|
|
هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية في تاريخ الهيمنة الأمريكية على غرب آسيا
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 10:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لحظة كشف تغير قواعد اللعبة
في زمن تتزاحم فيه الأخبار بوتيرة جنونية، وتختلط فيه المعلومات بالأكاذيب، وتصبح الحقيقة سلعة نادرة كالنفط نفسه، تبرز لحظات نادرة يكون فيها الكشف الإعلامي بمثابة زلزال فكري يعيد تشكيل الوعي الجمعي للأمم. تلك اللحظة التي وقفت فيها الإعلامية الكبيرة هند الضاوي على أرضية برنامجها "حديث القاهرة" لم تكن مجرد حلقة عابرة في بحر البرامج الحوارية، بل كانت واحدة من تلك اللحظات الفارقة التي يخلدها التاريخ الإعلامي.
لقد استطاعت الضاوي، بجرأة لم تألفها الأقلام المأجورة، وبصيرة نافذة لم تعهدها الشاشات المذهولة، أن تقلب صفحات التاريخ المغيب، وأن تخرج من الأرشيفات المنسية مشاهد سينمائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تعود إلى عام 1987، أي قبل سبعة وثلاثين عامًا من كتابة هذه السطور، وقبل أن يحلم أحد بأن دونالد ترامب، رجل الأعمال اللامع وصاحب الأبراج الذهبية، سيصبح يومًا ما رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية.
في تلك المشاهد النادرة، التي تشبه وثيقة اعتراف مدان أكثر منها مقابلة تلفزيونية، يظهر ترامب في ريعان شبابه، بصوته الحاد ويديه المتحدثة وإشاراته القطعية، وهو يفضح الهدف الحقيقي لأي تدخل أمريكي في الشرق الأوسط. لم يلفّق ترامب الكلام، لم يزخرفه، لم يجمّله بمصطلحات حقوق الإنسان والديمقراطية التي توشحت بها الإدارات الأمريكية لاحقًا. كان صريحًا إلى حد القسوة، صادقًا إلى حد الإحراج: الاستيلاء على النفط. بدءًا من إيران، وصولاً إلى أعماق المنطقة كلها.
هذه اللحظة الإعلامية التي أهدتها هند الضاوي للرأي العربي والعالمي ليست مجرد وثيقة تاريخية، بل هي خريطة طريق لفهم الصراعات التي تشتعل في منطقتنا اليوم، وهي مفتاح سحري لفك طلاسم السياسة الخارجية الأمريكية التي تبدو متقلبة ومتناقضة، ولكنها في العمق ثابتة كصلصال الأرض، جامعة كقبضة اليد، تغير الأشكال وتبقي الجوهر: النفط، النفط، النفط.
عام 1987 - ترامب الرجل الصريح في زمن النفاق السياسي
لنعد بعقولنا إلى عام 1987. ذلك العام الذي كان فيه العالم لا يزال يعيش تحت وطأة الحرب الباردة، حيث كان الاتحاد السوفييتي يقف على قدميه كقطب مضاد للهيمنة الأمريكية، وحيث كانت إيران قد أنهت للتو حربها المدمرة مع العراق بثماني سنوات من النزيف البشري والاقتصادي. في ذلك الوقت، لم يكن النفط قد بلغ الأسعار الجنونية التي بلغها لاحقًا، ولكن أهميته الاستراتيجية كانت معروفة لكل من يقرأ الجغرافيا السياسية بعيون مفتوحة.
دونالد ترامب، رجل الأعمال العقاري النيويوركي، لم يكن يومًا رجل سياسة بالمعنى التقليدي. كان رجل صفقات، رجل أرقام، رجل مصالح مكشوفة. عندما تحدث عن النفط عام 1987، لم يكن يتحدث كمرشح رئاسي، ولم يكن يدافع عن أجندة حزبية، بل كان يتحدث كرجل أعمال يفهم أن من يملك النفط يملك مفاصل الاقتصاد العالمي. لقد قال بكل بساطة ما كان يفكر فيه كل صناع القرار في واشنطن ولكن لا يجرؤ أحد على البوح به على الهواء مباشرة.
الاعتراف الأمريكي، عبر لسان ترامب، بأن التدخل في الشرق الأوسط هدفه النفط، كان أشبه بكشف الغطاء عن لعبة كبرى كانت تدور خلف الكواليس لعقود. فمنذ مؤتمر القاهرة عام 1945 بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود، والعلاقة الأمريكية السعودية قائمة على معادلة بسيطة: نفط مقابل حماية. ولكن ترامب جاء ليوسع الدائرة، ليشمل إيران، ليشمل كل من يملك ثروة نفطية في هذه البقعة الجغرافية الفريدة.
