|
|
الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 00:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في هذا البلد، لم تعد الأزمة تُقاس بما يُقال في التقارير، بل بما يُخفى وراءها. هناك شيء يتآكل بصمت: القدرة على العيش دون خوف دائم من الغد. لم يعد السؤال: “كم تقترض الأسر؟” بل: لماذا أصبح العيش نفسه مشروع دين؟ التحول الأخطر ليس في ارتفاع الأرقام، بل في تغيّر وظيفة الدين داخل المجتمع. في السابق، كان المال المقترض امتدادا للرغبة: بناء، شراء، تحسين. اليوم، صار امتدادا للضرورة: أكل، دواء، بقاء. وهنا تحديدا ينكسر المعنى. حين ترتفع المديونية بوتيرة أسرع بكثير من الدخل، فذلك لا يعني فقط ضغطا اقتصاديا، بل يعني أن العمل لم يعد يضمن الحياة. أن الجهد لم يعد يكفي. أن العلاقة بين ما يُنتج وما يُعاش قد انفصلت. وهذا الانفصال ليس صدفة، بل نتيجة مسار كامل: اقتصاد يُحرّر الأسعار ويقيّد الأجور، سياسات تُراكم الأرباح في الأعلى وتدفع بالكلفة نحو الأسفل، ودولة تنسحب تدريجيا من دورها، تاركة الأفراد يتدبّرون هشاشتهم وحدهم. في هذه المعادلة، لا يكون الدين حلا… بل يصبح شكلا من أشكال إدارة الأزمة. وسيلة لتأجيل الانفجار، لا لتجنّبه. لكن ما لا يُقال كثيرا هو أن هذا “التأجيل” نفسه مكلف. كل دين يُسحب من المستقبل، كل قسط يُقتطع من حياة لم تأتِ بعد. وهكذا، لا تعيش الأسر في حاضرها فقط، بل تستهلك غدها أيضا. هذه ليست دورة اقتصادية، بل استنزاف زمني للحياة. في المدن، تبدو الصورة مضبوطة ظاهريا. لكن خلف انتظام الدفع، هناك تآكل بطيء: تنازلات يومية، ضغط مستمر، خوف من أي طارئ. أما خارج هذه الدوائر، فالوضع أكثر قسوة: اقتصاد غير رسمي، تمويل بلا حماية، وشروط تُعيد إنتاج الضعف بدل معالجته. وفي الهامش الأوسع، هناك من سقط خارج كل هذا: لا قدرة على الاقتراض، ولا مورد مستقر، فقط إدارة يومية للندرة. ما يجمع كل هذه الحالات ليس الشكل، بل المصير. المديونية هنا لا تُعبّر عن توسّع اقتصادي، بل عن انسداد. عن نظام لم يعد قادرا على تأمين الحد الأدنى دون وساطة الدين. ورغم ذلك، لا يُطرح السؤال الجوهري: من المسؤول عن هذا التحول؟ بدل ذلك، يُعاد تقديم الأزمة كمسألة سلوك فردي: استهلاك زائد، سوء إدارة، “ثقافة دين”. وكأن المشكلة في الناس، لا في الشروط التي تُفرض عليهم. لكن الواقع يكذّب هذا الخطاب. حين يصبح الاقتراض جماعيا، فالمشكلة ليست فردية. وحين يتحول إلى ضرورة، فهو ليس خيارا. المفارقة أن النظام نفسه الذي ينتج الهشاشة، يقدّم الدين كحل لها. ثم يعود ليحمّل الضحية مسؤولية الغرق. هذا ليس اختلالا… بل وظيفة. في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن إصلاح دون قلب المعادلة. ليس عبر مزيد من القروض، بل عبر تقليص الحاجة إليها. ليس عبر “إدماج مالي”، بل عبر ضمان مادي للحياة خارج منطق الدين. المعركة هنا ليست تقنية، بل سياسية بامتياز: من يقرر كيف نعيش؟ ومن يتحمّل كلفة ذلك؟ دون هذا السؤال، سيبقى كل شيء يدور في نفس الحلقة: حياة تُدار بالدين، ومستقبل يُستهلك قبل أن يبدأ.
