أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار ومن يكتفي بالشكوى …















المزيد.....

غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار ومن يكتفي بالشكوى …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 09:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ في السياسة الدولية ، لا تقدّر قوة الدول ببلاغة بياناتها ولا بعدد مرات استنكارها ، بل بقدرتها على الفعل وصياغة المبادرة ، فالعالم لا يُدار بالعواطف ، ولا ينتظر المترددين ، بل تحكمه مشاريع واضحة وإرادات صلبة تعيد تشكيل الجغرافيا وفق المصالح ، ومع ذلك ، لا تزال بعض الأمم تمارس دور المراقب القَلِق ، ترفع صوتها بالاعتراض وكأن الضجيج بديلٌ عن التأثير ، في وقتٍ تتقدم فيه قوى أخرى بهدوء ، لكنها تعيد رسم خرائط النفوذ بثقة ودقة ، وهنا تتجلى المفارقة : بين من يكتب التاريخ بالفعل ، ومن يكتفي بقراءته متأخراً ، أو التعليق عليه ببيان لا يغيّر شيئاً ، فليست مهمة الأنظمة والشعوب أن تشتكي ، أو أن تكتفي بتسجيل المواقف ، فذلك لا يُعد سياسة بقدر ما هو انعكاس لغيابها ، فالأصل في العمل السياسي أن تمتلك الأمة مشروعاً واضحاً ، وأن تفكر بعقل استراتيجي يشبه—ولو نسبياً—طريقة تفكير القوى الكبرى ، كالولايات المتحدة أو الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ، أما في الحالة العربية والإسلامية ، فيبدو أن غياب المشروع تحوّل إلى نمطٍ دائم ، حتى باتت الشكوى نفسها تُمارس وكأنها سياسة قائمة بذاتها .

وعلى امتداد العقود الماضية ، لم يسمع المواطن العربي عن دولة في محيطه أعلنت بوضوح نيتها التوسع المدروس أو السيطرة على موارد استراتيجية ، بل اقتصر الخطاب على رفض التعدي “بالكلام”، وكأن المشكلة تكمن في اللغة لا في موازين القوة ، وكأن الجغرافيا تُحمى بالتصريحات لا بالقدرات ، في المقابل ، حين يُطرح موضوع الاستحواذ على غرينلاند في الخطاب الأمريكي ، فإنه لا يأتي من باب الطرافة السياسية ، بل يعكس تفكيراً استراتيجياً صريحاً ، فالصين ، على سبيل المثال ، لا تعتمد على التوسع العسكري التقليدي بقدر ما تتبنى نموذجاً يقوم على التمدد الاقتصادي والصناعي ، مستثمرة في البنية التحتية والموارد ، ومحققة بذلك نفوذاً طويل الأمد دون ضجيج .

وتُعد غرينلاند نموذجاً مثالياً لهذا التنافس ؛ فهي ليست مجرد جزيرة متجمدة ، بل موقع استراتيجي يتوسط الولايات المتحدة وأوروبا ، ما يمنحها أهمية كبرى في أنظمة المراقبة والدفاع الصاروخي ، إضافة إلى ذلك ، تختزن الجزيرة ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة ، التىّ تشكل عصب الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة ، والمفارقة اللافتة أن التغير المناخي—الذي يُفترض أنه تهديد عالمي—أصبح عاملاً مساعداً في تسريع هذا الصراع ، إذ أدى ذوبان الجليد إلى تسهيل عمليات استخراج الموارد وتقليل كلفتها ، كما أن انفتاح ممرات بحرية جديدة في القطب الشمالي يعزز من أهمية غرينلاند كمحور رئيسي في التجارة العالمية ، ما يرفع من قيمتها في حسابات القوى الكبرى .