ما أذهل المراقبين في كشف الضاوي ليس فقط صدق ترامب النادر، بل توقيت هذا الصدق. ففي عام 1987، كانت أمريكا لا تزال تتعافى من صدمة أزمة الرهائن في إيران، وكانت العلاقات الأمريكية الإيرانية في أدنى مستوياتها. كلمات ترامب إذن لم تكن من فراغ، بل كانت تعبيرًا عن استراتيجية طويلة الأمد، هدفها السيطرة على النفط الإيراني، ومن ثم النفط العربي، ومن ثم كل نفط الشرق الأوسط.
هند الضاوي - استثمار في عقلنة الإعلام العربي
في زمن تحولت فيه الشاشات العربية إلى ساحات صراع سياسي مكشوف، وإلى منابر لتسويق أجندات خارجية بثياب برامجية براقة، تبرز هند الضاوي كاستثناء نادر في المشهد الإعلامي العربي. لا يمكن فهم قيمة ما فعلته الضاوي دون فهم الخلفية القاتمة التي يعمل فيها الصحفيون المستقلون في العالم العربي.
لقد تحولت قنوات كبرى، كانت يومًا منابر للتنوير والتوعية، إلى مجرد ميكروفونات لأصحاب النفوذ والمال. وفي هذا السياق، كان برنامج "حديث القاهرة" بمثابة واحة في صحراء إعلامية قاحلة، حيث المعلومة مدروسة، والتحليل مستند إلى أدلة، والشجاعة في الطرح ليست مجرد ادعاء بل سلوك يومي.
هند الضاوي لم تكتف بعرض المادة التاريخية التي حصلت عليها، وهو إنجاز استقصائي بحد ذاته، بل تجاوزته إلى فك الأغطية الإعلامية التي يروج لها اليوم كخيوط عنكبوتية تهدف إلى تشتيت الرأي العام. تلك الروايات التي تتحدث عن "توريط نتنياهو لترامب" أو "توريط الموساد لصهره"، هي مجرد قصص تروى لاستهلاك المشاهد العربي العادي، بينما تدار اللعبة الكبرى من جهات أخرى.
إن ما فعلته الضاوي أشبه بعملية جراحية دقيقة، تزيل فيها الأنسجة الميتة من الخطاب الإعلامي السائد، لتظهر العظم الحي الحقيقي للصراع. لقد أوصلت المشاهدين إلى نتيجة مقلقة ولكنها حقيقية: الكل جزء من ماكينة واحدة، تديرها كيانات كبرى لا تظهر على السطح، تعمل بصمت خلف الستار، وتخدم مشروعًا استعماريًا غربيًا متجددًا.
هذه الماكينة ليست خيالًا مؤامراتيًا، بل هي واقع مؤسساتي ملموس. كيانات مثل بلاك روك، التي يسمع عنها القليلون، هي التي ترسم ملامح السياسات النيوليبرالية التي تنفذها الحكومات في واشنطن وعواصم أوروبا. حين تصير بلاك روك مهندسة السياسات، يصبح النفط والغاز والبشر كلهم مجرد أرقام في جدول حسابي، هدفه النهائي هو تعظيم الربح مهما كان الثمن.
بلاك روك - اليد الخفية التي تحرك العالم
لفهم أبعاد ما كشفته هند الضاوي، لا بد من الغوص في عالم بلاك روك، تلك المؤسسة المالية العملاقة التي تعد أكبر مدير للأصول في العالم. إنها ليست مجرد شركة استثمارية، بل هي دولة داخل دولة، بل هي إمبراطورية فوق الإمبراطوريات، تتحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي من وول ستريت إلى وادي السيليكون، ومن لندن إلى طوكيو.
بلاك روك تدير أصولاً تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، مما يعني أن نفوذها يفوق نفوذ معظم الحكومات في العالم. ولكن الأخطر من حجم الأصول هو طبيعة هذا النفوذ. فبلاك روك لا تكتفي بإدارة الأموال، بل تضع السياسات التي تنفذها الحكومات، وتكتب القوانين التي تصادق عليها البرلمانات، وتختار القادة الذين يخدمون مصالحها.
