أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس














المزيد.....

-حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس


الطاهر كردلاس

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 00:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود..."
بقلم الطاهر كردلاس

في عالم لم يعد يُدار فقط بمنطق القوة، بل بمنطق تأويل القوة، تتلاشى الحدود بين الحرب كفعل مادي والحرب كخطاب يُعاد إنتاجه داخل الوعي. لم يعد السؤال: من يطلق الرصاصة؟ بل: من يكتب معناها؟ ومن يمنحها شرعية الوجود داخل سردية كونية تُقسِّم العالم إلى مركز يُعرّف، وهامش يُعرَّف به.
في هذا الأفق، يغدو الشرق الأوسط أكثر من مجرد رقعة جغرافية مثقلة بالنفط والتاريخ؛ إنه مختبر مفتوح لإعادة تشكيل الإنسان، حيث تتقاطع إرادة الهيمنة الإمبريالية الصهيو-أمريكية مع محاولات إخضاع الموارد، وتفكيك الأيديولوجيات المخالفة، وإعادة هندسة الوعي بما يتناسب مع منطق السيطرة.
إن ما يُسمّى اليوم بالصراع الإقليمي لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا الأفق الكلي، إذ لم تعد الحروب مجرد صدامات بين دول، بل أصبحت آليات لإعادة توزيع النفوذ داخل نظام عالمي يسعى إلى الحفاظ على تفوقه. في قلب هذا النظام، تبرز المنظومة الصهيو-أمريكية بوصفها نموذجًا مركّبًا للهيمنة، لا يكتفي بإدارة التوازنات العسكرية، بل يعمل على إنتاج واقع معرفي يُعيد تعريف المفاهيم الأساسية وفق منطقه الخاص. فـ"الأمن" لا يُقاس بسلام الشعوب، بل بمدى انسجامها مع مراكز القوة، و"الشرعية" لا تُمنح انطلاقًا من الإرادة الشعبية، بل من قابلية النظام السياسي للاندماج داخل المنظومة المهيمنة.
في هذا السياق، يتحول النفط من مجرد مورد اقتصادي إلى أداة استراتيجية لضبط إيقاع العالم. فالسيطرة على منابع الطاقة لا تعني فقط التحكم في السوق، بل تعني امتلاك القدرة على توجيه السياسات الدولية، وإخضاع الدول التي تعتمد في وجودها الاقتصادي على هذه الموارد. لذلك، لم تكن التدخلات المتكررة في الشرق الأوسط مجرد ردود فعل ظرفية، بل جزءًا من رؤية بعيدة المدى تسعى إلى ضمان ألا تخرج هذه المنطقة عن دائرة التحكم. وهنا، يصبح الصراع على النفط صراعًا على المستقبل، لا على الحاضر فقط.
غير أن الهيمنة الإمبريالية، في صيغتها المعاصرة، لم تعد تكتفي بالقوة الصلبة، بل طورت أدوات أكثر تعقيدًا وفاعلية، تقوم على ما يمكن تسميته بـ"استعمار الوعي". فبدل فرض السيطرة المباشرة، يتم العمل على إعادة تشكيل الإدراك الجماعي، عبر وسائل الإعلام، والخطابات السياسية، والمؤسسات الثقافية، بحيث يُعاد إنتاج العالم داخل عقول الأفراد وفق رؤية واحدة. وهكذا، لا يعود الإنسان مجرد متلقٍ للأحداث، بل يصبح جزءًا من آلية إعادة إنتاجها، حين يتبنى، دون وعي، المفاهيم التي صاغها من يهيمن عليه.
وفي هذا الإطار، تُستهدف الأيديولوجيات المخالفة لا بوصفها خصومًا سياسيين فقط، بل بوصفها تهديدًا إبستمولوجيًا لنظام الهيمنة.
فكل فكر يسعى إلى الاستقلال، أو يحاول تقديم بديل، يُعاد تأطيره داخل خطاب يُجرّده من شرعيته، ويقدّمه كخطر يجب احتواؤه أو القضاء عليه. وهكذا، تتحول الحرب إلى صراع على إمكان التفكير ذاته، حيث لا يُسمح بوجود خارج المنظومة، بل فقط بهوامش داخلها.
الأخطر من ذلك أن هذا المشروع لا يعمل فقط من الخارج، بل يتسلل إلى الداخل، عبر إعادة تشكيل النخب، وتوجيه البُنى التعليمية والثقافية، بحيث يُعاد إنتاج نفس المنطق من داخل المجتمعات نفسها.
فالإمبريالية الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى جيوش، بقدر ما تحتاج إلى عقول مُعاد تشكيلها، ترى العالم من خلال منظارها، وتدافع عن مصالحها باعتبارها مصالحها الخاصة. وهنا، تبلغ الهيمنة ذروتها: حين يتحول الخضوع إلى قناعة، والتبعية إلى اختيار يبدو عقلانيًا.
لكن هذا المشهد، رغم تعقيده، لا يخلو من توترات داخلية تكشف هشاشته. فكل محاولة لفرض سردية واحدة تصطدم بتعدد الواقع، وبقدرة الشعوب على إنتاج معانٍ بديلة. ورغم أن هذه الإمكانات غالبًا ما تُحاصَر أو تُشوَّه، إلا أنها تظل قائمة، كاحتمال مفتوح لإعادة التفكير في العالم خارج شروط الهيمنة. فالصراع، في جوهره، ليس فقط بين قوى، بل بين رؤى للعالم، بين من يسعى إلى اختزاله في منطق واحد، ومن يحاول الحفاظ على تعدديته.
في نهاية هذا المشهد المعقّد، لا يبدو الصراع وكأنه يتجه نحو حسم نهائي، بقدر ما يُعيد إنتاج ذاته بأشكال أكثر خفاءً وعمقًا. فالهيمنة، حين تبلغ ذروتها، لا تعود بحاجة إلى إعلان نفسها، بل تكتفي بأن تُصبح بديهية. وهنا يكمن أخطر تجلياتها: أن تتحول إلى “حقيقة” لا تُناقش، وإلى نظام معنى يُعيد تشكيل الإنسان من الداخل. غير أن كل سردية، مهما بدت مكتملة، تحمل في داخلها شقوقها الخاصة، تلك التي يمكن أن يتسلل منها وعي مختلف، وقراءة مغايرة، وإمكانية مقاومة لا تعتمد فقط على المواجهة، بل على إعادة تعريف ما يبدو بديهيًا. لذلك، قد لا يكون التحرر فعلًا عسكريًا بقدر ما هو فعل إدراكي: لحظة يدرك فيها الإنسان أن ما قُدِّم له كحقيقة، لم يكن سوى احتمالٍ فُرض عليه بقوة التاريخ، لا بحتميته.

