|
|
ثقل الذات ووقائع التاريخ بين سيار الجميل ومحمد حسنين هيكل
علاء اللامي
الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 15:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقتطف من الفصل العاشر من كتاب "ثورة 14 تموز العراقية - قراءة في المُغَيَّب والمَسْكوت عليه" لعلاء اللامي تحت الطبع. د. سيار الجميل مؤرخ عراقي محترف من مدينة الموصل. ويحمل شهادة الدكتوراة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط من جامعة سانت أندروز البريطانية الأسكتلندية سنة 1982، وله كتب عديدة في مجال اختصاصه. والشائع أنه محسوب على التيار القومي العروبي، ولكن كتاباته لا تعطي الانطباع بذلك. بل هي تجري على النقيض تماما لأفكار القوميين ومن ذلك؛ دفاعه الحماسي عن نوري السعيد (يسميه في كتاباته نوري باشا)، وعن الحكم الملكي في العراق والأردن والمغرب الأقصى في وجه نقد القوميين واليساريين الضاري للسعيد ولتلك الأنظمة وملوكها. وتحفظه البالغ درجة العداء لجمال عبد الناصر والناصريين. وقد خصص الجميل لنقد كتابات محمد حسنين هيكل أكثر الكتاب الناصريين نقدا للأنظمة الرجعية العربية وللهيمنة الغربية والاستعمار القديم والجديد ولخليفة عبد الناصر الذي دفن الناصرية وارتد عليها كما يرى غالبية الناصريين أي محمد أنور السادات ولقادة تلك الأنظمة وخصوصاً للمذكورين الثلاثة - نوري السعيد والملك حسين والملك الحسن الثاني - كتاباً هجائياً ضخما بعنوان "تفكيك هيكل"، يقع في أكثر من 620 صفحة. نزعة سجالية هجائية لا تأريخية يمكن أن يأخذ القارئ فكرة عن النزعة الهجائية والسجالية الحادة والمليئة بالأحكام المسبقة والقطعية والتهجمات الشخصية والتشكيك بأخلاق هيكل، لأنه تجرأ - بحسب الجميل - وانتقد زعماء متوفيين، أو بعبارة د. الجميل "انتقلوا إلى دار الخلود قبل نصف قرن" كما ورد في الحلقة السادسة من حلقات كتابه، وكأن الموت يعطي حصانة مطلقة ومجانية للجواسيس وأعداء الأمة من ملوك ورؤساء لا لشيء إلا لأنهم ماتوا! أو لأن هيكل نشر وحلل ما اعترفت به أوساط مخابراتية وسياسية إسرائيلية وأميركية وبريطانية عن العلاقات الأمنية السرية لهؤلاء الزعماء بالموساد والمخابرات المركزية الأميركية، وحددت حتى الرواتب والجعالات التي كانوا يتقاضونها لقاء خدماتهم الخيانية، أو لأن هؤلاء الزعماء من أمثال الشريف حسين بن علي حليف البريطانيين ضد دولته العثمانية والتي لا تقل "صبغة إسلامية" عن دولة بني أمية او بني العباس، هاشميون نسباً. ناسياً - الجميل - أو ربما متجاهلاً عمداً أن القرآن لعن أحد الهاشميين هو العم المباشر للنبي العربي الكريم محمد بن عبد الله وهو عبد العزى بن عبد المطلب -المكنى بأبي لهب - وزوجته حمالة الحطب أم جميل. يمكن التأكد من كل هذا الهجاء والتحامل في كتابات د. الجميل ضد هيكل بمجرد إلقاء نظرة سريعة على مسرد عناوين فصول كتابه هذا وإليكم هذه العينات من عناوين النصف الأول من الكتاب فقط مما استهدف به هيكل من هجاء وتعريض تصريحاً وتلميحاً: الخطوات الأولى: على أبواب السلطة في العهد الملكي الخطوات الثانية: القفز إلى جانب عبد الناصر المؤلفات المثيرة: فقدان المصداقية نموذج متميز من الإطناب العربي الرؤية القطرية الضيقة مهاجمة الزعماء بعد موتهم، لماذا؟ الخلل الواضح في كتابات هيكل مهام جلد الذات مشكلة هيكل الخطيرة مشكلة هيكل (مكرر) أين حقيقة الأشياء يا هيكل؟ نقدات في غير محلها تحريف التاريخ الحصيلة الصعبة: مرارة هيكل تزوير الحقائق فقدان التوثيق العلة المزمنة تسفيه المطاعن لا، ما هكذا تورد الأبل سيكولوجية هيكل من نوع خاص الزعماء: الابتزاز من أجل التبجيل أو التشويه رفقا بالقوارير يا هيكل الهاشميون من آل البيت تبريرات واهية، شبيه الشيء منجذب إليه لقد تغيرت العقليات يا هيكل لماذا الاستسلام لما يقوله الإسرائيليون؟ تهويل الخبر لماذا؟ هيكل ليس مؤرخاً. قتل القتيل والمشي في جنازته...إلخ.
