أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - جدلية الحشد والفصائل المسلحة في السيادة الهجينة















المزيد.....

جدلية الحشد والفصائل المسلحة في السيادة الهجينة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 01:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يصعب فهم ظاهرة الفصائل المسلحة في العراق دون إدراك أنها ليست مجرد "مليشيات" بالمعنى التقليدي ولا هي مؤسسات دولة كاملة السيادة، بل تقع في منطقة رمادية بين الاثنين حيث تمتلك شرعية جزئية مستمدة من الدولة وقوة مادية مستقلة عنها في الوقت ذاته وهذه الازدواجية هي أصل الإشكال وهي ما يجعل الرأي العام يتعامل معها إما بتبسيط مخل يصل إلى التخوين أو التمجيد المطلق أو بعجز عن الفهم.
لقد جاء ظهور الحشد الشعبي بعد فتوى السيد علي السيستاني سنة 2014 في سياق مواجهة تنظيم داعش ليمنح هذه التشكيلات شرعية دفاعية واضحة لكنها مع مرور الوقت تحولت من استجابة طارئة إلى بنية دائمة وهنا بدأت الجدلية التي تتمثل في التناقض بين الشكل الرسمي والاستقلال الفعلي للفصائل المسلحة.
الفصائل المسلحة في العراق ليست وليدة سنة 2014، بل تمتد جذورها إلى ما بعد 2003 حين تفككت الدولة وظهر فراغ أمني وسياسي وفي تلك اللحظة نشأت فصائل متعددة بدوافع مختلفة منها مقاومة الاحتلال الأمريكي وحماية المكونات الطائفية ومشاريع أيديولوجية مرتبطة بقوى إقليمية إضافة إلى شبكات قوة محلية تبحث عن النفوذ لكن نقطة التحول الكبرى جاءت مع اجتياح داعش لمساحات واسعة من العراق ما أعاد تعريف هذه الفصائل من فاعل مواز إلى ضرورة وطنية ومن هنا بدأت تظهر الفجوة بين دورها الدفاعي المؤقت واستقلالها المستمر لاحقاً.
تستند الفصائل خصوصاً ضمن قوات الحشد الشعبي إلى شرعية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والقانونية والواقعية، فالشرعية الدينية ترتبط بفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع علي السيستاني وهي وإن كانت محددة زمانياِ بمواجهة الخطر الوجودي، إلا أنها تحولت إلى مرجعية رمزية مستمرة أما الشرعية القانونية فقد ترسخت عندما أقر البرلمان العراقي في 26 نوفمبر 2016 قانون الحشد ليصبح جزء من المنظومة الأمنية الرسمية غير أن هذه الشرعية تعاني من تناقض جوهري يتعلق بطبيعة خضوع الحشد لسلطة الدولة بينما تبقى الشرعية الواقعية أي امتلاك السلاح والقدرة على الحشد والسيطرة هي الأكثر تأثيراً عملياً لأنها تفرض عبر موازين القوة لا عبر النصوص.
الفصائل المسلحة التي تنتمي رسمياً إلى قوات الحشد الشعبي تتقاضى رواتبها من ميزانية الدولة ما يمنحها غطاءً شرعياً أمام الإعلام والمجتمع وهي من الناحية الشكلية جزء من مؤسسة رسمية خاضعة للبرلمان والحكومة لكن الواقع العملي يكشف أنها تعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلال، فهي ليست مجرد وحدات عسكرية ضمن قيادة مركزية صارمة، بل تمتلك قراراتها الخاصة ونفوذها المباشر على الأرض وغالباً قدرتها على التحرك دون الرجوع إلى القيادة الرسمية وهو ما يخلق فجوة بين الانتماء المؤسسي والسلوك الفعلي.
ولفهم هذه الحالة يمكن الاستعانة بمفاهيم نظرية مثل الدولة الهجينة حيث تتداخل مؤسسات الدولة الرسمية مع قوى غير رسمية تمارس السلطة فعلياً وهو ما يجعل السيادة جزئية وغير مكتملة وكذلك مفهوم السيادة المجزأة الذي يشير إلى أن الدولة لا تحتكر القوة داخل حدودها، بل تتقاسمها مع فاعلين مسلحين وهو ما يظهر في قدرة بعض الفصائل على التحكم بمناطق معينة واتخاذ قرارات مستقلة إضافة إلى نظريات الميليشيات التي ترى أن هذه الجماعات تنشأ غالباً في بيئات تعاني من ضعف الدولة أو من تهديدات أمنية حادة لكنها تتحول مع الوقت إلى بنى دائمة يصعب تفكيكها وأن التعامل معها بالقوة وحدها غالباً ما يؤدي إلى صراع داخلي بينما يتطلب دمجها في الدولة عمليات معقدة من إعادة الهيكلة والتحفيز السياسي.
هذا التناقض يعكس حالة ازدواج السيادة ويخلق التباساً كبيراً لدى الرأي العام فالبعض يرى الفصائل جزء من الدولة تسهم في حماية الأمن وتعمل وفق القانون بينما يراها آخرون ككيانات شبه مستقلة تمتلك قراراتها ونفوذها السياسي والمالي الخاص وربما ترتبط بأجندات إقليمية وهو ما يثير القلق بشأن وحدة الدولة وبالتالي يصبح تقييمها معقداً بين كونها قوة داعمة للدولة أو منافساً داخلياً لها.
يعاني الحشد الشعبي كمؤسسة بدوره من تفاوت داخلي، فبعض وحداته تعمل وفق قيادة مركزية واضحة وتشارك بفعالية في العمليات الأمنية، في حين تمثل الفصائل الأكثر استقلالاً حالة تشبه الدولة داخل الدولة حيث تحسم القرارات على مستوى الفصيل لا القيادة الموحدة وهو ما يؤدي إلى تشتت القوة وصعوبة توحيد الخطط ويؤثر سلباً على صورته داخلياً وخارجياً.
