أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - حروب القرن 21: الطائرات المسيّرة، الحروب بالوكالة ومستقبل النزاعات الحديثة















المزيد.....

حروب القرن 21: الطائرات المسيّرة، الحروب بالوكالة ومستقبل النزاعات الحديثة


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

4 نيسان/أبريل 2026



في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، لم تعد الحروب تُخاض كما عرفها القرن العشرون، ولا حتى كما تصوّرها منظّرو القوة الكلاسيكيون. فالجبهات لم تعد خطوط تماس بشرية كثيفة، والهجوم لم يعد إندفاعًا ميكانيكيًا صاعقًا، بل تحوّل تدريجيًا إلى صراع إستنزاف ذكي، تقوده الخوارزميات، وتُحسم موازينه في السماء المنخفضة حيث تحلّق الطائرات المسيّرة.

في هذا السياق، تقدّم النصوص الأربعة لباحثين روس — لكل من ألكسندر ستافر، وألكسندر خارتشينكو، ويوري بارانتشيك، وروستيسلاف إيشينكو — مادة تحليلية ثرية، تكشف من زوايا مختلفة عن ملامح «الحرب الجديدة»؛ حرب تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الإقتصاد، والإستراتيجية مع النفسية الجماعية، والسياسة مع حدود القوة النووية.


أولًا: من «الإندفاع» إلى «الإستنزاف الذكي»

يضع ألكسندر خارتشينكو إصبعه على التحول الأكثر جذرية في ساحة المعركة حين يقول: «لقد أصبحت الطائرات المسيّرة تهيمن بشكل كامل على ساحة المعركة… أما الآن فلا يصل إلى الهدف إلا المحظوظون».

هذا التحول لا يعبّر فقط عن تطور تقني، بل عن إنقلاب في طبيعة القتال نفسه. فالجبهة، كما يصفها، «أصبحت شبه خالية من البشر»، حيث لم يعد الاشتباك المباشر هو القاعدة، بل الإستهداف عن بُعد، والمراقبة المستمرة، والقتل المؤتمت.

ويؤكد خارتشينكو أن المشكلة لم تعد في نقص الجنود أو حتى في حجم القوات، بل في حدود الإنسان نفسه: «بلغ الجندي حدوده البشرية القصوى… وكما يبدو بديهيًا، فإن الأذكى هو من سينتصر».

وهنا، تنتقل الحرب من كونها إختبارًا للقوة البشرية إلى كونها إختبارًا للقدرة على الإبتكار، والدمج بين الأنظمة، وإنتاج تفوق نوعي في بيئة مشبعة بالمخاطر.


ثانيًا: الجبهة كـ«منطقة قتل ذكية»

يتقاطع هذا التحليل مع ما يقدمه يوري بارانتشيك، الذي ينقل النقاش من الوصف الميداني إلى قراءة ديناميات التقدم العسكري. فهو يلاحظ أن الأرقام لا تشير إلى توقف الهجوم، بل إلى تباطؤه: «الإحصاءات تظهر ليس توقف الهجوم، بل إنخفاضًا تدريجيًا في سرعته بعد ذروة نهاية 2024».

لكن السبب، كما يوضح، أعمق من الطقس أو الجغرافيا: «تحولت الجبهة إلى منطقة مشبعة بالطائرات المسيّرة… أي تجمع يُكتشف بسرعة ويُدمّر».

بهذا المعنى، لم تعد الجبهة خطًا دفاعيًا أو هجوميًا، بل «بيئة مراقبة ونيران كثيفة»، حيث يصبح البقاء نفسه إنجازًا تكتيكيًا. ولذلك يصف التقدم بأنه لم يعد «إندفاعًا»، بل: «تقدم بطيء عبر الضغط، حيث يمكن إحتلال الموقع، لكن دون حماية يُقضى على من فيه بسرعة».

إنها حرب تُكافئ الحذر، وتعاقب التجمّع، وتحوّل كل خطوة إلى مخاطرة محسوبة.


ثالثًا: وهم الحسم السريع

في المقابل، يذهب ألكسندر ستافر إلى نقد البنية الذهنية التي لا تزال تراهن على الحسم السريع، محذرًا من الميل إلى التقليل من شأن التهديدات. يقول بوضوح: «نحن عمليًا دائمًا نقلل من شأن التهديدات»،
مستحضرًا ذاكرة تاريخية تنتقي الإنتصارات وتتجاهل كلفتها البشرية.