هيكل ليس مؤرخا بل كاتب صحافي استقصائي والواقع، فليس قصدي من هذا التطرق العرضي لما كتبه الجميل ضد هيكل تطويب هذا الأخير وتقديسه. فهيكل كاتب صحافي، وهو يصف نفسه في تسجيل فيدو لمحاضرة لهيكل حول الإخوان المسلمين بثت على منصة يوتيوب بعنوان كبير "محمد حسنين هيكل | الإخوان المسلمين" وبعنوان داخلي " تاريخ الإخوان المسلمين وصراع الجماعة مع انظمة الحكم في مصر بتاريخ 24 شباط فبراير 2026، بالمخبر الصحفي (Reporter) ، ومن معاني هذه الكلمة "المراسل الصحافي"، وقد يكون المصطلح أقرب إلى "الصحافي الاستقصائي" في أيامنا. والرجل متمكن من مهنته أولاً، وهو باحث في التاريخ السياسي الحديث واسع المعرفة ثانياً. أو شئنا الدقة، في التاريخ الاجتماعي السياسي، وهو تخصص قريب من "علم الاجتماع التأريخي" والذي كان من رواده الأوائل الباحث د. علي الوردي. أي إنَّ هيكل ليس مؤرخاً تقليدياً محترفاً كما قال د. الجميل نفسه في سياق هجائه له. ثم إنَّ هيكل بشر يخطئ ويصيب، وتقديسه وإضفاء العصمة عليه أو على غيره لا يستقيم مع النقد المنهجي التأريخي. ولذلك فإنَّ اتهامه كإنسان بما ليس فيه وبلا أدلة معقولة وملموسة فأمر لا سبيل إلى قبوله أخلاقيا ونقديا. أما بخصوص اتهامات الجميل لهيكل بتزوير الحقائق وتحريف التاريخ و"انعدام التوثيق كعلة مزمنة فيه" فقد خصصت له الفقرة التالية. هيكل يفوز بمعركة التوثيق قضائيا: إنَّ اتهام هيكل بتزوير الحقائق وتحريف التاريخ و"انعدام التوثيق كعلة مزمنة فيه"، أقرب إلى الافتراءات والأقاويل التي تطلق على العواهن وغير الموثقة بالأدلة. فكتب ودراسات ومقالات هيكل - وأتكلم كقارئ مواظب لهيكل منذ سنوات رغم إنني لستُ ولم أكن يوماً ناصريا أو قوميا - موَّثقة بشكل احترافي ممتاز وهو من الصحافيين النادرين عالميا الذين يستطيعون الوصول إلى مصادر المعلومات ومخابئ الوثائق السرية وثمة المئات من الأمثلة على ما أقول مبثوثة في كتبه وهو كبشر فقد يفوته مرة وخلال سياق وزخم الرواية توثيق خبر ما أو مقولة لشخصية معينة ولكن هذا من باب الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. إن الحادثة الوحيدة التي اتهم فيها هيكل بانعدام التوثيق وطولب بإظهار وثيقة أصلية تدين أحد زعماء الإخوان المسلمين المصريين بالعمالة لبريطانيا، ووصلت القضية إلى القضاء المصري -المعروف بنزاهته حتى في أحلك الفترات التأريخية - هي تلك التي قاضاه فيها أحمد أبو فتح سنة 1989 وحكم فيها القضاء لمصلحة هيكل وبرأه من التهمة. وحكم لمصلحته في القضية الثانية المضادة التي رفعها -هيكل - ضد المدعي في محاكمة شهيرة تحولت إلى قضية رأي عام وهزَّت المشهد الثقافي والسياسي المصري في حينه، وهذه تفاصيلها باقتضاب شديد ؛ -رفع أحمد أبو الفتح قضية ضد هيكل بعد أن تناول هذا الأخير في كتابه "سنوات الغليان" دور أخيه محمود أبو الفتح واتهمه بالعمالة للمخابرات البريطانية والفرنسية، وبالتحريض ضد مصر بحجة معارضة نظام عبد الناصر قبل العدوان الثلاثي. ومحمود أبو الفتح هو مؤسس إذاعة "مصر الحرة" الممولة مخابراتياً والتي