يزيد البعد المالي من تعقيد المشهد، إذ إن تمويل هذه الفصائل من ميزانية الحشد يعني أن الدولة تتحمل كلفة كيانات لا تسيطر عليها بشكل كامل ما يخلق معضلة مزدوجة تتمثل في وجود استقلال عسكري وسياسي جزئي للفصائل مقابل تحمل الدولة أعباءها المالية وهو ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان هذا التمويل يعزز الاستقرار أم يغذي التفرقة ويقوي النفوذ المستقل.
كما أن تحول بعض الفصائل إلى قوى سياسية عبر الانتخابات أضاف طبقة جديدة من التعقيد، إذ يصبح من الصعب الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي حيث يعزز النفوذ العسكري الموقع السياسي والعكس صحيح ما يخلق تداخلاً بين القوة والساحة الديمقراطية يصعب تفكيكه نظرياً وعملياً.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة دون وضعها في سياقها الإقليمي حيث يتداخل دور بعض الفصائل مع صراعات أوسع مثل التنافس بين إيران والولايات المتحدة والتوتر مع إسرائيل وامتداد شبكات ما يعرف بمحور المقاومة وهو ما يجعل بعض هذه الفصائل ترى نفسها جزء من مشروع إقليمي يتجاوز الإطار الوطني، الأمر الذي يعمق الفجوة بينها وبين مفهوم الدولة العراقية.
المعضلة الأساسية لا تكمن في وجود الفصائل بحد ذاته، بل في صعوبة التعامل معها فهي تمتلك شرعية شعبية جزئية ولعبت دوراً حاسماً في هزيمة داعش وترتبط بتوازنات سياسية داخلية وتحظى بدعم إقليمي، لذلك فإن أي محاولة لإلغائها بالقوة قد تؤدي إلى صراع داخلي في حين أن تركها دون تنظيم يعمق ضعف الدولة ويكرس ازدواجية السيادة.
السيناريوهات الممكنة كلها معقدة فدمجها الكامل في الدولة يواجه مقاومة بسبب فقدان الاستقلال والإبقاء على الوضع الحالي يعني استمرار الازدواجية وضعف السيادة أما التفكيك التدريجي فيتطلب توافقاً سياسياً وإقليمياً يصعب تحقيقه وهو ما يجعل الحلول محكومة بشروط معقدة تتجاوز الإرادة المحلية وحدها.
ليست القضية في الحكم على الفصائل بأنها جيدة أو سيئة، بل في فهم المعضلة الأعمق وهي كيف يمكن لدولة أن تبني سيادتها بينما تعتمد جزئياً على قوى خارج إطارها الكامل، فالفصائل المسلحة والحشد الشعبي يعكسان أزمة أوسع تتعلق ببناء الدولة في بيئة ما بعد الصراع حيث تختلط الضرورة الأمنية بالسياسة والشرعية بالقوة والوطني بالإقليمي ضمن نموذج الدولة الهجينة والسيادة المجزأة التي تجعل هذا الواقع معقداً ومفتوحاً على احتمالات متعددة.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التقارب الديني بين الفكر والتطبيق
- هل هناك مدير حقيقي للحرب في إيران؟!
- الواقعية التقدمية في السياسة الدولية
- الأزمات الداخلية وتصدير الحروب
- من الجزر الثلاث إلى جزيرة خرج واستراتيجية إعادة تشكيل موازين ...
- مهلة 10 أيام لطهران بين السياسة الداخلية وضغط إقليمي استراتي ...
- الإنسان بين الظهور وإخفاء المعاناة
- القضية الفلسطينية من صلاح الدين الى السياسة المعاصرة
- الإلهاء الجماهيري وإعادة تشكيل الوعي
- الصراع الامريكي الصيني في ساحة إيران
- نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي
- فلسفة الحياة بين الجسد والقلب
- ديمونا وتحولات الصراع الإقليمي
- حروب الطاقة وإعادة تشكيل التحالفات الدولية
- اغتيال علي لاريجاني وإعادة تشكيل النظام الإيراني
- أزمة التربية بين البيت والمدرسة
- جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي
- وعي المجتمع وثمن العزلة السياسية
- وطنچي بين التشويه والانتماء
- مجتبى خامنئي بين التوريث الإيراني والصراع الإقليمي


المزيد.....




- الطيار الأمريكي المفقود.. تايمز: مخاوف أمريكية من أزمة رهائن ...
- تعرف على مواصفات -إف 15 سترايك إيغل- التي أسقطتها إيران
- غضب إيراني بسبب قصف الأمريكيين جسر كرج
- -تل أبيب أجبرتنا-.. الحزب الديمقراطي يسلك مسارا أكثر عداء لإ ...
- إسرائيل تدمر جسرين على الليطاني وحزب الله يستهدف مستوطنات با ...
- تلغراف: هكذا شتتت حرب ترمب -السامة- على إيران اليمين الأوروب ...
- دبي: الجهات المختصة تعاملت مع حادث سقوط شظايا على واجهة مبنى ...
- رئيس برلمان إيران -يسخر- من أمريكا بعد إسقاط مقاتلتها.. ويطر ...
- 36 قتيلا وجريحا في استهداف حي سكني بمحافظة البرز الإيرانية
- دبي: الجهات المختصة تعاملت مع حادث سقوط شظايا على واجهة مبنى ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - جدلية الحشد والفصائل المسلحة في السيادة الهجينة