أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - خطاب ترامب وسياسة أميركا في الشرق الأوسط ، قوة بلا رؤية استراتيجية















المزيد.....

خطاب ترامب وسياسة أميركا في الشرق الأوسط ، قوة بلا رؤية استراتيجية


عبدالله سلمان
كاتب وباحث

(Abdallah Salman)


الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 18:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ان المعضلة الكبرى في الشرق الأوسط ليست القوى التي تتصارع فيه فحسب بل أن القوة الأكثر حضورًا وتاثيرا فيه لا تبدو معنية بحل أزماته بقدر ما تبدو معنية بادارتها و هنا تكمن المفارقة الأميركية وهي تملك أدوات الردع والهيمنة مما يكفي لتغيير خرائط وحكومات وموازين قوى لكنها كلما اقتربت من لحظة الحسم تراجعت إلى منطق مغاير لمنطق الصراع لا الى منطق التاريخ و منطق الاحتواء لا منطق الحل السلمي.
ان خطاب دونالد ترامب الأخير جاء ليؤكد هذه الحقيقة بدل أن ينقضها فقد تحدّث بلغة القوة واستعاد مفردات الردع والإخضاع وقدّم صورة أميركا بوصفها قادرة على إعادة تشكيل الميدان متى شاءت. لكنه في المقابل لم يقدّم تصورًا سياسيًا متكاملًا لليوم التالي ولا رؤية نهائية لشكل النظام الإقليمي الذي تريد واشنطن الوصول إليه. وهنا تكمن المعضلة كلها فحين ترتفع النبرة العسكرية ويغيب الأفق السياسي يصبح الخطاب دليلًا على فائض القوة ونقص الرؤية لا على وضع اسس استراتيجية الحل .
وهنا يجب التمييز بين أمرين امتلاك المصالح و الرؤية الاستراتيجية . فالولايات المتحدة منذ عقود تعرف بدقة ما الذي تريد حمايته في الشرق الأوسط " أمن إسرائيل، تدفق الطاقة، أمن الممرات البحرية ومنع ظهور قوة إقليمية أو دولية قادرة على تهديد موقعها ومصالحها " هذه أهداف ثابتة تكاد لا تتبدل من إدارة إلى أخرى. لكن الثبات في المصالح لا يعني ثباتًا في الاستراتيجية لأن الاستراتيجية ليست قائمة مطالب بل صورة متماسكة للمستقبل . السؤال الذي يُطرح هنا ما الشرق الأوسط الذي تريد واشنطن الوصول إليه؟ ما شكل النظام الإقليمي الذي تعتبره مستقرًا؟ وكيف تُعالج الأسباب البنيوية التي تجعل المنطقة تعود دائمًا إلى الصراع المسلح ؟ هذا هو السؤال الذي لا تجيب عنه أميركا إلا بعبارات عسكرية أو بإجراءات ظرفية أو بصفقات مؤقتة.
لكن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تبدو في جوهرها سياسة بلا أفق ، هي تعرف كيف تضرب لكنها لا تعرف كيف تُنهي و تعرف كيف تمنع خصومها من الانتصار لكنها لا تعرف كيف تمنح المنطقة استقرار قابلة للحياة ولذلك تتبدل أدواتها بتبدل الرؤساء من غير أن يتبدل المأزق نفسه فرئيس يغزو وآخر ينسحب وثالث يفاوض ورابع يعود إلى التهديد.
لم يكن ما كشفه خطاب ترامب الأخير في حدته فقط بل في غموضه أيضًا. فقد تحدّث عن نجاح عسكري لكنه ترك الغاية السياسية معلّقة فهل الهدف تعديل سلوك الخصم، أم إعادة تشكيل ميزان القوى أم فرض استسلام استراتيجي أم انتزاع تفاوض تحت النار؟ هذا الغموض يكشف أن واشنطن لا تملك رؤية متكاملة للحل بل تتحرك بخطط مرحلية تفرضها تطورات الميدان وقوة الردع وضغوط الداخل وحسابات اللحظة.
وفي الفلسفة السياسية لا تُقاس عظمة القوة بقدرتها على إكراه الخصوم فقط بل بقدرتها على تحويل الإكراه إلى نظام مشروع، أما حين تُستخدم القوة لتأجيل الحسم بدل إنتاجه فإنها تتحول إلى أداة تدوير للأزمة و هذا ما فعلته أميركا في الشرق الأوسط ، تدخلات تمنع الانهيار الكامل حين يهدد مصالحها لكنها لا تبني تسوية ترفع أسباب الانهيار أصلًا. فهي لا تتعامل مع المنطقة بوصفها فضاءً ينبغي إنقاذه من ازماته التاريخية بل بوصفها ساحة ينبغي منعها من الانفلات التام فهي أقصى ما تفعله هو ضبط مستوى الفوضى لا إنهاء شروطها.
