، هو من يكتب نهاية المعركة قبل أن تبدأ. لكن هذه القاعدة، التي بدت حجر الزاوية في التفوق العسكري الغربي، بدأت تتآكل يومًا بعد يوم، خدعة بعد خدعة، مسيرة بعد مسيرة.
اليوم، أصبحت السماء فوق غرب آسيا فضاءً مزدحمًا بالوهم والحقيقة، بالصوت والصدى، بالظل والصورة. لم تعد القدرة على الطيران عاليًا وسريعًا هي الضمانة الوحيدة للبقاء. بل أصبحت القدرة على التمويه، والخداع، والاختفاء، وإرباك العدو، هي المهارات الأكثر طلبًا في سوق الحروب الحديثة.
وإيران، التي كانت تقاتل من تحت السحاب لعقود، والتي تعلمت أن الحرب لا تدار بالطائرات وحدها بل بالصبر والدهاء والفلسفة أيضًا، تبدو اليوم وكأنها تعلّمت كيف تعيد رسم السحاب نفسه. إنها لا تحاول أن تنافس في سباق التسلح التقليدي — فهذا سباق خاسر منذ البداية — بل تحاول أن تغير قواعد السباق برمتها. وإذا نجحت في ذلك، فإن غرب آسيا كلها ستدخل عصرًا جديدًا، عصرًا لم تعد فيه القوة تقاس بعدد الطائرات، بل بقدرتها على جعل الطائرات الأخرى عديمة الجدوى.
رسائل صامتة ومكشوفة
في كل حادثة من هذا النوع، ثمة رسائل لا تُكتب في البيانات الرسمية، لكنها تُقرأ بين السطور بسهولة من يعرفون لغة غرب آسيا المعقدة. رسائل تهمس بها القيادة الإيرانية لأعدائها وحلفائها على السواء: نحن هنا. نحن لم نختفِ. نحن نتعلم. نحن نصبر. ونحن أيضًا نضرب حين يحين الوقت.
الرسالة الأولى موجهة إلى واشنطن: أن وجودكم في سمائنا لم يعد مجانيًا. كل طائرة تحلق فوق حدودنا أو بالقرب منها هي رهان. قد تعود، وقد لا تعود. وقد تسقط، وقد تسقط معها أسطورة التفوق المطلق. نحن لا نريد حربًا، لكننا لن نسمح لكم بجعل سمائنا ممرًا مفتوحًا.
الرسالة الثانية موجهة إلى تل أبيب: أن القبة الحديدية، وكل ما يحيط بها من أنظمة، لن تحميكم إلى الأبد. لأن العدو الذكي لا يضرب حيث تنتظرون، بل يضرب حيث لا تتوقعون. والسماء، مهما حصنتموها، تبقى فضاءً مفتوحًا لمن يعرف كيف يخترقها من أبوابها الخلفية.
والرسالة الثالثة، الأخطر والأعمق، موجهة إلى شعوب غرب آسيا أنفسهم: أن توازنات القوة تتغير. أن العمالقة ليسوا أبديين. وأنه في زمن المسيرات والصواريخ الذكية والخداع الإلكتروني، يمكن للضعيف أن يجرح القوي، بل يمكنه أحيانًا أن يفقده توازنه. هذه رسالة لا تقل أهمية عن أي صاروخ أُطلق أو طائرة أُسقطت. لأنها تغير النفوس قبل أن تغير المعادلات.
الفلسفة الخفية لحرب الظلال
ربما كان أعمق ما في هذا التحول هو فلسفته الخفية، تلك التي نادرًا ما تناقش في الندوات العسكرية أو مؤتمرات الأمن الإقليمي. إنها فلسفة تتعلق بطبيعة القوة ذاتها، وكيف أنها قد تكون، في أبهى صورها، أشد أنواع الضعف تمويهًا.
لطالما آمن الغرب — ومنذ قرون — أن القوة يجب أن تُرى، وأن تظهر، وأن تفرض نفسها على الواقع بكل عنفوان. الطائرات الحربية تحلق في استعراضات جوية مبهرة. حاملات الطائرات تجوب البحار وكأنها مدن عائمة من الفولاذ. القنابل الذكية تصور لحظة إصابتها لأهدافها وبثها إلى العالم في الوقت الفعلي. كل شيء يهدف إلى إبهاج الحليف وإرهاب الخصم.
أما فلسفة الخداع، فهي فلسفة مختلفة تمامًا. إنها فلسفة تقول: لا تُرِ عدوَّك كل ما لديك. دعه يتخيل أنك أضعف مما أنت عليه، ثم فاجئه. دعه يظن أن طائراتك من الورق، ثم أطلِق عليه طائرات من حديد. دعه ينفق ثرواته على حماية نفسه من وهم من صنع يديك، بينما أنت تعد العدة للضربة الحقيقية في مكان آخر.