إذا اعتبرنا ما سبق مدخلا، فإن الغوص الحقيقي يبدأ من تفكيك البنية التي تُنتج هذا الواقع، لا من وصف نتائجه. المسألة، في جوهرها، ليست “أسرا تستهلك أكثر مما تنتج”، بل نظاما يفصل بين الإنتاج وإعادة الإنتاج. العمل في تونس اليوم لا يُعادله أجر يكفل إعادة إنتاج قوة العمل نفسها. أي أن العامل، بعد أن يبيع جهده، لا يسترجع من خلال أجره ما يكفي ليعيش ويُعيد إنتاج قدرته على العمل دون اللجوء إلى وسيط خارجي: الدين. هنا تحديدا يتدخل الائتمان، لا كخدمة، بل كآلية تعويض. إنه الجسر الذي يُخفي هذا التناقض: فجوة بين ما يُنتَج وما يُعاد توزيعه. هذا يعني أن جزءا من كلفة إعادة إنتاج قوة العمل لم يعد يتحمله رأس المال بشكل مباشر (عبر الأجر)، بل يُلقى على كاهل العامل نفسه، ليغطيه بالدَّين. بعبارة أخرى: ما كان يُدفع كأجر، يُعاد تقديمه كقرض. وهذا تحوّل نوعي، لا كمي فقط. لأن رأس المال هنا لا يكتفي باستخلاص فائض القيمة من العمل، بل يُعيد اقتطاعه مرة ثانية عبر الفائدة. العامل يُستغل في موقع الإنتاج، ثم يُستنزف في موقع الاستهلاك. يُدفع له أقل مما يكفيه، ثم يُقرض ليكمل النقص، فيُطالب بإرجاعه مضافا إليه كلفة الزمن. إنها دائرة مغلقة من الاستخلاص المزدوج. لكن هذا المسار لا يعمل في الفراغ. هو مرتبط بتحولات أوسع: هيمنة رأس المال المالي، تراجع الاستثمار المنتج، وانزياح الاقتصاد نحو أنشطة لا تولّد قيمة كافية لتوسيع القاعدة المادية للمجتمع. حين يتضخم القطاع المالي، لا لأنه يمول الإنتاج، بل لأنه يعوض عجزه، يصبح الدين بنية قائمة بذاتها، لا مجرد أداة. وهنا، تتحول العلاقة بين البنك والفرد إلى علاقة سلطة: ضبط، تصنيف، تقييم دائم للجدارة، وتحكم في المستقبل عبر شروط السداد. هذا ليس حيادا تقنيا، بل شكل من أشكال الانضباط الاجتماعي. المديونية، في هذا السياق، تُعيد تشكيل السلوك. تجعل العامل أكثر خضوعا، أكثر خوفا من فقدان الدخل، أقل استعدادا للاحتجاج أو المجازفة. من يحمل قسطا شهريا لا يحتمل التوقف عن العمل، حتى لو كان الأجر مجحفا أو الشروط مهينة. هكذا تتحول الديون إلى أداة ضبط طبقي. ومن جهة أخرى، تُعيد إنتاج التفاوت على نحو مركّب. الفئات التي تملك ضمانات تصل إلى قروض بشروط “أفضل”، فتخفف نسبيا من كلفتها. أما الفئات الهشة، فتُدفع نحو مسارات تمويل أكثر كلفة، وأكثر خطورة، فتدفع أكثر مقابل أقل. أي أن نفس الآلية التي تُقدَّم كحل شامل، تعمّق الفوارق داخل الطبقة الواحدة. أما من هم خارج هذه المنظومة، فهم لا يُستثنون من الاستغلال، بل يُعاد إدماجهم في صيغ أشد هشاشة: عمل غير مهيكل، شبكات دين موازية، أو ارتهان مباشر لعلاقات تبعية شخصية. هنا، يغيب الشكل “الرسمي” للدين، لكن يبقى مضمونه: السيطرة عبر الحاجة. ما يتشكل إذن ليس فقط اقتصاد دين، بل مجتمع دين. حيث الزمن نفسه يُعاد تنظيمه وفق جداول السداد، وحيث المستقبل لا يُبنى، بل يُرهن. في هذا الإطار، لا يمكن فهم صمت الدولة كغياب، بل كتموضع. انسحابها من الحماية ليس فراغا، بل إعادة توزيع للأدوار: تترك السوق تُحدد من يستحق ومن يُقصى، وتكتفي بإدارة التوازنات الكبرى التي تضمن استمرارية هذا النظام. الدين، هنا، ليس خروجا عن القاعدة، بل أحد أعمدتها. وإذا كان لا بد من أفق مختلف، فهو لا يبدأ من تنظيم أفضل للديون، بل من كسر الحاجة البنيوية إليها. أي من إعادة ربط الأجر بالحياة، لا بالسوق فقط، ومن تفكيك موقع رأس المال المالي داخل الاقتصاد، ومن إعادة توجيه الإنتاج نحو تلبية الحاجات لا تعظيم الأرباح. لأن المسألة، في النهاية، ليست كيف نُقرض أكثر، بل كيف نعيش دون أن نُقرض حياتنا نفسها.