بهذا تصبح السياسة الأميركية أقرب إلى هندسةٍ لمنع الانهيار منها إلى هندسةٍ للحل و منع قوة إقليمية من التمدد أكثر مما ينبغي او انهيار حليف ومنع خصم من امتلاك أداة ردع نوعية وحماية السوق العالمية من الاختناق الكامل. لكنها لا تقدم مشروعًا سياسيًا يعالج أزمات المنطقة.
فواشنطن على الرغم من انحيازها الثابت لإسرائيل لم تنظر إلى مصالحها نظرة كلية بل حصرتها في بعدها الأمني الصرف وهي السلاح والتفوق والردع والحماية الفورية من الأخطار.
لقد تعاملت الولايات المتحدة مع إسرائيل بوصفها رأس حربة لمصالحها في المنطقة وركّزت على دعم تفوقها الأمني والعسكري من دون رؤية مستقبلية حقيقية للتعايش السلمي. فواشنطن لم تدفع بجدية نحو تسوية عادلة ومستدامة تقوم على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني كما يقرّها القانون الدولي بل اكتفت بإدارة الصراع وتعزيز ميزان القوة. وهكذا بدا الدعم الأميركي لإسرائيل دعمًا لأمنها المباشر أكثر منه استثمارًا في سلام تاريخي يضمن الاستقرار للمنطقة كلها.
ان اختزال واشنطن لمصالح إسرائيل في بعدها الأمني وتعاملها معها بوصفها رأس حربة لمصالحها في المنطقة جعلها أكثر ميلًا إلى إدارة الصراع من السعي إلى تسوية عادلة. وقد بدا هذا العجز أوضح ما يكون في إحجامها المزمن عن الاقتراب من جذر أزمة الشرق الأوسط فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد ملف حدودي مؤجل بل أصل الاختلال السياسي والأخلاقي في الشرق الأوسط لكن الولايات المتحدة فضّلت احتواء تداعياتها بدل مواجهة حقيقتها لأن ذلك يفرض مساءلة الاحتلال والطموحات التوسعية الإسرائيلية وتصاعد البعد الكهنوتي في تعريف الصراع. ولهذا لم تدفع واشنطن نحو حل تاريخي عادل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني المعترف بها دوليًا بل أبقت المنطقة أسيرة توتر دائم لأنها تجنبت ملامسة الجذر الذي تتفرع منه أزمات الشرق الأوسط كلها.
إن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية لم يُبقِ الجرح مفتوحًا فحسب بل وفّر أيضًا للدول الطامحة إلى التوسع مثل إيران فرصة توظيف فلسطين شعارًا سياسيًا لتبرير تمددها الإقليمي وتعزيز نفوذها مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه عجز أمريكا والمجتمع الدولي عن معالجة أصل الأزمة.
لذا فموقع أمريكا في الشرق الأوسط بات أسير لحسابات الميدان من جهة ولتقلبات الداخل الأميركي من جهة أخرى أي إنها أقل قدرة على حمل مشروع استراتيجي طويل الأمد لان كل إدارة تأتي بخطابها الخاص وبأولوياتها الخاصة وبمفرداتها الخاصة لكن القاسم المشترك بينها جميعًا أنها تتحرك تحت ضغط الحدث لا على هدي رؤية تاريخية ثابتة وبالتالي فإن الخطط الأميركية تبقى في الغالب خططًا رئاسية قصيرة العمر لا استراتيجية كبرى تتجاوز الأشخاص والإدارات.
وفي هذا المعنى فإن المشكلة الأميركية في الشرق الأوسط ليست مشكلة عجز بل مشكلة وفرة في القوة ونقص في التخطيط الاستراتيجي. ومن هنا تستمد المنطقة مأساتها المزمنة فالقوة الأعظم فيها ليست بالضرورة هي القوة الأقدر على ان تصنع مستقبلا مستقرا لها .
في الحسابات الأميركية لم يتحول الشرق الأوسط إلى مشروع سلام بل بقي ساحة لإدارة الضغوط وتدوير الردع ومنع التحولات الكبرى الخارجة عن السيطرة. فان الحرب على إيران تعبيرًا واضحا عن هذا النهج، تصعيد عسكري من دون رؤية سياسية واضحة لكيفية إنهائه أو لما يمكن أن يفضي إليه بعد توقف النار. فواشنطن تعرف كيف تبدأ جولة الضغط لكنها لا تملك استراتيجية متكاملة لكيفية إغلاقها ضمن تسوية مستقرة وما خطاب ترامب الأخير إلا دليل إضافي على أن الولايات المتحدة ما تزال قادرة على إشعال الميدان أو ضبطه لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة على إنتاج نهاية سياسية واضحة لصراعاته أو إخراج المنطقة من دوامة التناقضات التي أسهمت هي نفسها في تكريسها.