كانت منبره ومنبر الإخوان المسلمين. واتهم أحمد أبو الفتح في دعواه هيكل بالكذب والتعرض بالسب والقذف لشخص شقيقه محمود. وطالب الأخوان أبو الفتح بتعويض مالي قدره ثلاثون مليون جنيه مصري. فرد هيكل برفع دعوى قذف ضد أبو الفتح وبطلب تعويض رمزي مقداره واحد وخمسين جنيها فقط لمجرد إقرار المبدأ. وقد حكمت محكمة جنح بولاق لمصلحة هيكل. وجاء في حيثيات الحكم: "وكان الثابت من المقالات التي حررها أحمد أبو الفتح، أنه نسب إلى المدعي بالحق المدني -هيكل - أنه (ملوثاتي) وأنه مثل (بلطجية الأفراح) وأنه مثل (بائعات الهوى)، وأن المحكمة ترى أن هذه الألفاظ تقلل من الاحترام الذي يتمتع به المدعي بالحق المدني، وأنها تستوجب احتقاره عند أهل وطنه". ولكن المحكمة اشترطت لتبرئة هيكل إثباته توقيع محمود أبو الفتح على الوثيقة رقم «6» الواردة في كتابه "سنوات الغليان". وهذه الوثيقة عبارة عن خطاب مرسل باسم لجنة أحرار العرب «مصر الحرة» إلى رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن في 27 يناير 1956، وفيه يحرض أبو الفتح ضد حكومة جمال عبد الناصر قبل العدوان الثلاثي عام 1956، ودعاه فيه إلى استعمال القوة المسلحة ضد مصر، وطلب منه أموال بطريقة مكشوفة لتمويل الدعاية ضد "خطر عبد الناصر". وكانت المفاجأة مذهلة؛ فقد قدم هيكل للمحكمة صوراً للوثائق البريطانية التي استند إليها والتي تدين أبو الفتح. لكن المحكمة اشترطت أن تكون الوثائق ممهورة بختم دار المحفوظات البريطانية. ونفذ هيكل هذا الشرط، وتأكدت المحكمة من صحة الوثائق. ولم يكتفِ هيكل بإحضار الوثيقة المطلوبة رقم 6، بل أحضر معها ثلاث وثائق أخرى لمراسلات لجنة «مصر الحرة» إلى الحكومة البريطانية؛ منها اثنتان تحملان توقيع محمود أبو الفتح شخصيا، وجميعها ممهورة بختم دار المحفوظات البريطانية وبختم القنصلية المصرية في لندن، ما يدل على أنها - نصاً وحواشي - "مستخرج رسمي" من أوراق الخارجية البريطانية. وقدمها إلى المحكمة فحكمت ببراءته من تهمة السب والقذف في الدعاوى الثلاث المقامة ضده من أحمد وحسين أبو الفتح، وإلزام مقيميها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، وحبس أحمد أبو الفتح شهراً مع الشغل وكفالة 200 جنيه لإيقاف التنفيذ. لقد توقفتُ عند هذه الحادثة لأنها تحولت إلى قضية رأي عام وشغلت الناس في وقتها وأصبحت واحدة من معارك الرأي وحرية التعبير والدفاع عن الحقيقة خاضها بجدارة ونظافة أحد أهم الكتاب الصحافيين العرب ممن كان لهم دورهم المؤثر في تشكيل الوعي العام والثقافة الوطنية المناهضة للاستبداد والاستعمار الغربي والقوى الرجعية العميلة له. ولهذا فإن الشطب والافتراء على أمثال هيكل وخصوصا في موضوع التوثيق، وبهذه الطريقة المجافية للعقلانية النقدية والموضوعية التي يعتمدها د. سيار الجميل هي أمر مؤسف حقا وليس من الكتابة التأريخية النقدية المقاربة للحقائق في شيء. *كاتب عراقي
#علاء_اللامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مقابلة مع رابكين وساكس: الصهيونية بدأت بروتستانتية وكان اليه
...