إذا تجاوزنا مستوى البنية العامة، فإن ما يفرض نفسه الآن هو تفكيك الأثر العميق لهذه الظاهرة على تركيب المجتمع ذاته، أي كيف يُعاد تشكيل العلاقات، لا فقط توزيع الثروة. ما يحدث اليوم هو إعادة هندسة صامتة للزمن الاجتماعي. لم يعد الزمن يُقاس بدورات العمل والإنتاج، بل بدورات السداد. الشهر لم يعد وحدة عيش، بل وحدة اقتطاع. كل بداية شهر ليست انطلاقا، بل خصما مسبقا من الجهد القادم. بهذا المعنى، يتحول المستقبل من أفق مفتوح إلى مجال مُستنزَف مسبقا. ليس لأن الناس لا يخططون، بل لأن قدرتهم على التخطيط صودرت. القرار الفردي يُفرغ من مضمونه حين يكون الجزء الأكبر من الدخل مرهونا قبل أن يصل. وهنا تظهر مسألة أخرى أقل وضوحا: المديونية لا تُفقِر فقط، بل تُفكّك أيضا. العلاقات داخل الأسرة تتغير. التوتر يصبح بنيويا، لا عرضيا. النقاش حول الحاجات يتحول إلى صراع حول الأولويات: من يُؤجَّل، ومن يُقتطع منه، ومن يُضحّى به. في هذا المناخ، لا تُدار الحياة فقط، بل تُعاد صياغة الروابط نفسها تحت ضغط الندرة. الأمر لا يتوقف عند العائلة. على مستوى أوسع، تتآكل فكرة التضامن. حين يغرق الجميع بدرجات مختلفة، يصبح الإنقاذ المتبادل أكثر صعوبة. كل فرد منشغل بتوازن هش، يخشى انهياره، فينكمش المجال الجماعي. وهذا ليس تفصيلا، بل شرط أساسي لاستمرار المنظومة. لأن أي إمكانية للمقاومة تحتاج حدا أدنى من الاستقرار، ومن القدرة على المخاطرة، ومن الثقة في الآخر. والمديونية، كما تُبنى اليوم، تقوّض هذه الشروط واحدة تلو الأخرى. من زاوية أخرى، تُنتج هذه الوضعية وعيا مشوّها بالأزمة. لا تُرى كمسألة بنيوية، بل كفشل شخصي. يتحوّل العجز إلى إحساس بالذنب، لا إلى وعي بالاستغلال. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائجها: تحويل المسألة الاجتماعية إلى عبء نفسي فردي. هذا التحويل ليس بريئا. هو ما يمنع تشكّل وعي جماعي قادر على تسمية ما يحدث باسمه الحقيقي. وفي نفس الوقت، تتغير طبيعة الصراع. لم يعد الصدام مباشرا بين عمل ورأس مال داخل موقع الإنتاج فقط، بل امتد إلى فضاءات أخرى: إلى السوق، إلى البنك، إلى تفاصيل الحياة اليومية. الصراع لم يعد يُرى كصراع، بل كإدارة يومية لأزمة شخصية. وهنا تحديدا، يُعاد إنتاج الاستقرار الظاهري. ليس لأن التناقضات حُلّت، بل لأنها تفككت إلى آلاف الحالات الفردية، كل منها يُدار في عزلة. لكن هذا التفكك يحمل في داخله تناقضه الخاص. لأن تراكم الاختناق، حتى لو كان صامتا، ليس بلا حدود. وحين يفقد الأفراد قدرتهم على امتصاص الصدمات، لا يعود الانفجار فرديا، بل يستعيد طابعه الجماعي، بشكل قد يكون أكثر حدّة وأقل قابلية للضبط. بهذا المعنى، ما نراه ليس فقط تدهورا، بل إعادة تشكيل لشروط الانفجار نفسه. وفي هذا الأفق، يصبح السؤال الثوري مختلفا: ليس فقط كيف نواجه الاستغلال في موقعه التقليدي، بل كيف نعيد بناء المجال الجماعي الذي تم تفكيكه. كيف نُحوّل التجارب المعزولة إلى وعي مشترك، وكيف نكسر العزلة التي تجعل كل فرد يعتقد أنه وحده في هذا المأزق. لأن الرهان لم يعد اقتصاديا فقط، بل اجتماعيا ووجوديا: إما مجتمع تُدار فيه الحياة كجدول ديون، أو مجتمع يُعاد فيه امتلاك الزمن، والإنتاج، والمصير.
إذا كان التفكيك السابق قد لامس الزمن والعلاقات والوعي، فإن طبقة أعمق ما تزال بحاجة إلى الكشف: البعد السياسي المباشر الذي يُعاد تشكيله عبر هذا النمط من العيش. ما يتكوّن اليوم ليس فقط مجتمعا مُثقلا بالديون، بل ذاتا سياسية مُحاصَرة. الفرد الذي يعيش تحت ضغط الاستحقاقات لا يُسلب فقط من دخله، بل من قدرته على التموقع داخل الفضاء العام. السياسة، في هذا السياق، لا تُقمع بالقوة وحدها، بل تُستنزف عبر الضرورة. حين يصبح الاستقرار الشخصي مهددا في أي لحظة، يتحول الانخراط في الشأن العام إلى مخاطرة غير محسوبة. ليس لأن الناس فقدوا الاهتمام، بل لأن كلفة الاهتمام أصبحت مرتفعة. الإضراب، الاحتجاج، حتى مجرد الرفض… كلها أفعال تتطلب حدا أدنى من الأمان، وهذا الأمان يتآكل. بهذا المعنى، تُنتج المديونية شكلا جديدا من نزع السياسة: لا عبر المنع المباشر، بل عبر تضييق شروط الإمكان. وفي المقابل، يتعزز شكل آخر من الحضور السياسي: السلطة التي لا تُخاطب المواطنين كفاعلين، بل كملفات. يُعاد تعريف الأفراد وفق قدرتهم على السداد، لا وفق حقوقهم. تصنيفات، نقاط، مخاطر… لغة تقنية تُخفي علاقة قوة. هنا، لا يعود السؤال: ماذا يريد المجتمع؟ بل: من يستحق أن يُمنح مهلة إضافية، ومن يجب أن يُضغط عليه أكثر. هذا التحول ينعكس أيضا على طبيعة السياسات العمومية. بدل أن تُبنى على ضمان الحقوق، تُصاغ لإدارة المخاطر. ليس القضاء على الهشاشة، بل احتواؤها. ليس إنهاء التفاوت، بل جعله قابلا للاستمرار. وفي هذا الإطار، تتقدم أدوات دقيقة: إعادة جدولة، تأجيل، تسويات جزئية… كلها لا تُنهي الأزمة، بل تُعيد توزيعها زمنيا، وتمنع تحولها إلى لحظة حاسمة. إنها إدارة دائمة لحالة غير قابلة للحل داخل نفس الشروط. لكن في عمق هذه العملية، يحدث شيء آخر أكثر حسما: إعادة تعريف ما هو “ممكن”. حين يعتاد المجتمع على العيش في حالة ضغط مستمر، ينخفض سقف التوقعات. ما كان يُعتبر حقا، يُعاد تقديمه كامتياز. وما كان يُرفض، يُقبل كأمر واقع. هذا التكيف القسري لا يعني القبول، بل يعكس ضيق الأفق المفروض. غير أن التاريخ لا يتحرك فقط عبر ما هو ظاهر. تحت هذا السطح من التكيّف، تتراكم حدود جديدة. ليس فقط حدود التحمل المادي، بل حدود القبول ذاته. حين تتقلص المسافة بين ما يُطلب من الناس وما يستطيعون تقديمه، تصل المنظومة إلى نقطة حرجة: حيث لا يعود بالإمكان التمديد، ولا التأجيل، ولا إعادة الترتيب. هناك، لا تعود الأدوات القديمة فعّالة. في تلك اللحظة، ينكشف الطابع الحقيقي للصراع: ليس كاختلال تقني في التوازنات، بل كتناقض بين منطقين لا يمكن التوفيق بينهما ، منطق يختزل الحياة في معادلات ربح وخسارة، ومنطق يطالب بها كحق غير قابل للتجزئة. ومن هنا، فإن الأفق لا يُختصر في إصلاح جزئي أو تسوية ظرفية، بل في إعادة طرح السؤال من أساسه: من يملك القرار في تحديد شروط العيش؟
إذا وُضِع هذا المسار ضمن سياقه الأوسع، يتضح أنّ ما يحدث ليس حالة محلية معزولة، بل تموضع خاص داخل أزمة عالمية أعمق للرأسمالية في طورها المالي المتأخر. منذ سنوات، لم يعد النظام العالمي قادرا على تحقيق نمو قائم على توسيع الإنتاج الحقيقي بالوتيرة التي تضمن استقرارا اجتماعيا. الأزمات تتكرر، والربحية في القطاعات المنتِجة تتآكل، فيتحوّل رأس المال نحو مجالات أكثر سيولة: المال، الدين، المضاربة. هناك، لا تُخلق الثروة بقدر ما يُعاد توزيعها عبر آليات معقّدة، يكون الدين أحد أبرز أدواتها. في هذا الإطار، تتشابه المسارات عبر بلدان مختلفة: في المركز، تُستخدم القروض للحفاظ على مستويات استهلاك تفوق القدرة الحقيقية للاقتصاد. وفي الأطراف، مثل تونس، يتحوّل الدين إلى وسيلة لتعويض اختلالات أعمق: ضعف الإنتاج، التبعية، وهشاشة البنية الاقتصادية. لكن هذا “التعويض” ليس متكافئا. لأن البلدان الطرفية لا تملك نفس الأدوات: عملاتها أضعف، قدرتها على الاقتراض محدودة بشروط خارجية، واقتصادها أكثر عرضة للصدمات. وهكذا، ما يُدار في المركز كسياسة نقدية، يُترجم في الأطراف كضغط معيشي مباشر. النتيجة أن الأزمة العالمية لا تُنقل كما هي، بل تُضخَّم. كل ارتفاع في الأسعار عالميا، كل تشدد في شروط التمويل، كل اضطراب في الأسواق… ينعكس محليا بشكل أكثر حدّة، لأن البنية أصلا هشة. في هذا السياق، تتداخل مديونية الأفراد مع مديونية الدولة. الدولة نفسها، الخاضعة لضغوط التمويل الخارجي، تُعيد تمرير الكلفة إلى الداخل: تقليص دعم، ارتفاع أسعار، ضرائب غير مباشرة… فتُدفع الأسر نحو مزيد من الاقتراض لتعويض ما فقدته. بهذا الشكل، يصبح الدين حلقة وصل بين مستويين من الأزمة: عالمي يُنتج الاختلال، ومحلي يُعيد توزيعه اجتماعيا. وليس صدفة أن يتزامن تضخم ديون الأسر مع سياسات تُقدَّم كـ“إصلاحات”. في الواقع، ما يُسمى إصلاحا هو إعادة ترتيب لأولويات الاقتصاد بما يخدم استقرار المنظومة المالية قبل استقرار المجتمع. أي ضمان سداد الديون الكبرى، حتى لو كان الثمن تعميق ديون أصغر داخل المجتمع. هنا، يتضح أن المديونية ليست فقط علاقة بين فرد وبنك، بل امتداد لعلاقات قوة عالمية. الفرد الذي يقترض ليعيش، مرتبط بسلسلة تبدأ من مؤسسات مالية كبرى، تمرّ عبر سياسات دولية، وتنتهي عند تفاصيل يومه. هذا الترابط يُنتج وضعا متناقض: كلما حاول الأفراد النجاة بشكل فردي عبر الدين، ساهموا، دون قصد، في تغذية نفس الآلية التي تعمّق أزمتهم. لكن هذه الدائرة ليست بلا حدود. الأزمة العالمية نفسها تدخل مراحل أكثر حدّة: تباطؤ، تضخم، توترات مالية، إعادة تموضع جيوسياسي… وكل ذلك يضغط أكثر على الأطراف. في لحظة معينة، لا يعود بالإمكان الحفاظ على نفس التوازنات: لا على مستوى الدول، ولا على مستوى الأفراد. تنكشف الحدود الحقيقية للنموذج القائم على التوسع عبر الدين. وهنا، يلتقي المحلي بالعالمي في نقطة واحدة: نفس المنطق الذي يعجز عن تأمين الاستقرار على مستوى النظام، يعجز أيضا عن ضمان العيش على مستوى الأفراد. من هذا المنظور، لا يمكن فصل النضال الاجتماعي داخل تونس عن سياقه الأوسع. لأن ما يُواجه ليس فقط سياسات داخلية، بل موقع داخل منظومة عالمية تُعيد إنتاج التفاوت بشكل مستمر. الأفق، إذن، لا يُختزل في تعديل السياسات، بل في إعادة طرح موقع الاقتصاد نفسه: كيف يُفك الارتباط الجزئي مع دوائر التبعية، كيف يُعاد توجيه الإنتاج نحو الداخل، وكيف تُبنى أشكال تضامن تتجاوز الحدود التي يفرضها النظام الحالي. لأن الأزمة، في جوهرها، لم تعد أزمة توزيع داخل بلد واحد، بل أزمة نظام يستهلك العالم… ثم يطلب منه أن يقترض ليواصل العيش.