وفي سياق موازٍ، يحتل مضيق هرمز موقعاً لا يقل أهمية ، إذ يُعد شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية ، إضافة إلى سلع أساسية أخرى تصل نسبتها إلى نصف الغذاء العالمي وتحديدً الأسمدة ، ومن هنا ، تبدو الحاجة إلى تفاهمات دولية—خصوصاً بين أوروبا وإيران—أمراً منطقياً لضمان استقرار الإمدادات ، غير أن الواقع يسير في اتجاه مختلف ، حيث تتصاعد الضغوط والعقوبات ، في مشهد يعكس تناقضاً واضحاً بين الضرورات الاقتصاديةوالحسابات السياسية .

أما على الأرض ، فإن الفجوة بين التصريحات والممارسات تبدو أكثر وضوحاً ؛ إذ تترافق نفي النوايا العسكرية مع استهداف للبنية التحتية الحيوية ، في خطوات توحي بمحاولات خنق اقتصادي قد تمهد لخيارات أكثر تصعيداً ، ومع ذلك ، فإن تعقيد المشهد الإقليمي ، وتعدد الفاعلين الدوليين ، يجعلان من أي مواجهة شاملة مغامرة غير مضمونة النتائج ، وفي هذه اللحظة التىّ دمّرت فيها المقاتلاتُ الضخمة الجسرَ الاستراتيجي “B1”، العملاقَ الذي يربط بين العاصمة طهران ومدينة كرج ، فإن عملية خنق شرايين النفط تمهّد لغزوٍ بريٍّ شامل ، فهذا الجسر، الذي كلّف الجمهوريةَ الإيرانية نصفَ مليارِ دولار لنقل الإمدادات النفطية في وسط الدولة ، يُعدّ عصبًا حيويًا، وتُصنَّف ضربةُ تدميره كضربةٍ نخاعيةٍ للإيرانيينز، ما يفتح بابًا أوسع للردّ الإيراني ، فاليوم باتت كلّ الأماكن الحيوية في المنطقة أهدافًا محتملة للجيش والحرس الثوري. وبالطبع، فإن الهدف الأساسي من ذلك هو قطع واردات الحرس السوري من النفط ، كما تشير المرحلة الثانية إلى رغبةٍ أمريكية في قطع طرق الإمداد الداخلية تمهيدًا لعملية برية مشتركة بين واشنطن وتل أبيب، دون الانتباه إلى أن الإيرانيين يمتلكون بدائل متعددة .

وبالتالي ، إذا كان الهدف عزل المحافظات عن بعضها لتسهيل الحركة البرية ، فإن الأمريكيين ما زالوا لا يدركون ما ينتظرهم ، أمّا إذا كان المقصود قطع منطقةٍ خرجت عن السيطرة الإيرانية والتىّ تضخ 95% من النفط ، فإن الصواريخ التىّ تصل إلى إسرائيل وأوروبا والمنطقة بشكل يومي ، قادرة على إلحاق دمارٍ كبير بكل من تطأ قدمه الجزيرة ، ومن الواضح أن حلم استسلام الإيرانيين بعد تجفيف منابع الاقتصاد أمر غير وارد، إذ إن الروس والصينيين يمدّون إيران بمليارات الدولارات بهدف منع واشنطن من تحقيق أهدافها ، ولا يمكن تجاهل حالة الغضب الشعبي داخل إيران ، فالجسر يُعدّ أيقونةً هندسيةً للبلاد ، وقد أحدث تدميره صدمةً في الشارع .

إذن ، هل يستطيع النظام امتصاص محاولة قطع الإمدادات الاقتصادية والعسكرية وتوفير بدائل تمكّنه من مواجهة الغزو البري بهجومٍ مضادٍّ مفاجئ ، وفي المقابل ، لا تبدو إيران دولة سهلة الاحتواء ، فهي تمتلك بدائل داخلية ، وتحظى بدعم من قوى كبرى كروسيا والصين، ما يجعل محاولات عزلها محدودة الفاعلية ، بل إن الضغوط قد تدفع إلى مزيد من التماسك الداخلي ، وهو ما أثبتته تجارب عديدة في التاريخ السياسي.