بقلم الطاهر كردلاس
اكادير المغرب



#الطاهر_كردلاس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقال في عيد الفطر السعيد : بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- جغرافيا النار: الصراع الأميركي–الإيراني وإعادة هندسة الشرق ا ...
- أونتولوجيا الابتزاز: -جيفري إبستين- وهندسة السيادة عبر الذنب ...
- اغتراب المدرسة العمومية: حين يُدار التعليم بلا معنى- الطاهر ...
- ​أبجديات السيولة: الإنسان المعاصر بين مطرقة الحرية وسن ...
- تأملات في معنى المحاسبة بالمغرب بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- -من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها- بقلم الط ...
- قراءة نقدية للمقال: لنتخيل شرقا أوسط بدون إسرائيل للكاتب الط ...
- -لنتخيل شرقا اوسط بدون إسرائيل- بقلم الطاهر كردلاس المغرب
- الفيتو المرآة السوداء بقلم الطاهر كردلاس
- النخب السياسية والفكرية العربية خذلان وتخبط-
- أزمة القيم في المؤسسات التربوية: نحو مساءلة جوهر الفعل الترب ...
- قصة: حين احترق الغرابُ في عشِّ الفينيق المستفيق
- قراءة في- البيان الختامي لقمة العرب- المنعقدة بالقاهرة
- -لماذا خذل العرب القضية الفلسطينية- بقلم الطاهر كردلاس
- حوار أدبي/ علمي مع البرت اينشتاين بقلم الطاهر كردلاس
- قصيدة حارس الغسق الطاهر كردلاس
- استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط
- قصة فصيرة بعنوان : المتشائل الطاهر كردلاس اكادير المغرب
- قصيدة: وتر في طيفِ جيتارة شعر: الطاهر كردلاس


المزيد.....




- ترامب يوجه -تحذيراً- إلى قيادة النظام الإيراني: -تعرفون ما ا ...
- الجيش الأمريكي يصدر بيانا عن -أكبر حاملة طائرات-: -جاهزة لتن ...
- إسرائيل تهاجم 44 منطقة بجنوب لبنان وحزب الله يشن 60 هجوما جد ...
- إعلام إسرائيلي: واشنطن تبلغ تل أبيب بتعثر المحادثات مع إيران ...
- دول خليجية تعترض هجمات ومسيّرة تسقط عند الحدود العراقية الأر ...
- تايمز: لا يبدو المستقبل مبشرا للعلاقات بين الولايات المتحدة ...
- ما تملكه إيران من الصواريخ.. تقييم استخباراتي جديد يناقض الب ...
- إصابة إسرائيلي وتضرُّر مبان ومحطة قطار جراء هجوم إيراني
- ترامب يكرر تهديداته لإيران: الجسور ثم محطات الكهرباء
- فيديو.. ترامب يسخر من ستارمر مجددا


المزيد.....

- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر كردلاس - -حين تتحول الإمبريالية إلى سردية وجود...- بقلم الطاهر كردلاس