و حين نربط المسار الاقتصادي العالمي بما يجري على مستوى الحروب، يتكشّف بعدٌ آخر أكثر حدة: الرأسمالية في أزمتها لا تكتفي بإدارة التناقضات عبر الدين، بل تعيد تصديرها عبر الصراع المفتوح. التاريخ لم يُخفِ هذه القاعدة. منذ الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، لم تكن الحروب الكبرى مجرّد نزاعات سياسية، بل انفجارات لأزمات تراكمت داخل النظام نفسه: فائض إنتاج، اختناق أسواق، صراع على الموارد ومجالات النفوذ. حين تعجز السوق عن امتصاص التناقض، تتدخل القوة. اليوم، تعود نفس الآلية بأشكال جديدة. في قلب النظام، تقف الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، لكنها أيضا من أكثر الدول غرقا في المديونية. هذا التناقض ، قوة مالية هائلة قائمة على دين متضخم ، ليس عرضيا، بل هو جزء من موقعها: هي تصدّر عملتها، تموّل عجزها، وتفرض شروطها على الآخرين. لكن هذا الوضع ليس مستقرا إلى ما لا نهاية. كلما اهتزت الثّقة، أو اشتدّ التنافس، تصبح الحاجة إلى تثبيت الهيمنة أكثر إلحاحا. هنا تحديدا يتقاطع الاقتصادي بالعسكري. الحروب، في هذا السياق، لا تُفهم فقط كصراع جيوسياسي، بل كأداة لإعادة ترتيب النظام: فتح أسواق، السيطرة على الطاقة، فرض مسارات تمويل، وإعادة تدوير رأس المال في الصناعات العسكرية. الإنفاق العسكري الضخم، بدل أن يكون عبئا، يتحول إلى محرّك اقتصادي بديل. إنتاج السلاح، إعادة الإعمار، عقود ضخمة… كلها تمتص جزءا من فائض رأس المال الذي لا يجد منفذا في الاقتصاد “العادي”. لكن هذا الحل يحمل تناقضه: هو يُؤجل الأزمة، لا يُنهيها. في المقابل، تقف إيران داخل هذه المعادلة من موقع مختلف: اقتصاد محاصر، ضغوط مالية، وعزلة نسبية داخل النظام العالمي. لكنها أيضا تمثل نقطة مقاومة لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى المهيمنة. حين يشتد الصراع بين هذين القطبين، لا يكون الأمر فقط مواجهة سياسية، بل تعبيرا عن احتكاك بين نماذج تموضع داخل الأزمة العالمية نفسها. الدين هنا حاضر في الخلفية، لا كرقم فقط، بل كقيد. الدول المثقلة بالمديونية تحتاج إلى تدفقات مستمرة: طاقة، أسواق، نفوذ. وأي تهديد لهذه التدفقات يتحول بسرعة إلى مسألة “أمن قومي”. بهذا المعنى، تتحول مناطق مثل الشرق الأوسط إلى فضاء تصفية حسابات. ليس لأنها فقط غنية بالموارد، بل لأنها عقدة حيوية في شبكة الاقتصاد العالمي: نفط، ممرات، توازنات. وعندما تتداخل هذه العوامل، تصبح الحرب احتمالا قائما، بل أحيانا خيارا “عقلانيا” داخل منطق مختل. لكن ما يجب فهمه هو أن هذه الحروب لا تبقى هناك. كلفتها تُعاد توزيعها عالميا: ارتفاع أسعار، اضطراب سلاسل التوريد، تضخم، وضغط إضافي على الاقتصادات الهشة. وهكذا، يعود الأثر إلى نقطة البداية: الأسر التي تعيش على حافة التوازن، تجد نفسها أمام موجة جديدة من الغلاء والضغط، فتغرق أكثر في الدين. الدائرة تكتمل: أزمة اقتصادية تولّد توترات، توترات تتحول إلى حروب، حروب تعمّق الأزمة، والكلفة تُلقى في النهاية على الشعوب. في هذا الترابط، لا يمكن النظر إلى المديونية كمسألة مالية فقط، ولا إلى الحرب كحدث منفصل. كلاهما وجهان لنفس البنية: نظام يبحث عن الاستمرار، حتى لو كان الثمن تعميم الهشاشة وتوسيع دوائر الصراع. ومن هنا، يصبح الربط بين النضال ضد التفقير والنضال ضد الحرب ليس موقفا أخلاقيا فقط، بل ضرورة مادية. لأن نفس القوى التي تُراكم الدين، هي التي تدير الصراع، ونفس المنطق الذي يستنزف الحياة في الداخل، هو الذي يدفع نحو المواجهة في الخارج. المسألة، في النهاية، ليست فقط من يربح حربا، بل أي نظام يستمر بعدها… وعلى حساب من.
