سعيد ماروك
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 20:14
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
نتاليا ميلنتييفا
ترجمة وإعداد: سعيد ماروك
* تجارب على الطبيعة البشرية و"مزارع تفريخ الأطفال "
في سعينا إلى العثور على المفتاح الذي يفسّر أرخبيل إبستين، سنحاول أن نتجنب الأطر التآمرية الصريحة، معتمدين أساسًا على التحليل الفلسفي.
كان إبستين متلاعبًا بالغ التعقيد والإحكام: منحرفًا وساديًا صدم العالم بأفعالٍ من الشرّ الفجّ المروّع، وبحريةٍ لا تُتصوَّر في تجاوز المحظورات الأخلاقية وحدود الإنساني. وقد أكّد نشر الوثائق القضائية في قضية غيسلين ماكسويل Ghislaine Maxwell الحضور الفعّال، داخل دائرته، لمئات الشخصيات من الصف الأول في المؤسسة السياسية العالمية: رؤساء سابقين وحاليين، ورؤساء وزراء، وأعضاء مجلس شيوخ، ونواب برلمانيين، وممثلين. وتضمّ قوائم إبستين أسماء أفراد من عائلات ملكية، وعلماء بارزين، ومروّجين مشهورين للعلم. كما توفّر سجلات الرحلات للطائرة الخاصة المعروفة باسم "لوليتا إكسبرس" دليلًا على أن الشخصيات النافذة التي كانت تزور الجزيرة بانتظام كانت على دراية كاملة بالطابع الفاحش والمنحط لما كان يجري هناك. ومن الواضح أن إبستين كان يمسك بخيوط عددٍ من البُنى داخل الأنظمة السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا. لقد اخترقت شبكته الأوساط الأكاديمية نفسها، فأفسدت الحقيقة ذاتها.
إن التهم الرسمية الموجهة ضد إبستين بتهمة الاتجار بالجنس، والتي استخدم في إطارها نظامه فتيات وفتيان وأطفال قاصرين في خدمة جنسية لسياسيين وأمراء ومليارديرات، ليست سوى غيض من فيض. تحتوي الملفات على شهادات تشير إلى مشاركة إبستين التنظيمية والمالية في مبادرات خاصة بالتحول البشري، وفي تطوير مختبرات سرية في مجال الطب التجديدي باستخدام خلايا مأخوذة من أنسجة حديثي الولادة، فضلاً عن أبحاث محظورة في مجال استنساخ البشر وتكوين أطفال مُعدّلين وراثيًا. وقد عُثر على مراسلات بين إبستين وبريان بيشوب Bryan Bishop ، أحد مطوري عملة البيتكوين، وهو مخترق بيولوجي، ويصف نفسه بأنه "عالم مجنون"، بشأن مختبرات سرية في أوكرانيا حيث كان يتم اختبار حيوانات منوية بشرية معدلة وإجراء تجارب ذات صلة. في رسائل إلى بيشوب، ذكر إبستين نفسه أنه كان يحتفظ بما يصل إلى عشرين امرأة حامل في مزرعته "زورو" في وقت واحد، وتحدث عن خطة تمويل مدتها خمس سنوات، تصل إلى 9.5 مليون دولار، لمشروع إنشاء إنسان معدل وراثيًا ومستنسخ، بهدف تجاوز التجارب على مستوى المرآب وتحقيق أول ولادة حية لطفل اصطناعي.
