|
|
-عروبة 22- والربيع العربي
محمد علي مقلد
(Mokaled Mohamad Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 22:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نشرت منصة "عروبة22"، في شهر كانون الأول 2025، نصاً على حلقتين للباحث محمد الشرقي، بعنوان، الربيع العربي والحروب الأهلية والإقليمية"، فتحول الربيع على يده إلى خريف، وأجهضت العروبة ورسالة "المنصة"، وانسدت لعقود قادمة كل الأبواب أمام نهوض الأمة. ربما كان الحكم على النص قاسياً، لكنه ليس ظالماً. مرد القسوة هو أن المنصة فاجأتني، بعد أن نصحني أحدهم بالدخول إليها وبالاطلاع على ما تنشره نخبة من الباحثين على صفحاتها، بإدراج نص محمد الشرقي في عداد الأبحاث. المقدمات التي استند إليها قد تكون صحيحة، بل هي صحيحة لأن قوامها أرقام وبيانات اقتصادية ومالية، لكن استنتاجاته خاطئة تماماً بغياب الربط المنطقي. لا المنطق الجدلي ولا الشكلي ولا الرياضي. يقول الشرقي عن ثورات الربيع العربي "في الذكرى ال 15 لانطلاقة شرارتها " أنها تحولت إلى "صراع على السلطة، وكانت الكلفة المادية والبشرية باهظة". ويتابع تشخيصه بسرد الوقائع قائلاً "إن حراك ثورة الياسمين ما فتئ أن تحول إلى حروب أهلية نتج عنها ملايين القتلى والمصابين والمهجرين... وأدى إلى انهيار أنظمة الحكم وتفكك كيان الدولة السياسي والمجتمعي، وتحول إلى عصبيات دينية وعرقية وجغرافية متناحرة". التشخيص بالأرقام مستمد من "تقديرات الأمم المتحدة ومن مصادر محلية". تحتاج سوريا إلى 216 مليار دولار لإعادة ترميم ما تهدم، والسودان إلى 700 مليار وليبيا إلى 570 مليار ولبنان إلى 11 مليار وغزة إلى ما بين 70 و80 مليار والعراق إلى 125مليار"، فضلاً عن تراجع عملات عربية وتدهورها سريعاً... وهذا يشمل الجنيه السوداني والليرة اللبنانية والليرة السورية والريال اليمني والدينار الليبي والعراقي والجزائري والتونسي". لا الوقائع تكفي ولا الأرقام لبناء تشخيص سليم، فهي لا تنطق بنفسها بل تحتاج إلى قراءة. أما التلميح فليس من أركان البحث العلمي ولا من مبادئه ولا من أسسه. ربما كان تخصص الشرقي في حقل الاقتصاد يقتضي استكمال إتقانه معرفة الأرقام بإتقانه ربطها بالعوامل السياسية. ربما كان عليه أن يسأل عن التسمية، هل هي ثورة أم حراك أم انتفاضة أم مظاهرات احتجاج؟ أن يسأل عن الزمان والمكان. لماذا حصل ما حصل في زمن واحد؟ وماذا يجمع بين البلدان التي اندلعت فيها تلك الشرارة؟ التشخيص السليم يلزمه قراءة مختلفة ومنهج مختلف. في 9-2-2011، ولم يكن الربيع العربي قد انتقل إلى أبعد من تونس ثم مصر، نظمت مجموعات من أحزاب لبنانية تظاهرات تضامنية مع ثورة مصر، قلت لهم في مقالة منشورة في الحوار المتمدن، "أيها المتضامنون هذه الثورة قامت ضدكم". في شهر آذار بدأ ربيع سوريا، فهب "المتضامنون اللبنانيون" إلى نصرة النظام السوري ضد الثورة، ليؤكدوا ما سبق أن قلته عنهم قبل شهر. النقد الذاتي هو شرط وصول القراءة إلى منتهاها الصحيح. قلت في مقالتي عن "المتضامنين" "إن ثورتي مصر وتونس على منعطف العام 2010، وكذلك ثورات سواهما التي حصلت بقوة قوانين التاريخ، هي نقد ذاتي قاس لمرحلة عدت ناصعة في تاريخنا، لكنه ليس نقداً انقلابياً على طريقة أصحاب القبعات العسكرية ولا على طريقة العمائم، بل نقد يحفظ لعبد الناصر مجد نهوض عربي عارم، ولليسار مجد تضحيات من أجل القيم الكبرى، وللحركة القومية العربية بناصرييها وبعثييها وشيوعييها وإسلامييها مجد مواجهات كبرى مع "الاستعمار والصهيونية والرجعية". النقد التونسي والمصري لم ينقلب على هذه الأمجاد، بل على الاستبداد الذي مورس بحق الشعوب العربية باسم هذه الأمجاد. ذلك أن باب الدخول في الحضارة الحديثة، إن جاز اختصاره في كلمة، هو نهاية عصر التوريث السياسي، نهاية عصر