-
ترامب: سأنهي الحرب من دون إعادة فتح مضيق هرمز
-
العدوان على إيران بين المعارضة الإيرانية والمصفقين العراقيين
...
-
هل ستؤدي الحرب على إيران إلى صعود الفاشية في أميركا وألمانيا
...
-
ج2/إسرائيل خسرت الحرب مع إيران وقد تلجأ إلى الأسلحة النووية
...
-
ج1/إسرائيل خسرت الحرب مع إيران وقد تلجأ إلى الأسلحة النووية
...
-
كيف يُخرج ترامب نفسه من مستنقع إيران؟
-
أسلوب القتال الإسرائيلي المافيوي الجاسوسي باغتيال قادة العدو
...
-
هل تواطأت بغداد مع أربيل فأهملت عمداً أنبوب نفط كركوك -فيشخا
...
-
ديفيد هيرست: لماذا يُعتبر ترامب ونتنياهو أخطر رجلين على وجه
...
-
لماذا تواجه الولايات المتحدة هزيمة استراتيجية أمام إيران؟
-
متابعة: ترامب يختنق ويجد في اعتذار بزشكيان المشروط متنفساً
-
الحرب تدخل مرحلة الاستنزاف ومجازر كبرى في لبنان
-
العدوان على إيران في يوميه الثالث والرابع
-
العدوان في يومه الثالث: حرب اغتيال المرشد ترتد على ترامب!
-
ما الجديد بعد اغتيال المرشد الإيراني؟
-
أسباب الهجوم الخليجي المصري الأردني على العراق
-
فزعة عشائرية خليجية لخنق العراق بحريا وبغداد خائرة
-
الحكم الديني والدولة الحديثة من منظور نقدي عقلاني
-
رقمنة الدولار أخطر انقلاب مالي منذ نصف قرن تديره إدارة ترامب
المزيد.....
-
الإمارات.. مقتل مصري وإصابة 2 آخرين بسقوط شظايا اعتراض هجوم
...
-
ترامب يثير الجدل بطرح الاستيلاء على النفط الإيراني.. هل يتكر
...
-
خارجية الصين تكشف تقدما في محادثات باكستان وأفغانستان.. فهل
...
-
لبنان: إصابات في صفوف -اليونيفيل- وتصعيد إسرائيلي واسع على م
...
-
محرر الثقة.. الحارس الجديد للمصداقية في غرف أخبار العصر الرق
...
-
بحجة نزع سلاح حزب الله.. تهديد إسرائيلي بـ-احتلال كامل- وعزل
...
-
ما يبنى الآن في البيت الأبيض ليس مجرد قاعة رقص بل بناء أمنيا
...
-
-لهو قاتل- على كورنيش الإسكندرية.. والداخلية تتحرك سريعا
-
فوق السلطة.. هل يريد ترمب حربا -دليفري-؟
-
روسيا تشن موجة هجمات بالصواريخ ومئات الطائرات المسيّرة على أ
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|