و إذا عدنا إلى تونس في ضوء هذا الترابط العالمي، تتضح الصورة بشكل أكثر قسوة: المديونية هنا ليست مجرد أداة تمويل، بل علاقة تبعية تُعاد عبرها صياغة القرار الوطني نفسه. حين تلجأ الدولة إلى الاقتراض الخارجي بشكل متكرر، فهي لا تستجلب فقط موارد، بل تستورد معها شروطا. هذه الشروط لا تُكتب دائما في بنود تقنية واضحة، لكنها تُترجم عمليا في السياسات: ما الذي يُموَّل؟ ما الذي يُلغى؟ من يُدعَم؟ ومن يُترك؟ وهنا، لا يعود السؤال اقتصاديا فقط، بل سياديا بامتياز. الدين، في هذا السياق، لا يُستخدم لتوسيع القدرة على الفعل، بل يُحوَّل إلى قيد عليه. كل التزام خارجي يخلق هامشا أقل للقرار الداخلي. كل استحقاق سداد يُقدَّم كأولوية، يتراجع أمامه كل ما هو اجتماعي. بهذا المعنى، لا تُدار الميزانية وفق حاجات المجتمع، بل وفق جدول ديون. تُصبح الدولة وسيطا بين دائنيها وشعبها: تجمع من الداخل لتدفع للخارج. وهذا هو جوهر المساس بالسيادة. السيادة لا تُقاس فقط برفع العلم أو اتخاذ مواقف سياسية، بل بالقدرة على تحديد الخيارات الاقتصادية دون إكراه. حين تُفرَض مسارات بعينها ، تقليص إنفاق، رفع دعم، إعادة هيكلة قطاعات ، تحت ضغط التمويل، فإن القرار لم يعد حرا بالكامل، حتى لو بدا كذلك شكليا. في هذه النقطة، يلتقي مساران: مديونية الدولة في الأعلى، ومديونية الأسر في الأسفل. الدولة، تحت ضغط السداد، تنقل العبء إلى الداخل: أسعار ترتفع، خدمات تتقلص، ضرائب غير مباشرة تتوسع. الأسر، التي فقدت جزءا من قدرتها، تلجأ إلى الدين لتعويض النقص. وهكذا، يتحول المجتمع بأكمله إلى طبقات من المديونية المترابطة. ما يبدو كحل في مستوى، يتحول إلى أزمة في مستوى آخر. لكن الأخطر من ذلك هو إعادة توجيه الاقتصاد نفسه. حين يصبح الهدف الضمني هو “الحفاظ على الثقة” لدى المقرضين، تُعاد صياغة الأولويات: القطاعات التي تُدرّ عملة صعبة تُفضَّل، والأنشطة المرتبطة بالحاجات الداخلية تُهمَّش إن لم تكن مربحة في هذا المنطق. بهذا، لا يُنتج الاقتصاد ما يحتاجه المجتمع، بل ما يسمح له بخدمة دينه. هذا انقلاب في الوظيفة. وفي نفس الوقت، تتقلص قدرة الدولة على الاستثمار طويل المدى. لأن جزءا متزايدا من مواردها يُستهلك في خدمة الدين، لا في بناء قاعدة إنتاجية مستقلة. وهكذا، يتعمّق الاعتماد على الخارج، فيُعاد إنتاج الحاجة إلى مزيد من الاقتراض. حلقة مغلقة، لكن على مستوى سيادي هذه المرة. في هذا السياق، لا يمكن فصل النقاش حول المديونية عن مسألة الاستقلال الفعلي. ليس الاستقلال القانوني، بل القدرة المادية على اتخاذ القرار. حين تُربط السياسات العمومية بتوازنات مالية خارجية، وحين يُصبح المجال الاقتصادي مُقيَّدا بشروط لا يضعها المجتمع، فإن السيادة تُفرغ من مضمونها تدريجيا. وهذا ما يجعل المسألة تتجاوز الاقتصاد نحو السياسة والتاريخ. لأن السؤال لم يعد فقط: كيف نقلّص الدين؟ بل: كيف نعيد امتلاك القرار الذي فُقِد عبره؟ الإجابة لا تكمن في إدارة أفضل لنفس المنظومة، بل في إعادة النظر في موقع تونس داخلها: في نمط تمويلها، في أولوياتها الإنتاجية، في علاقتها بالخارج. أي في استرجاع ما تم التنازل عنه بصمت: الحق في أن يُبنى الاقتصاد وفق حاجات الناس، لا وفق إملاءات الدائنين.