في عام 2018، أصدرت بلاك روك تقريرًا رسميًا حددت فيه ضرورة رفع سن التقاعد إلى 67 عامًا، وقدمت التقرير كحتمية اقتصادية نابعة من "شيخوخة السكان". لم يكن هذا التقرير مجرد دراسة أكاديمية يمكن مناقشتها أو نقدها، بل كان بمثابة فتوى نيوليبرالية نُفذت على الفور في عواصم أوروبا.
هذه الحادثة وحدها تكشف عن الطبيعة الحقيقية للنظام العالمي الجديد. ففي هذا النظام، لا الحكومات المنتخبة هي التي تقرر مصير شعوبها، بل المؤسسات المالية الكبرى التي لا أحد انتخبها ولا يستطيع محاسبتها. من لوكسمبورغ إلى بلجيكا وهولندا، مرورًا بفرنسا، تدرجت الحكومات في تطبيق هذه السياسة، تحت ضغط النقابات ووعي الشعب، ولكن الهدف النهائي كان واضحًا: الوصول إلى سن التقاعد المعلن بحلول عام 2030.
إن معركة سن التقاعد في أوروبا هي نفس معركة النفط في الشرق الأوسط. كلاهما جزء من صورة أكبر، هدفها النهائي هو إخضاع البشرية كلها لسلطة رأس المال الأمريكي والغربي. رأس المال الذي لا يعترف بحدود، ولا يقف أمامه سوى الوعي والمقاومة.
إيران - حجر العثرة في المشروع الأمريكي
ما أشارت إليه هند الضاوي من وعي إيراني عميق بطبيعة الماكينة الأمريكية، هو مفتاح لفهم استمرار المشروع الأمريكي للسيطرة على نفط الشرق الأوسط منذ عام 1987. فإيران ظلت طوال هذه العقود تشكل حجر عثرة في طريق هذا المشروع، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الذي يسيطر على مضيق هرمز، بل بسبب نموذجها السياسي المقاوم.
إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979 لم تكن مجرد تغيير في الحكم، بل كانت قطيعة مع نظام الهيمنة الغربية في المنطقة. القطيعة التي تجلت في شعار "لا شرقية ولا غربية" وفي رفض أن تكون إيران درعًا نفطيًا للمصالح الأمريكية كما كانت في عهد الشاه.
هذه القطيعة هي ما جعل إيران هدفًا للعقوبات الاقتصادية، والحصار السياسي، والتهديدات العسكرية لعقود كاملة. ولكن ما لم تستطع العقوبات فعله، وما عجزت عنه المؤامرات، كان الوعي الإيراني بطبيعة الصراع هو القادر على الصمود وإعادة تشكيل قواعد اللعبة.
وحين غامرت واشنطن في شهر مارس الفائت بمحاولة جديدة لكسر هذا الحاجز، جاء الرد الإيراني حاسمًا ومختلفًا تمامًا عن المواجهات السابقة. لم تكتف طهران بالتصريحات الدبلوماسية، ولا بالاستعدادات العسكرية، بل ذهبت إلى ما هو أعمق: فرضت أن يكون التعامل التجاري لنقل النفط عبر مضيق هرمز باليوان الصيني.
هذه الخطوة حملت رسالة واضحة لكل من يقرأ السياسة بلغة الأرقام: معركة المرحلة القادمة لن تكون عسكرية فقط، بل معركة عملات وهيمنة اقتصادية. إن تحويل النفط من سلعة تسعر بالدولار إلى سلعة تسعر باليوان ليس مجرد خيار تجاري، بل هو إعلان عن نهاية نظام البترودولار الذي حكم الاقتصاد العالمي لعقود.
البترويوان - تحالف عالمي لتغيير معادلة الاستغلال
هنا يمكن تقديم قراءة أعمق لما سمته إيران بـ"البترويوان". إنه ليس مجرد عملة جديدة للتجارة النفطية، بل هو إعلان عن تحالف عالمي ناشئ يسعى إلى تغيير معادلة الاستغلال والهيمنة الأمريكية التي استمرت لعقود.
نظام البترودولار، الذي تم ترسيخه في أعقاب انهيار نظام بريتون وودز عام 1971، كان آلة عجيبة لاستخراج الثروات من الدول المنتجة للنفط وإعادة توزيعها لصالح الاقتصاد الأمريكي. الفكرة بسيطة وعبقرية في آن: النفط يباع بالدولار، والدولار يطبع بحرية من قبل الاحتياطي الفيدرالي، مما يعني أن أمريكا تستطيع أن تحصل على النفط الحقيقي مقابل أوراق نقدية لا قيمة حقيقية لها.