الممالك والإمبراطوريات والسلاطين، وبداية عصر الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن المؤسف أن تكون مرحلة الأمجاد الناصرية القومية اليسارية قد تأسست على حكم التوريث والقضاء على بذور الديمقراطية الفتية في حينها. العالم العربي ظل وحده على الكرة الأرضية خارج نقد الماضي فظل محكوماً بالوراثة. حتى في الأنظمة التي كانت تعتمد الانتخابات كان يتم اختيار الحاكم فيها بالوراثة أو بالتمديد أو بالتجديد، أو بانقلاب الشقيق على الشقيق والضابط على الضابط والمعمم على المعمم، أسماء مختلفة لمسمى واحد هو التمسك بسلطة "إلى الأبد"، سلطة كتبت أبديتها بأحرف من نار وحبرها من دماء الشعوب وعرقها. انظروا إلى الأمة من المحيط إلى الخليج، فيها أكبر المعمرين من الحكام، فيها عميد الحكام في العالم، وحكامها يخيرون شعوبهم بين اثنين: إما حكمهم الأبدي إما الحروب الأهلية. هناك قراءات كثيرة أخرى أجرت عملية النقد الذاتي، ومع ذلك استكثرت اسم الثورة على الربيع العربي. 182 شخصية يسارية تحاورت على صفحات "الحوار المتمدن" عكست غربة التنظيمات اليسارية عن ذلك الحدث الكبير، إما لأنها لم تنخرط فيه إما لأنها توهمت لها دوراً فيه مزعوماً، والصحيح الصحيح أن الأحزاب الشيوعية على وجه الخصوص وقفت من الربيع موقفاً سلبياً لأنها شريكة الأنظمة والحركات القومية والإسلامية في تكريس الاستبداد أو في تجديد أطره وأشكاله وأساليبه. خطأ هذه القراءات أنها ظلت حبيسة التفسير الاقتصادي للثورة، وهو تفسير مستلهم من تفسير مغلوط لفكرة ماركس القائلة بأولية العامل الاقتصادي والصراع الطبقي في صناعة التاريخ. وقع في هذا الخطأ مفكرون كبار ممن ناصروا الربيع لكنهم لم يصدقوا أنه ثورة وفضلوا أن يسموه انتفاضة أو حراكاً أو مظاهرات احتجاج، أذكر من بينهم سمير أمين وفواز طرابلسي وأديب نعمة وجاك قبانجي. نوع آخر من القراءات أجرى نقداً ذاتياً قاسياً للتاريخ العربي الإسلامي ظهر في كتابات الشاعر الكبير أدونيس، علي أحمد سعيد، وفي مقابلاته ومحاوراته الإعلامية، لكنها من نوع القراءة الثقافية التي كرر فيها ما سبق أن قاله من أول كتاب أصدره قبل خمسين عاماً على اندلاع شرارة بوعزيزي في تونس، الكتاب الذي حمل عنوان الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والاتباع عند العرب. غير أنه، وهو الثائر بعنف على التقليد والناقد بقسوة التراث الديني الإسلامي، تفادى، على طريقة اليسار الماركسي، القراءة السياسية، فلم يعترف بثورة تخرج من المساجد، بحسب تعبيره. الربيع العربي ثورة، قلت عنها في كتابي، "هل الربيع العربي ثورة؟"، بل هي أول ثورة منذ نشر الدعوة الإسلامية، حاولت أن تستكمل ما أحجم العالم العربي عن فعله عام 1798 عند مجيء بونابارت إلى مصر، أو ما تردد في فعله أيام محمد علي باشا وسلالته، واستمر على إحجامه حتى لحظة بوعزيزي. هي التي حاولت أن تنجز ثورته السياسية الرامية إلى نقل العالم العربي من أنظمة الاستبداد إلى رحاب الديمقراطية. لم يقل الربيع العربي شيئاً عن القضايا الكبرى التي احتلت الصدارة خلال القرنين الماضيين اللذين أزيحت فيهما قضية الديمقراطية من الصدارة ووضعت على رفوف القضايا القومية الكبرى وباسمها، ولا سيما قضية فلسطين، ليمارَس على الشعوب العربية عنف غير مسبوق تولته أنظمة الحزب الواحد أو أنظمة التعيين والوراثة والانقلابات العسكرية، التي وجدت نفسها في تحالف لدود تحت خيمة نظام الممانعة في سوريا وبعده في إيران. منهج محمد الشرقي لا ينتمي إلى أي من هذه القراءات. هو أقرب إلى المنهج الغيبي الذي لا يعترف بقانون السببية والذي بإمكانه أن ينسب سقوط المطر إلى صلاة الاستسقاء. كان بإمكانه أن يقول عن الربيع العربي أنه ثورة لم تبلغ نهاياتها السعيدة، شأنه شأن ثورات أخرى في التاريخ. الفرنسية استمرت