واللافت في هذا السياق أن الرهان على الانهيار السريع غالباً ما يتجاهل حقيقة أساسية: أن الدول لا تُهزم فقط بالعقوبات، بل أحياناً تتكيف معها ، وتعيد إنتاج قوتها بطرق غير تقليدية .

إن ما يجري في غرينلاند ومضيق هرمز ليس سوى تعبير عن مرحلة جديدة من التنافس الدولي ، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد ، وتُعاد صياغة مفاهيم النفوذ وفق معايير أكثر تعقيداً ، وفي ظل هذه التحولات، يبقى الفارق واضحاً بين من يمتلك مشروعاً فيصنع الحدث ، ومن يفتقده فيكتفي بمراقبته—أو، في أفضل الأحوال ، الاعتراض عليه بصوتٍ لا يتجاوز صداه حدوده …والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشابك الجبهات واستنزاف الداخل:قراءة📕في التحولات الاس ...
- الكوتش روزا 🌹Rosa– السرعة في الأداء - حين تتحوّل إلى ...
- المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السي ...
- استراتيجية داخلي وخارجي الاستنزاف مقابل الحسم السريع : سينار ...
- بين إنكار الواقع وصناعة السردية: مفارقات الخطاب السياسي من غ ...
- بين الوساطة والتصعيد : باكستان 🇵🇰في قلب صراع ...
- رحل أخي احمد …
- عالمٌ لا يليق به سوى ترمب وكيم جونغ أون … 🤷‍♂
- بين عقلانية🧠 هابرماس وأخلاقية كاري♥: المعرفة ب ...
- بين خطاب الحسم وواقع الاستنزاف: تناقضات الحرب وتداعياتها الإ ...
- الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حي ...
- هندسة المعلومات والبيجر الذهبي: اليوان مقابل النفط…حين يخسر ...
- أبو محمود الصبّاح قائد حرب الليطاني 1978 - سيرة قائدٍ كتبها ...
- الرئيس ترمب غائب فيله ..
- تحليل عسكري : مدى واقعية سيناريو إنزال كوماندوز 🥷إسر ...
- من مصانع 🏭 شنغهاي إلى صواعق الصواريخ في طهران-لماذا ...
- الحلف الأمريكي والإسرائيلي يضرب على الارض مسرحاً وهمياً للحر ...
- عدد الصواريخ الباليستية🚀أكثر من تعداد الجنود حلف الن ...
- حرب الاستنزاف واحتمالات التحول الاستراتيجي في ميزان القوى ال ...
- سقوط الحزب الجمهوري الأمريكي المدوّي في الانتخابات: قراءة في ...


المزيد.....




- الإمارات.. مقتل مصري وإصابة 2 آخرين بسقوط شظايا اعتراض هجوم ...
- ترامب يثير الجدل بطرح الاستيلاء على النفط الإيراني.. هل يتكر ...
- خارجية الصين تكشف تقدما في محادثات باكستان وأفغانستان.. فهل ...
- لبنان: إصابات في صفوف -اليونيفيل- وتصعيد إسرائيلي واسع على م ...
- محرر الثقة.. الحارس الجديد للمصداقية في غرف أخبار العصر الرق ...
- بحجة نزع سلاح حزب الله.. تهديد إسرائيلي بـ-احتلال كامل- وعزل ...
- ما يبنى الآن في البيت الأبيض ليس مجرد قاعة رقص بل بناء أمنيا ...
- -لهو قاتل- على كورنيش الإسكندرية.. والداخلية تتحرك سريعا
- فوق السلطة.. هل يريد ترمب حربا -دليفري-؟
- روسيا تشن موجة هجمات بالصواريخ ومئات الطائرات المسيّرة على أ ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار ومن يكتفي بالشكوى …