العملة الأمريكية اليوم باتت تطبع دون غطاء إنتاجي حقيقي، ودون غطاء ذهبي، كما كان الحال في الماضي. كل ما يعطي الدولار قيمته هو البلطجة العسكرية والهيمنة الجيوسياسية. القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة حول العالم، والأسطول البحري الذي يسيطر على طرق التجارة البحرية، هي الضمان الحقيقي لقيمة الدولار، وليس الذهب الموجود في فورت نوكس.
مقابل هذا النظام، يقدم التحالف الناشئ، الذي يضم إيران والصين وروسيا ودولًا أخرى من العالم الثالث، رؤية جديدة للعلاقات الاقتصادية الدولية. رؤية تقوم على عملة تبادلية مغطاة بالإنتاج الفعلي والموارد الحقيقية. فاليوان الصيني ليس مجرد بديل للدولار، بل هو جزء من منظومة اقتصادية تشمل الإنتاج الصناعي الصيني الضخم، والموارد الطبيعية الروسية والإيرانية، وأسواق العالم الثالث المتنامية.
لهذا السبب وغيره، لم تكتف إيران بالتحول إلى اليوان في تجارتها النفطية، بل قامت بتدمير القواعد العسكرية والتجسسية في غرب آسيا، وتشرع الآن في تفكيك مقرات شركات الهيمنة التقنية مثل غوغل وتسلا وميتا وآبل. هذه الشركات التي تشارك بخوارزمياتها في عمليات الاغتيال لقادة المقاومة، وفي استعباد المنطقة عبر أدوات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
خوارزميات الهيمنة - الحرب التقنية كامتداد للحرب النفطية
إذا كان النفط هو شريان الحياة للاقتصاد الصناعي في القرن العشرين، فإن البيانات والخوارزميات هي النفط الجديد في القرن الحادي والعشرين. هذه الحقيقة لم تغب عن صناع القرار في واشنطن وسيليكون فالي، الذين أدركوا أن السيطرة على العالم اليوم تتطلب السيطرة على التدفقات الرقمية كما كانت تتطلب السيطرة على تدفقات النفط في الماضي.
شركات التقنية الكبرى، التي تظهر للعالم بأقنعة الابتكار والتقدم، هي في الحقيقة امتداد حديث للنماذج الاستعمارية القديمة. غوغل لا تجمع بياناتك فقط لتحسين خدماتها، بل لتغذية خوارزميات يمكن استخدامها في عمليات المراقبة الجماعية والتأثير السياسي والتلاعب بالوعي الجمعي.
ما قامت به إيران من تفكيك لمقرات هذه الشركات ليس مجرد عمل عدائي عابر، بل هو إعلان حرب على شكل جديد من أشكال الهيمنة. فمن خلال خوارزمياتها، شاركت هذه الشركات في عمليات الاغتيال لقادة المقاومة، وساعدت في تفكيك المجتمعات العربية عبر أدوات التواصل الاجتماعي، وعملت على ترويج روايات معينة وتهميش أخرى.
الاستهداف الإيراني لهذه الشركات يأتي ضمن رؤية متكاملة لفك أسر المنطقة من قبضة الهيمنة الرقمية الأمريكية. فكما كان لا بد من تحرير النفط من سيطرة البترودولار، كذلك لا بد من تحرير الفضاء الرقمي من سيطرة وادي السيليكون. المعركة واحدة، وإن تنوعت جبهاتها.
الإعلام العربي بين الخنوع والمقاومة
يبقى السؤال الأكثر إيلامًا في هذا السياق: أين الإعلام العربي من هذا الوعي؟ بينما تنشغل قنوات كبرى، تملأ الشاشات في القاهرة والرياض والدوحة وبيروت، بدعم روايات "توريط نتنياهو" أو "أخطاء صهر ترامب"، يبقى المشاهد العربي غارقًا في تفاصيل سطحية لا تغير في جوهر الصراع شيئًا.
هذه القنوات، التي تمول من عوائد النفط والغاز، تبدو وكأنها تعمل ليل نهار لصرف الانتباه عن الأسئلة الكبرى. أسئلة حول من يملك النفط حقًا، ومن يحدد سعره، ومن يقرر مصير الشعوب العربية. بدلًا من مناقشة هذه الأسئلة الجوهرية، نجد البرامج تتحدث عن التحالفات المتقلبة، والخلافات الشخصية بين القادة، والقصص الدرامية التي تستهلك المشاعر وتفرغ العقول.
