أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - التقارب الديني بين الفكر والتطبيق















المزيد.....

التقارب الديني بين الفكر والتطبيق


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 07:34
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تقارب الأديان والمذاهب ليس فكرة جديدة، بل هو حلم قديم يحاول الإنسان تحقيقه منذ قرون خصوصاً في أوقات الانقسامات والصراعات.
على الرغم من عقد عشرات المؤتمرات واللقاءات وصدور بيانات عن التسامح والحوار، فإن الواقع لا يزال مليئاً بالخلافات والصراعات مما يوضح الفرق بين الكلام الجميل على الورق وبين ما يعيش الناس في حياتهم اليومية. السؤال المهم هو هل المشكلة في غياب اللقاءات أم في طبيعة ما يناقش داخلها؟! والحقيقة أن التقارب لا يتحقق بمجرد الاجتماع أو تبادل كلمات لطيفة لأنه عملية عميقة تتعلق بطريقة تفكير الجماعات الدينية والمذهبية.
كثير من المبادرات تعاملت مع الخلاف وكأنه مجرد سوء فهم يمكن تجاوزه بينما في الواقع هو متجذر في التراث والتاريخ والتأويلات التي شكلت طريقة فهم الناس للدين. هناك نصوص فهمت بطريقة صارمة وروايات تاريخية تم تفسيرها في سياقات صراع وأحكام دينية صيغت تحت تأثير السياسة والسلطة ثم تم تثبيتها مع مرور الوقت. وعندما تبقى هذه الطبقات دون مراجعة يصبح أي حديث عن التقارب مجرد كلام على الورق بدون تأثير حقيقي وكأننا نقرأ شعارات جميلة لا حياة لها في الواقع.
واحدة من أكبر العقبات أمام التقارب هي الطريقة التي ينظر بها إلى التراث الديني باعتباره مقدساً بالكامل ولا يجوز نقده أو تغييره لكن الواقع يقول إن التراث هو فهم بشري للنصوص الدينية وليس النصوص نفسها ولذلك يجب التفريق بين ما هو إلهي وما هو فهم البشر له.
هذا الخلط يجعل أي محاولة للتغيير تبدو وكأنها هجوم على الدين بينما هي في الحقيقة مراجعة عقلانية للتجربة البشرية بهدف إزالة الشوائب التي لا علاقة لها بالقيم الأساسية للدين.
كثير من المشاكل بين المذاهب لا تأتي من النصوص نفسها، بل من طرق تأويلها أو من ظروف تاريخية سابقة أو حتى من صراعات سياسية تم تبريرها دينياً لاحقاً.
لذلك الشجاعة تبدأ بالاعتراف بأن التراث يحتاج إلى مراجعة وتنقيح وأن هذا لا يقلل من الدين بل يعيده إلى جوهره الأخلاقي والإنساني.
هناك عناصر واضحة تعيق أي تقارب حقيقي أولها ثقافة التكفير التي تخرج الآخرين من دائرة الشرعية وتبرر الإقصاء أو العنف ضدهم.
هذه الثقافة ليست مجرد فكرة نظرية، بل لها آثار عملية إذ تؤدي إلى صراعات طائفية وصدامات اجتماعية وأحياناً حروب.
ثانياً لغة اللعن أو السباب حتى وإن بدت رمزية فهي تزرع الكراهية وتكررها عبر الأجيال وتخلق شعوراً بعدم التسامح مع المختلف.
ثالثاً تبرير العنف باسم الدين يحول الخلاف الفكري إلى صراع وجودي ويعطي الشرعية لأفعال عنيفة كما أنه يشوه صورة الدين نفسه في نظر الآخرين.
وأخيراً بعض النزعات الاستعلائية تجعل كل جماعة ترى نفسها الوحيدة التي تحمل الحق وهو ما يغلق باب الحوار ويزيد الانقسام بين المجموعات.
كل هذه العناصر تبقي المجتمع في دائرة من الخلاف المستمر ويصعب الخروج منها إلا عبر مراجعة جادة وصادقة.
المؤتمرات التي تعقد باسم التقارب غالباً ما تفشل لأنها تتجنب القضايا الصعبة وتظل محصورة بين القيادات والنخب دون أن تصل إلى الناس العاديين في المساجد والمدارس ووسائل الإعلام.
كثير منها يركز على الصورة الإعلامية أكثر من البحث عن تغيير حقيقي ولا يوجد متابعة أو برامج لإصلاح الخطاب أو التعليم وهذا يجعل التقارب شعارات فقط دون تأثير ملموس.
ومن ناحية أخرى يعتمد بعض القادة على الخطابات العامة التي تبدو جميلة لكنها تخلو من العمق ما يعطي انطباعاً بالنجاح الإعلامي دون أن يحدث أي تحول في وعي الناس أو سلوكهم.
وبالتالي يمكن القول إن مشكلة التقارب ليست في الفكرة نفسها، بل في الطريقة التي تدار بها.
الأمل في تقارب حقيقي يبدأ من مراجعة كل جماعة لنفسها بصدق والاعتراف بوجود أخطاء في الفهم أو التطبيق والاستعداد لتغيير بعض الممارسات القديمة التي أنتجت الكراهية أو العنف أو الغلو.