مئة عام، السوفياتية أخفقت عام 1905 لتستأنف عام 1918، والصينية ما زالت تجدد نفسها منذ ماو تسي تونغ. أما أن يحمله مسؤولية الخسائر بمليارات الدولارات، فهو لعمري دفاع غير مقصود عن مفجري الحروب الأهلية في كل الجمهوريات الوراثية وأنظمة الاستبداد "التقدمية" من الجزائر غرباً حتى العراق ومن سوريا شمالاً حتى اليمن، وخصوصاً عن حرب تولاها الجيش السوداني بذاته بعد أن رفض الشعب الانخراط فيها، وعن تهجير نصف الشعب السوري على يد نظام الاستبداد البعثي وعن تدمير المدن والقرى بقوة البراميل التي انفجر نصفها فوق رؤوس السوريين ونصفها الآخر في مرفأ بيروت. قدمت ثورة 17 تشرين اللبنانية أفضل تعبير عن الربيع العربي. فهي أتت تتويجاً لسلسلة من الانتفاضات والاحتجاجات التي اقتصرت شعاراتها على قضايا مطلبية وعلى تحسين الشروط المعيشية للمواطنين. لكن الثورة أجرت تعديلاً على شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، فحولته إلى "الشعب يريد تطبيق النظام"، ذلك أن المشترك في كل ثورات الربيع العربي تجسد في المطالبة بقيام الدولة الدستورية. ثورة 17 تشرين جمعت اللبنانيين من كل الطوائف والمناطق في حبل بشري امتد من الناقورة جنوباً على الحدود مع فلسطين المحتلة حتى النهر الكبير شمالاً على الحدود مع سوريا، ونظمت عرضاً مدنياً في عيد الاستقلال، بديلاً من عرض عسكري كان ينظمه الجيش اللبناني، لتؤكد الطابع السلمي للثورة. مع ذلك أخفقت، لا لعدم وضوح في مشروعها التغييري ولا لغياب قياداتها، بل لأن أحزاب جبهة الممانعة استخدمت ضدها هراوات الشرطة و"موتوسيكلات" الميليشيات ورصاص بنادقها. غير أنها، رغم إخفاقها، ما زالت حاضرة في برامج القوى المطالبة بالتغيير، وفي خطاب القسم الرئاسي وفي البيان الوزاري وفي قرارات الحكومة، وهي تنتظر اجتماع قوى المجتمع المدني على تشكيل كتلة ضغط فاعلة بهدف واحد هو إعادة بناء الوطن والدولة على أساس الديمقراطية وسيادة القانون.
#محمد_علي_مقلد (هاشتاغ)
Mokaled_Mohamad_Ali#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ثلاث أصوليات ضحايا الحرب في الشرق الأوسط
-
نحن وهم
-
مأساة القرى المسيحية في الجنوب تختصر الخلاف على تاريخ لبنان
-
مع حسين حرب أو محمد فران. حوار يساري بين لبنانيين
-
فضائح اللبنانيين في حفرة رون آراد
-
نهاية حزب الله وسائر الأصوليات: في منهج البحث
-
مهزلة الخوف على التاريخ
-
هل تحول النضال النقابي إلى -لعبة مسلية-؟
-
طورا بورا المارونية السياسية
-
استعصاء السياسة أم استعصاء النهضة؟ قراءة في كتاب شربل داغر
-
إيلي سالم:كرامة الدولة من كرامتنا الشخصية
-
تحرر من الاستعمار أم من الاستبداد؟
-
البلطجية أعلى مراحل الرأسمالية
-
نقاش مع مشاري الذايدي عن الموديل الغربي
-
الطائفية، أي تشخيص وأي علاج؟
-
المهزومون
-
صوبوا على الطائفية وما أصابوا
-
من قتل مهدي عامل ولماذا قتلوه؟
-
هل التفاوض لعب على اللغة؟
-
حبيب صادق وسيمون كرم والممانعة
المزيد.....
-
الطيار الأمريكي المفقود.. تايمز: مخاوف أمريكية من أزمة رهائن
...
-
تعرف على مواصفات -إف 15 سترايك إيغل- التي أسقطتها إيران
-
غضب إيراني بسبب قصف الأمريكيين جسر كرج
-
-تل أبيب أجبرتنا-.. الحزب الديمقراطي يسلك مسارا أكثر عداء لإ
...
-
إسرائيل تدمر جسرين على الليطاني وحزب الله يستهدف مستوطنات با
...
-
تلغراف: هكذا شتتت حرب ترمب -السامة- على إيران اليمين الأوروب
...
-
دبي: الجهات المختصة تعاملت مع حادث سقوط شظايا على واجهة مبنى
...
-
رئيس برلمان إيران -يسخر- من أمريكا بعد إسقاط مقاتلتها.. ويطر
...
-
36 قتيلا وجريحا في استهداف حي سكني بمحافظة البرز الإيرانية
-
دبي: الجهات المختصة تعاملت مع حادث سقوط شظايا على واجهة مبنى
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|