في هذا الواقع الإعلامي البائس، تبقى نماذج مشرفة مثل هند الضاوي هي الجيش الحقيقي الذي يقف في وجه ماكينات الدعاية. إنها الجبهة الإعلامية للمقاومة، التي لا تكتفي بتقديم المعلومات، بل تسعى لبناء وعي نقدي قادر على مواجهة الأكاذيب الكبرى.
هذا الدور الإعلامي المقاوم لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة وجودية. فالمعركة مع الهيمنة الغربية لم تعد تُحسم فقط بالصواريخ والدبابات، بل بالكلمة الصادقة، والصورة الحقيقية، والتحليل العميق. وكل قناة لا تقدم هذا النوع من الإعلام هي، بطريقة أو بأخرى، مشاركة في استمرار الهيمنة.
نحو تحالف عالمي جديد
الرؤية التي تقدمها هند الضاوي في برنامجها، والتي تكتمل بالتحليل الاستراتيجي لطبيعة الصراع في المنطقة، ترسم ملامح تحالف عالمي جديد يتشكل تحت سطح الأحداث. هذا التحالف ليس تحالفًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، ولا هو حلفًا سياسيًا بمواثيق رسمية، بل هو تقاطع مصالح بين قوى تدرك أن النظام العالمي الحالي لا يخدمها.
إيران والصين وروسيا، دول البريكس، دول العالم الثالث، حركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن، كلها أطراف تدرك بشكل أو بآخر أن الهيمنة الأمريكية يجب أن تنتهي. الاختلافات بين هذه الأطراف كبيرة، والمصالح المتضاربة كثيرة، ولكن هناك قاسمًا مشتركًا يوحدها جميعًا: رفض نظام دولي يضع مصالح الغرب فوق مصالح بقية البشرية.
هذا التحالف الناشئ لا يقوم على أيديولوجية موحدة، ولا على زعيم واحد، بل على إدراك مشترك بأن النظام الحالي غير عادل ولا يمكن إصلاحه من الداخل. إنه تحالف عملي، يبحث عن بدائل للنظام النيوليبرالي الذي حول البشر إلى مجرد مستهلكين، والدول إلى أسواق، والثقافات إلى منتجات.
في هذا السياق، يأتي تحول إيران إلى اليوان في تجارتها النفطية كخطوة استراتيجية بامتياز. إنها رسالة للعالم مفادها أن عصر البترودولار يقترب من نهايته، وأن نظامًا جديدًا يقوم على تعدد العملات والتوازن الاقتصادي هو في طريقه إلى الظهور.
ما بعد البترودولار - سيناريوهات المستقبل
ماذا يعني انهيار نظام البترودولار للعالم؟ هذا السؤال يحدق بنا من كل اتجاه، والإجابة عليه تتطلب تخيل سيناريوهات متعددة للمستقبل. السيناريو الأول، والأكثر تفاؤلاً من وجهة نظر دول العالم الثالث، هو تحول النظام الاقتصادي العالمي نحو المزيد من التوازن والعدالة.
في هذا السيناريو، تتحرر الدول المنتجة للنفط من سطوة الدولار، وتستطيع أن تحصل على قيمة حقيقية مقابل مواردها. لم يعد النفط يُباع بأوراق نقدية تطبعها أمريكا حسب رغبتها، بل بعملات مرتبطة بإنتاج حقيقي أو بسلع قابلة للتخزين والتبادل. هذا التحول قد يؤدي إلى إعادة توزيع الثروة العالمية لصالح الجنوب العالمي، وقد يخلق فرصًا جديدة للتنمية المستقلة.
السيناريو الثاني، والأكثر قتامة، هو أن تحاول أمريكا استخدام قوتها العسكرية لمنع هذا التحول بأي ثمن. في هذه الحالة، قد نشهد تصعيدًا عسكريًا خطيرًا في المنطقة، قد يصل إلى حد المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى. الحروب التي نشهدها اليوم في أوكرانيا وغزة قد تكون مجرد مقدمات لصراع أوسع وأكثر تدميرًا.