هذه الفلسفة ليست وليدة اليوم. إنها قديمة قدم الحروب نفسها. لكن إيران أعادت إحياءها ببراعة نادرة في زمن التكنولوجيا الفائقة والشفافية المزعومة. لقد أثبتت أن التخفي قد يكون أقوى من الظهور، وأن الصمت قد يكون أعلى من الضجيج، وأن الطائرة الخشبية المرسومة على الأرض قد تساوي في تأثيرها مئة طائرة حقيقية تحلق في السماء.
الخاتمة.. الهواء أثقل من الأرض
في غرب آسيا، لا تسقط الطائرات وحدها. تسقط معها — في كل مرة — روايات كاملة، ويقينيات راسخة، وصور مفبركة عن التفوق المطلق. تسقط معها ثقة الأمم في أن قواعد اللعبة ثابتة، وأن الخصم سيلتزم بالطريقة التي أتقنتها أنت.
فالسماء، مهما بدت واسعة وفضفاضة، تضيق فجأة حين تمتلئ بالوهم والحديد، بالخوف والغبار، بالمسيرات الرخيصة والصواريخ الباهظة. تضيق حتى لا تتسع إلا لمن يعرف كيف يطير فيها بخفة، كيف يختبئ في زواياها، كيف يجعل من الظل سلاحًا ومن الصمت قنبلة.
وما نراه اليوم، في هذه الصفحات التي لا تريد أن تكون نهاية بل بداية، ليس نهاية قصة سقوط طائرة أو عدة طائرات حربية امريكية في يوم واحد ، ولا ختامًا لفصل من فصول الصراع الدائر. إنه — في العمق — افتتاحية فصل جديد تمامًا، فصل تُعاد فيه كتابة قواعد القوة من الصفحة الأولى، وتُختبر فيه حدود السماء من جديد، وتتساءل فيه الأمم: هل القوة حقًا أن تمتلك أسرابًا من الطائرات الحديدية؟ أم أن القوة أن تجعل خصمك يظن أنك تملكها وأنت لا تملك سوى خيالك وعزيمتك؟
غرب آسيا يتغير. سماؤه تتغير. وقواعد اللعبة تتغير. ومن لا يدرك هذا التحول باكرًا، قد يستيقظ يومًا ليجد أن طائرته الجميلة قد سقطت — ليس بصاروخ أطلق عليه، بل بفكرة زرعت في رأسه قبل سنوات.
والسؤال الذي يبقى معلقًا في الهواء، أثقل من كل الطائرات التي تحلق فيه: من سيكتب الفصل القادم؟ ومن سيملي شروطه؟ ومن سيثبت أن السماء، رغم كل ما يعلوه من رادارات وصواريخ، تبقى في النهاية فضاءً للشجعان، وللأذكياء، ولأولئك الذين يعرفون أن الحرب لا تُربح بالأجنحة وحدها، بل بالعقول التي تقف خلفها؟
غرب آسيا ينتظر الإجابة. والإجابة، كما هي العادة، لن تأتي من السماء، بل من أعماق الأرض، ومن أعماق التاريخ، ومن أعماق الإرادة التي لا تنكسر.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية
...
-
في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
-
سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن
...
-
الفخ المقدس..رواية قصيرة
-
مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
-
مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف
...
-
ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
-
مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
-
مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال
...
-
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
-
إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
-
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي
...
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
-
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
-
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار
...
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
المزيد.....
-
نبيل بنعبدالله يعزي الرفيق خالد أحاجي، عضو اللجنة الوطنية لل
...
-
بدأت الإبحار من فرنسا.. ماذا نعرف عن -مهمة ربيع 2026- لكسر ح
...
-
15 طائرة عسكرية و146 مسيرة.. خسائر أمريكية إسرائيلية في الحر
...
-
ما الذي يحدث عندما تسقط طائرة في قلب المعركة؟
-
الحرب الأمريكية الإيرانية تذهب نحو بنك أهداف أكثر خطورة
-
ترمب يعتقد أنه يسوع.. الفيديو الذي يخشى البيت الأبيض أن يراه
...
-
الأرجنتين تؤكد مغادرة كبير دبلوماسيي إيران عقب قرار طرده
-
الإمارات.. الدفاعات الجوية تتعامل مع صواريخ ومسيّرات إيرانية
...
-
وسادة مقعد قارب نجاة من -تايتانيك-..قطعة نادرة للبيع في مزاد
...
-
-مروعة للغاية-.. عضو بالكنيست يصف سقوط شظايا صاروخ قرب منزله
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|