وإصلاح الخطاب الديني ضرورة بحيث تعرض النصوص ضمن سياقها الحقيقي بعيداً عن أي استخدام يضر بالآخرين مع التركيز على القيم الإنسانية المشتركة مثل الرحمة والعدل والتسامح والتعاون.
كما أن إصلاح التعليم مهم جداً لأن ما يتعلمه الأطفال اليوم سيصبح معتقدات الغد فإذا نشأ الطفل على رؤية الآخر بوصفه خصماً أو تهديداً، فمن الصعب أن يتحول لاحقاً إلى شخص متسامح.
لا ينجح التقارب إذا ظل حبيس اتفاق القيادات، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية في الحياة العادية بحيث يشعر الناس بأن اختلافاتهم لا تعني عداوة وأن الحوار والتعاون ممكنان في حياتهم اليومية.
التقارب الحقيقي ليس إلغاء الاختلاف أو تذويب الهويات، بل إدارة الاختلاف بشكل حضاري والاعتراف بالآخر كشريك إنساني وديني لا كعدو والهدف هو أن نحيا معاً رغم اختلافاتنا وأن يصبح الاختلاف مصدر ثراء وفهم وليس سبب صراع.
يجب أن يتحول الاختلاف إلى فرصة للتعلم والتفاهم وأن يكون المجتمع قادراً على التعايش مع التنوع الديني والفكري.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يبقى التقارب مجرد شعار بينما تبقى الطريقة التي يفكر بها الناس كما هي حيث يبدأ التغيير الحقيقي بالعقول ويحتاج إلى نقد صادق وشجاعة لمراجعة الذات وعندها فقط يمكن للتقارب أن يتحول من فكرة إلى واقع يعاش ومن حلم إلى تجربة حقيقية يعيشها المجتمع إذ يصبح الاختلاف قوة للتفاهم لا سبباً للتناحر وتتحول العلاقات بين المجموعات الدينية من صراع إلى تعاون ومن انقسام إلى تواصل مستمر.
وبالتالي يصبح التقارب عملية مستمرة تتطلب جهوداً متواصلة على جميع المستويات الفردية والمؤسسية والتعليمية والاجتماعية.
ليس فقط كحوار نظري أو مؤتمر إعلامي، بل كجزء من الحياة اليومية في المناهج والخطب والحوارات بين الناس. ومع هذا النهج يمكن للمجتمع أن يتحول تدريجياً من مجتمع متناحر إلى مجتمع قادر على إدارة اختلافاته بحيث لا تكون الهوية الدينية أو المذهبية سبباً للصراع بل مصدراً للتنوع الغني والتفاهم المشترك.
يصبح عندها التقارب ليس مجرد حلم، بل واقعاً يعاش ويشكل أساساً لمجتمعات أكثر استقراراً وسلاماً حيث يصبح الاختلاف قوة والتنوع فرصة والتعايش تجربة يراها الجميع في حياتهم اليومية.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل هناك مدير حقيقي للحرب في إيران؟!
- الواقعية التقدمية في السياسة الدولية
- الأزمات الداخلية وتصدير الحروب
- من الجزر الثلاث إلى جزيرة خرج واستراتيجية إعادة تشكيل موازين ...
- مهلة 10 أيام لطهران بين السياسة الداخلية وضغط إقليمي استراتي ...
- الإنسان بين الظهور وإخفاء المعاناة
- القضية الفلسطينية من صلاح الدين الى السياسة المعاصرة
- الإلهاء الجماهيري وإعادة تشكيل الوعي
- الصراع الامريكي الصيني في ساحة إيران
- نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي
- فلسفة الحياة بين الجسد والقلب
- ديمونا وتحولات الصراع الإقليمي
- حروب الطاقة وإعادة تشكيل التحالفات الدولية
- اغتيال علي لاريجاني وإعادة تشكيل النظام الإيراني
- أزمة التربية بين البيت والمدرسة
- جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي
- وعي المجتمع وثمن العزلة السياسية
- وطنچي بين التشويه والانتماء
- مجتبى خامنئي بين التوريث الإيراني والصراع الإقليمي
- مستويات الوعي في إدراك القوة


المزيد.....




- نيويورك: محاولة شاب يهودي الاستيلاء على منزل تثير غضباً وتشب ...
- مسيرات حاشدة في عموم طهران دعماَ لنظام الجمهورية الإسلامية و ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان تعلن استهدافها مستوطنة -كريات ش ...
- مجاهدو المقاومة الإسلامية في لبنان يستهدفون تجمّعًا لجنود وآ ...
- حرس الثورة الاسلامية يعلن تدمير مقاتلة اميركية متطورة من طرا ...
- مسيحيون في نيجيريا يحيون عيد الفصح بمسيرة في شوارع لاغوس
- حرس الثورة الإسلامية في إيران: إستهدفنا مراكز التجمع والإسنا ...
- استخبارات حرس الثورة الإسلامية تنشر صورة لمقعد طائرة ال F35 ...
- آلام المسيح: ما الذي يجعل -أسبوع الآلام- لدى أقباط مصر مختلف ...
- حرس الثورة الإسلامية استهداف أكثر من 50 موقعًا بقلب تل أبيب ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - التقارب الديني بين الفكر والتطبيق