#عبدالله_سلمان (هاشتاغ)       Abdallah_Salman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- احتلال العراق 2003: السبب الذي يتجنبه المحللون في تفسير انهي ...
- كتاب جدلية العلاقة بين الاخلاق والسياسة
- تباين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية تجاه مستقبل إيران
- كان العراق مباحًا… فكيف صار الدفاع عن إيران أولوية؟
- الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية: أزمة غرينلاند وتحدّي سياد ...
- ليكن عام 2026: القراءة أساس الكفاءة السياسية والفكرية
- الحوار الوطني خطوة لتحرير العراق واستعادة سيادته
- حكومة الكويت وسياسة استراتيجية الازمة
- الحكم اللامركزي في دولة تمر بمرحلة انتقالية: فرصة للإصلاح أم ...
- وهم التفاؤل السياسي يصنع آمل زائف
- حين يحتقر الأبناء مجد الآباء، تيهٌ في دوامة الضياع
- السيادة المفقودة في العراق: اتفاقية خور عبد الله التميمي أنم ...
- تفاقية خور عبد الله التميمي المزعومة في ضوء اتفاقية فيينا وا ...
- العقيدة التفاوضية الإيرانية بين فقه الخميني والمصلحة السياسي ...
- أزمة الكادر السياسي في العراق مقاربة نقدية في ضوء فكر ديمترو ...
- طفولية المعارضة العراقية
- بريطانيا. راعية النظام الطائفي في العراق ومخططها لتدجين المع ...
- بريطانيا.. راعية النظام الطائفي في العراق وأساليبها في تدجين ...
- الزمن الجميل: بين السردية التاريخية والتعايش المجتمعي
- قرأة في القانون والفقه الدستوري


المزيد.....




- محتجز على ذمة كفالة قدرها 10 ملايين دولار.. هذا ما فعله رجل ...
- فيديوهات توثق انفجارات في وسط إيران مع تصاعد المواجهة مع إسر ...
- مجلس التعاون الخليجي يدعو مجلس الأمن لإجازة استخدام كل الوسا ...
- من قداس الميرون إلى غسل الأقدام: بداية أول زمن فصح للبابا لي ...
- ترامب يتوعد بالمزيد بعد استهداف أكبر جسر في إيران.. وعراقجي: ...
- روسيا سترسل سفينة ثانية محملة بالنفط إلى كوبا في ظل الحصار ا ...
- السودان: تعيين رئيس جديد لأركان الجيش في أبرز تعديل عسكري من ...
- كم عدد قتلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟
- ترامب: إيران تريد اتفاقا بعد ضربات ساحقة
- مسؤول أميركي يتوقع تدمير مزيد من الجسور الإيرانية


المزيد.....

- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - خطاب ترامب وسياسة أميركا في الشرق الأوسط ، قوة بلا رؤية استراتيجية