و هكذا ، حين نُسمّي الفاعلين، تتضح شبكة القوة التي تُحكم هذا المسار. ليست المديونية علاقة ثنائية بين دولة ومُقرض، بل منظومة مترابطة من مؤسسات وكتل مالية تُعيد إنتاج نفس المنطق بأدوات مختلفة. في مقدمة هذه الشبكة يقف صندوق النقد الدولي. دوره لا يقتصر على الإقراض، بل على رسم الإطار العام: ما يُسمّى “إصلاحات” هو في جوهره إعادة تشكيل للاقتصاد وفق معايير محددة ، توازنات مالية صارمة، تقليص دور الدولة الاجتماعي، وفتح أوسع للأسواق. الصندوق لا يُملي فقط شروطا، بل يحدد ما هو “مقبول” كسياسة. إلى جانبه، يعمل البنك الدولي بمنطق مكمّل: تمويل مشاريع، دعم “حوكمة”، وبرامج تبدو تنموية، لكنها في العمق تُعيد توجيه بنية الاقتصاد نحو نفس المسار ، أولوية الجدوى المالية، لا الحاجة الاجتماعية. ثم يأتي الاتحاد الأوروبي كفاعل قريب جغرافيا، لكنه ليس محايدا. علاقته بتونس ليست فقط شراكة، بل علاقة مصالح: سوق للمنتجات، مجال لضبط الهجرة، وفضاء اقتصادي يُراد له أن يظل مندمجا بشكل تابع. الدعم المالي هنا مشروط ضمنيا بالحفاظ على هذا التموقع. أما البنك الإفريقي للتنمية، فيقدّم نفسه كمؤسسة إقليمية، لكنه يتحرك داخل نفس المنظومة العالمية للتمويل، بنفس الأدوات تقريبا، وإن بلهجة “تنموية” أقرب. ولا يمكن إغفال دور دول الخليج، التي تتدخل عبر قروض أو ودائع أو استثمارات. هذا التمويل لا يأتي دائما بشروط معلنة، لكنه مرتبط بتوازنات سياسية وإقليمية، ويُعيد بدوره توجيه الخيارات، خاصة في لحظات الأزمات الحادة. ما يجمع كل هذه الأطراف ليس تطابقا كاملا في المصالح، بل تقاطعها حول نقطة أساسية: ضمان استقرار منظومة مالية عالمية تُعطي الأولوية للسداد، ولانسياب رأس المال، ولحماية الدائنين. في هذا الإطار، تُدرج تونس داخل شبكة من الالتزامات المتداخلة: قرض من هنا، برنامج من هناك، دعم مشروط من جهة ثالثة… وكل حلقة تضيف قيدًا جديدا، حتى يصبح المجال المتاح للقرار الوطني أضيق فأضيق. الأخطر أن هذه المنظومة تُقدَّم كخيار وحيد. يُقال إن لا بديل، وإن الأسواق تفرض شروطها، وإن “الثقة” يجب الحفاظ عليها بأي ثمن. لكن ما يُخفى هو أن هذه الشروط نفسها تُعيد إنتاج الحاجة الدائمة إليها. كل “إصلاح” يُفترض أن يُقلّص العجز، يخلق اختلالات اجتماعية تدفع نحو مزيد من الاقتراض. كل تمويل يُفترض أن يُنقذ، يُرسّخ التبعية. وهكذا، لا تكون المديونية مجرد نتيجة، بل تصبح آلية دائمة لإعادة إدماج الاقتصاد في نفس المنظومة التي تُنتج أزمته. في هذا المستوى، يتضح أن المسألة ليست تقنية ولا ظرفية. إنها علاقة قوة عالمية، تُترجم محليا عبر سياسات محددة، وتنعكس يوميا على حياة الناس. لذلك، فإن أي حديث عن الخروج من الأزمة دون مواجهة هذه الشبكة سيبقى محدودا. لأن ما يُمسّ هنا ليس فقط التوازنات المالية، بل الحق في تحديد المسار خارج الإملاء. السيادة، في هذا السياق، لا تُستعاد بالشعارات، بل بتفكيك هذه العلاقات، وبناء بدائل تقلّص الحاجة إليها، وتُعيد ربط الاقتصاد بمجتمعه… لا بدائنيه.