السيناريو الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، هو تحول تدريجي نحو نظام مالي عالمي جديد دون انهيار مفاجئ أو حرب شاملة. في هذا السيناريو، يظل الدولار عملة مهمة ولكن ليس العملة الوحيدة، وتظهر عملات إقليمية مختلفة، ويتحول النظام المالي العالمي من هرمية إلى شبكية. هذا السيناريو قد يكون الأكثر ترجيحًا، لأنه يتيح للجميع وقتًا للتكيف دون صدمات مدمرة.
في كل هذه السيناريوهات، يبقى دور الوعي الإعلامي حاسمًا. فالشعوب التي تفهم طبيعة الصراع، وتعرف مصالحها الحقيقية، وتستطيع تمييز الحلفاء من الأعداء، هي التي ستخرج من هذه التحولات بأقل الخسائر وأكبر المكاسب.
تحية للمقاومة الإعلامية والحقيقية
في نهاية هذه الرحلة التحليلية، التي انطلقت من كشف إعلامي جريء لهند الضاوي، وصولاً إلى آفاق استراتيجية بعيدة المدى، نعود إلى البداية: إلى أهمية الكلمة الصادقة في زمن الأكاذيب الكبرى.
هند الضاوي ليست مجرد إعلامية، بل هي جندية في جيش الوعي الذي يحارب في جبهة لا تقل خطورة عن أي جبهة عسكرية. إنها تمثل نموذجًا نادرًا للصحفي الذي يضع المعلومة في سياقها، ويكشف الخيوط التي تربط ماضٍ استعماري فاضح بحاضر نيوليبرالي أكثر وحشية.
تحية لهند الضاوي، ولكل صحفي واعٍ يدفع ثمن شجاعته أحيانًا بالتهميش أو التهديد، ولكل مفكر وناشط يعمل في صمت لبناء تحالف عالمي جديد قادر على تغيير قواعد اللعبة لصالح شعوب العالم الثالث.
تحية لإيران التي أدركت اللعبة مبكرًا ودفعت الثمن غاليًا، وللمقاومة في كل مكان ترفع راية التحرر من الهيمنة بأشكالها كافة.
تحية للشعوب العربية التي تتعطش للمعلومة الصادقة والتحليل العميق، والتي تستطيع، إذا توفر لها الوعي الكافي، أن تغير مجرى التاريخ.
يبقى الأمل في أن ما كشفته هند الضاوي ليس مجرد وثيقة تاريخية للذكرى، بل هو شرارة بداية وعي جديد، قادر على مواجهة ماكينات الدعاية التي تمولها محميات النفط والغاز، وقادر على بناء مستقبل لا يكون فيه النفط لعنة على أهله، بل نعمة تعم بالخير على الجميع.
هكذا تتكامل الرؤية، وتنكشف الحقيقة، ويتبقى للتاريخ أن يسجل أن هناك من قال الكلمة في زمن الخوف، وأن هناك من كشف الحلم النفطي لترامب قبل أن يصبح كابوسًا على شعوب المنطقة. رحم الله من قال الحق، ولو كان مرًا، وليعلم الذين يتاجرون بالأكاذيب أن الزمن يعضد الصادقين، وأن النهاية دائمًا لمن يمتلك الحقيقة، وليس لمن يمتلك الشاشات.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
-
سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن
...
-
الفخ المقدس..رواية قصيرة
-
مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
-
مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف
...
-
ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
-
مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
-
مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال
...
-
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
-
إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
-
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي
...
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
-
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
-
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار
...
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
المزيد.....
-
نبيل بنعبدالله يعزي الرفيق خالد أحاجي، عضو اللجنة الوطنية لل
...
-
بدأت الإبحار من فرنسا.. ماذا نعرف عن -مهمة ربيع 2026- لكسر ح
...
-
15 طائرة عسكرية و146 مسيرة.. خسائر أمريكية إسرائيلية في الحر
...
-
ما الذي يحدث عندما تسقط طائرة في قلب المعركة؟
-
الحرب الأمريكية الإيرانية تذهب نحو بنك أهداف أكثر خطورة
-
ترمب يعتقد أنه يسوع.. الفيديو الذي يخشى البيت الأبيض أن يراه
...
-
الأرجنتين تؤكد مغادرة كبير دبلوماسيي إيران عقب قرار طرده
-
الإمارات.. الدفاعات الجوية تتعامل مع صواريخ ومسيّرات إيرانية
...
-
وسادة مقعد قارب نجاة من -تايتانيك-..قطعة نادرة للبيع في مزاد
...
-
-مروعة للغاية-.. عضو بالكنيست يصف سقوط شظايا صاروخ قرب منزله
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|