لكن تحذيره الأهم يتعلق بطبيعة التهديد الجديد، حيث يشير إلى تصاعد قدرات العدو في مجال المسيّرات، متسائلًا:
«هل نحن واثقون أن دفاعاتنا الجوية قادرة على تحمّل مثل هذه الموجات؟»

ويذهب أبعد من ذلك، حين يربط بين هذه الهجمات وبين إستراتيجية أوسع: «إطلاق مئات الطائرات المسيّرة هو شكل حديث من الإستطلاع بالقتال… إختبار لقدرة الدفاعات الجوية».

هنا، تتحول الهجمات من مجرد أدوات ضغط إلى أدوات معرفة، تكشف نقاط الضعف وتعيد تشكيل موازين الردع.


رابعًا: عودة حروب الوكالة… في ثوب نووي

أما روستيسلاف إيشينكو، فيضع هذه التحولات ضمن إطار تاريخي أوسع، رافضًا فكرة «الجِدّة المطلقة». فهو يرى أن ما نعيشه اليوم ليس إلا إستمرارًا لنمط قديم: «كل هذا حدث من قبل… وتكرر أكثر من مرة».

لكنه يميز بين حروب الوكالة القديمة والحديثة، مشيرًا إلى أن الفارق الجوهري يكمن في السياق النووي. ففي الماضي، كانت القوى الكبرى قادرة على المناورة عبر وكلاء، أما اليوم، فإن الصراع محكوم بسقف نووي يمنع الحسم المباشر، ويحوّل الحرب إلى لعبة إستنزاف مفتوحة.

ويصل إيشينكو إلى خلاصة شديدة الأهمية: «القوى العظمى لا تفكر في الهزيمة… وأي تسوية يجب أن تتم وفق شروطها».

هذا يعني أن الحروب لم تعد تُخاض من أجل تحقيق مكاسب محدودة، بل من أجل تجنب خسارة إستراتيجية شاملة. ومن هنا، تصبح حتى «الضربة النووية المحدودة» — كما يقول — «ليست أمرًا إستثنائيًا، بل الحجة الأقوى في صراع بالوكالة».


خامسًا: معادلة القوة الجديدة — من يملك السماء المنخفضة؟

إذا جمعنا خيوط هذه التحليلات، تتضح معالم معادلة جديدة للحرب:
▪️لم يعد التفوق العددي كافيًا، لأن «أي تجمع يُكتشف ويُدمّر» (بارانتشيك).

▪️ولم تعد الشجاعة الفردية حاسمة، لأن «الجندي بلغ حدوده» (خارتشينكو).

▪️ولم يعد الزمن في صالح الأطراف التقليدية، لأن «التأجيل يفاقم المخاطر» (ستافر).

▪️ولم يعد الحسم ممكنًا دون كلفة وجودية، لأن «الهزيمة غير مقبولة للقوى الكبرى» (إيشينكو).


في قلب هذه المعادلة، تبرز المسيّرات كأداة حاسمة. فهي ليست مجرد سلاح، بل بنية كاملة للحرب: إستطلاع، إستهداف، ردع، وإستنزاف. ولذلك يختصر خارتشينكو المشهد بعبارة مكثفة: «من يملك طائرات مسيّرة أدق وأكثر، يمتلك التفوق».


سادسًا: نحو «كاسر قواعد اللعبة»

لكن هذه المرحلة، كما يشير بارانتشيك، ليست نهائية. إذ يؤكد أن الوضع الحالي سيستمر: «من دون عامل يغيّر قواعد اللعبة… سيبقى التقدم بطيئًا وصعبًا».

وهنا تلتقي تحليلات الجميع عند نقطة واحدة: الحاجة إلى إختراق نوعي — سواء كان تكنولوجيًا (أنظمة حماية فعالة ضد المسيّرات)، أو إستراتيجيًا (تغيير قواعد الإشتباك)، أو حتى سياسيًا (تسوية كبرى).


خاتمة: حرب بلا نهاية… أم بداية لنظام جديد؟

ما تكشفه هذه النصوص مجتمعة ليس مجرد توصيف لحرب قائمة، بل ملامح لمرحلة تاريخية جديدة. مرحلة تتآكل فيها الحدود بين الحرب والسلام، وتتراجع فيها القدرة على الحسم، وتتقدم فيها التكنولوجيا لتعيد تعريف معنى القوة.