و إذا أردنا أن نختم هذا التحليل ، فلا يمكننا الاكتفاء بالتلخيص، بل يجب الغوص في ما تحمله هذه الظواهر من دلالات عميقة على مستوى المجتمع والسياسة والاقتصاد، مع وضع تونس في قلب هذه الصورة المعقدة. المديونية ليست هنا مجرد رقم في الميزانية أو بندا في تقرير البنك المركزي، بل هي حالة وجودية ترتّب الحياة اليومية للمجتمع بأكمله. إنها آلية مُضبوطة لإعادة توزيع الضغوط: كل قرض، كل دين داخلي أو خارجي، يضغط على الأسرة، على الدولة، وعلى القدرة على اتخاذ القرار. وبهذا الشكل، تصبح المديونية أداة لإعادة هندسة المجتمع نفسه، بحيث يتحوّل الإنسان إلى وحدة اقتصادية تحسب بالقدرة على السداد لا بالقدرة على العيش الكريم. في تونس اليوم، لا يُقاس الاستقرار الاجتماعي بمدى كفاية الدخل أو جودة الخدمات، بل بقدرة كل فرد على مواجهة الديون المتراكمة، على أن يظل الاقتصاد الوطني قادرا على سداد التزاماته الخارجية. هذه العلاقة بين الداخل والخارج ليست عابرة أو وقتية، بل صارت قاعدة مستمرة تحدد الأولويات، وتفرغ السياسات العمومية من مضمونها، بحيث تصبح إدارة الضغط المالي أهم من تلبية الحاجات الاجتماعية. وعندما نضع هذا الواقع في سياق الاقتصاد العالمي، يظهر البُعد الأبعد: الأزمة لا تُنتج محليا فحسب، بل هي جزء من دورة عالمية مستمرة. الدول الكبرى المثقلة بالديون، مثل الولايات المتحدة وإيران، تولّد ضغوطا وتوترات اقتصادية وسياسية تتسرب إلى كل الأطراف. الحروب والصراعات ليست مجرد نزاعات جيوسياسية، بل أدوات لتفريغ التناقضات المتراكمة، وإعادة ترتيب الأسواق والموارد، وضمان استمرار تدفق رأس المال. وكل ذلك، في النهاية، يلقى بثقله على الشعوب التي تعيش على الهامش، كما هو الحال في تونس، حيث تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة يومية ملموسة في حياة الناس، وتجعل السيادة الوطنية مجرد إطار شكلي بلا مضمون فعلي. وهنا يظهر التناقض الأكبر: في اللحظة التي يُنظر فيها إلى التمويل الدولي كخلاص من الأزمة، تتحوّل نفسه هذه الآليات إلى قيود مستمرة، تحدد الخطوط العريضة للاقتصاد الوطني، وتفرغ الدولة من قدرتها على التخطيط الحر، وتجعل السياسة الحقيقية قضية ثانوية أمام الأولويات المالية المهيمنة من الخارج. وهكذا، يصبح ما يُسمّى بالسيادة مجرد شعار، في حين تُدار الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفق ما تفرضه مصالح الدائنين والمؤسسات الدولية. هذا لا يعني أن البديل مجرد رفض القروض، بل يعني إعادة التفكير الجذري في آليات التمويل، وفي علاقة الدولة بمجتمعها، وفي الطريقة التي يُدار بها الاقتصاد. البديل الحقيقي يتطلب إعادة بناء شبكة إنتاجية متكاملة، تضمن استقلال القرار، وتخلق مساحة للتخطيط الاجتماعي والاقتصادي بعيدا عن الإملاءات الخارجية، بحيث لا يكون مستقبل الناس رهينة سداد القروض أو تذبذب الأسواق العالمية. خاتمة هذا التحليل إذن لا يمكن أن تكون قصيرة أو سطحية، لأنها تتعلق بكل شيء: بالحرية الفردية، بالكرامة الجماعية، بالقدرة على اتخاذ القرار، وبالسيادة التي تُراد لها أن تكون فعلا وليس مجرد عنوان. المديونية اليوم هي آلية تحكم العلاقة بين الداخل والخارج، بين المواطن والدولة، بين الدولة والنظام العالمي. والفهم الثوري لهذه الحقيقة يتطلب الاعتراف بأن أي محاولة لمعالجة الظاهرة دون مواجهة أبعادها البنيوية ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ستكون مجرد ترقيع، ولن تغيّر شيئا من الواقع الذي يعيشه الناس يوميا. في النهاية، يكمن التحدي في أن تُعاد صياغة مفهوم الاقتصاد والقرار الوطني، بحيث تصبح الدولة أداة لتمكين المجتمع لا لعقله في حلقة دائمة من الاقتراض والسداد، وتصبح السيادة ليست شعورا أو شعارا، بل قدرة حقيقية على إدارة الموارد، وحماية المواطن، وإعادة بناء مجتمع قادر على مواجهة التحديات المحلية والعالمية دون أن يُسلب قراره أو يُستنزف في خدمة مصالح الآخرين. هذا، وحده، هو الطريق للخروج من حلقة الديون المتراكمة، ولتحويل الأزمة من مأساة يومية إلى فرصة لإعادة الاعتبار للاقتصاد الوطني، وللحق في العيش الكريم، وللسيادة التي تُمارس فعليا، لا بشكل شكلي، في كل قرار يُتخذ على أرض تونس.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
-
حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
-
أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
-
الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب
...
-
في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو
...
-
الطبيعة الطبقية للديمقراطية
-
عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال
...
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
-
الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل
...
-
جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
-
اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء
...
-
من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
-
السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو
...
-
الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ
...
-
الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا
...
-
الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم
...
-
من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
المزيد.....
-
-أتيلييه حكايات-.. قصص وذكريات سعودية تتحوّل إلى أزياء معاصر
...
-
سبائك ذهب وأعمال فنية وهيكل ديناصور.. داخل الخزنة فائقة السر
...
-
الجيش الإيراني يرد على خطاب ترامب وتهديده بإعادة إيران إلى -
...
-
شاهد: صاروخ ناسا أرتيميس 2 ينطلق في مهمة تاريخية إلى القمر
-
ترامب يُبدد آمال الهدنة: الضربات القادمة -شديدة للغاية-.. و-
...
-
-أرتيميس 2-.. انطلاق أول رحلة بشرية نحو القمر منذ نصف قرن
-
-اليونيفيل- - نهاية مأساوية لمهمة حفظ السلام الأممية في لبنا
...
-
منصات التواصل.. عالم رقمي يرهق التوازن النفسي للطلاب
-
بريطانيا تنظم اجتماعا افتراضيا مع ممثلي ثلاثين دولة بشأن أمن
...
-
خبراء: خطاب ترمب الحربي لم يأت بجديد وهو مأزوم في الداخل
المزيد.....
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|