إنها حرب لا يُحسم فيها النصر بسرعة، ولا تُقبل فيها الهزيمة، ولا يُمكن فيها تجاهل المخاطر. حرب تُدار على إيقاع بطيء، لكنها تحمل في طياتها إحتمالات إنفجار كبرى.

وفي هذا العالم الجديد، لم يعد السؤال: من الأقوى؟
بل: من الأذكى، والأسرع تكيفًا، والأقدر على كسر القواعد قبل أن تتحول إلى قيود.


*****

المراجع والمصادر


خارتشينكو، ألكسندر. «حول واقع الجبهة»، تحليل ميداني حول تحولات ساحة المعركة وهيمنة الطائرات المسيّرة.

بارانتشيك، يوري. تحليل حول ديناميات الهجوم العسكري وتحوّل الجبهة إلى بيئة مشبعة بالمسيّرات والاستنزاف التكنولوجي.

ستافر، ألكسندر. مقالات تحليلية حول التهديدات العسكرية المعاصرة، مع تركيز على دور الطائرات المسيّرة واختبار أنظمة الدفاع الجوي.

إيشينكو، روستيسلاف. دراسات استراتيجية حول الحروب بالوكالة في ظل الردع النووي وتحوّل أنماط الصراع الدولي.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين - الجيوسياسة القائمة على النبوءات (برنامج إيسك ...
- واشنطن تبحث عن مخرج… وتل أبيب تواجه العاصفة: كيف تكشف حرب إي ...
- خطاب ترامب إلى حكم الحمقى (Idiocracy)
- بين القانون والقوة: من يتحمّل مسؤولية تدمير الإقتصاد العالمي ...
- ديفيد نورث في برلين: جريمة الحرب على إيران وأصول الإمبريالية ...
- ألكسندر دوغين - الولايات المتحدة على شفير الهزيمة (برنامج إي ...
- ألكسندر دوغين - ما بعد الحداثة العالمية (برنامج إيسكالاتسيا ...
- باب المندب: كيف يمكن لمضيق صغير أن يشعل أزمة طاقة عالمية؟
- إيران عند مفترق تاريخي: كيف تُعاد صياغة النظام الدولي
- ألكسندر دوغين - محاور الحرب العالمية الثالثة تتضح يوماً بعد ...
- ال فورين أفيرز - أميركا وإيران: حين تتحول القوة إلى مأزق
- ألكسندر دوغين - جيوبوليتيكا الحرب العالمية الثالثة
- إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل: إستراتيجية الصمود ...
- من صفحات التاريخ..... يوري أفونين: «الإتحاد السوفياتي قائم ق ...
- للفشل… جائزة إسرائيلية! ترامب يُحدد موعد نهاية حربه ضد إيران ...
- هل إنتهت حماس فعلًا؟ - قراءة في عودتها الصامتة في غزة
- حرب بلا إسم: كيف تهرب موسكو من الحقيقة؟
- هل لإسرائيل حق في الوجود… بينما لا تولد فلسطين؟
- ديمونا وما بعدها: إختبار الردع وحدود القوة في مواجهة إيران
- من صدمة النفط إلى ولادة البترودولار: كيف أُعيد تشكيل الإقتصا ...


المزيد.....




- الطيار الأمريكي المفقود.. تايمز: مخاوف أمريكية من أزمة رهائن ...
- تعرف على مواصفات -إف 15 سترايك إيغل- التي أسقطتها إيران
- غضب إيراني بسبب قصف الأمريكيين جسر كرج
- -تل أبيب أجبرتنا-.. الحزب الديمقراطي يسلك مسارا أكثر عداء لإ ...
- إسرائيل تدمر جسرين على الليطاني وحزب الله يستهدف مستوطنات با ...
- تلغراف: هكذا شتتت حرب ترمب -السامة- على إيران اليمين الأوروب ...
- دبي: الجهات المختصة تعاملت مع حادث سقوط شظايا على واجهة مبنى ...
- رئيس برلمان إيران -يسخر- من أمريكا بعد إسقاط مقاتلتها.. ويطر ...
- 36 قتيلا وجريحا في استهداف حي سكني بمحافظة البرز الإيرانية
- دبي: الجهات المختصة تعاملت مع حادث سقوط شظايا على واجهة مبنى ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - حروب القرن 21: الطائرات المسيّرة، الحروب بالوكالة ومستقبل النزاعات الحديثة