تُشير التقارير إلى أنه أجبر فتيات صغيرات ليس فقط على العيش معه، بل أيضاً على إنجاب الأطفال، واضعاً إياهن في ما يُشبه الحريم، حيث كان يرى نفسه سلطاناً وسيداً للفتيات القاصرات. ووفقاً لشهادات الشهود ومراسلات البريد الإلكتروني، كان يُنشئ ما يُشبه "مزارع تربية الأطفال" أو "مختبرات الاستنساخ" (كما وُصفت هذه الأماكن في الرسائل) في مزرعته في نيو مكسيكو، حيث كان يُجبر محظياته القاصرات على إنجاب الأطفال، ثم يأخذ هؤلاء الأطفال بعيداً، بزعم إجراء المزيد من التجارب المخبرية. وقالت الفتيات اللواتي تجرأن على الحديث عن هذه التجارب الوحشية إن إبستين، المُنغمس في الداروينية ونظرية التطور، كان مُستلهماً من أفكار علم الوراثة التجريبي، وتحسين النسل، واستنباط أنواع جديدة، والاستنساخ، والهندسة الانتقائية للبشر. ومن المعروف أن إبستين كان يتحدث في حفلاته عن بشر خارقين من أنابيب الاختبار. وقد رافقت كل هذه الأنشطة والمراسلات إجراءات صارمة من السرية والتكتم وعدم الكشف عن الهوية فيما يتعلق بالتجارب الإجرامية: وكان من المفترض أن يضمن استحالة تحديد هوية آباء الأطفال الرضع سلامة رعاة التجارب غير القانونية.
* العنف الطقوسي والبحث عن الأسس الميتافيزيقية
لكن ممارسة الجنس مع القاصرين، والمثلية الجنسية، والتحرش بالأطفال لم تكن أسوأ ما جرى في مختبرات وصالونات أرخبيل إبستين. فبفضل أنظمة المراقبة التي سجلت كل تحركات الضيوف، أصبحت جزيرة ليتل سانت جيمس Little Saint James ومزرعة زورو، بالإضافة إلى قصور إبستين وشققه ويخوته وطائراته، مواقع للعنف والتعذيب. لم يُستخدم الخوف والألم لإشباع الغرائز الدنيئة للضيوف من النخبة فحسب، بل كأدوات لكسر الضحايا نفسيًا. في مراسلات إبستين مع ممثلي النخبة العالمية، استُخدمت رموز محددة للدلالة على الأفعال المحرمة، مما أتاح مناقشة الجرائم جهارًا نهارًا: استُخدمت كلمات رمزية لإخفاء فظائع بشعة تحت ستار أدوات منزلية وأطعمة عادية. على سبيل المثال، يُزعم أن كلمات مثل "بيتزا" و"هوت دوغ" و"كولا العنب" و"آيس كريم" و"لحم مجفف" استُخدمت للدلالة على انحرافات جنسية معينة ورغبات شاذة شارك فيها أعضاء مختارون من النخبة النافذة، فضلاً عن استخدامها لترميز عمر وجنس الضحايا والميول الجنسية الخاصة بالزبائن. أما الرموز الهندسية - المثلثات واللوالب المتخفية في هيئة شعارات منظمات أو علامات تجارية للأطفال - فكانت بمثابة علامات للتعرف على "أفراد هذه النخبة"، بالإضافة إلى كونها مؤشرات على أماكن إقامة حفلات المجون.
وفقًا لوثائق من تحقيقات مستقلة وشهادات ضحايا ناجين، اتسم النشاط على الجزيرة بطابع طقوسي، حيث أصبحت حفلات المجون والاستعباد الجنسي وسيلةً للانضمام إلى نادي "المنبوذين"“untouchables.”. وأشارت مبانٍ غير مألوفة تُشبه المعابد، وغرف تحت الأرض، وممرات سرية، وقاعات مغطاة بالرموز، إلى أن طقوسًا مستوحاة من طوائف مظلمة كانت تُمارس هناك. يشير استخدام الرموز الخفية وصور البومة إلى وجود صلات بين الجزيرة و"بوهيميان غروف" “Bohemian Grove” وغيرها من الجمعيات السرية. واليوم، يطرح الباحثون الذين يدرسون مجموعة الملفات فرضيات مفادها أن ضيوف إبستين ربما شاركوا في إعادة تمثيل طقوس عبادة مولوخ القديمة Moloch cult rituals ، والتي تضمنت التعذيب والقتل والتضحيات واستهلاك دماء ولحوم الأطفال. وتزعم الروايات الأكثر تطرفًا أن دم الطفل البريء غير الملوث، تحت التعذيب، يُنتج هرمونًا خاصًا للخوف يُسمى "الأدرينوكروم"“adrenochrome,” ، والذي يمنح الشباب وطول العمر لمن يستهلكه، وأن هذا ما كان يبحث عنه ضيوف الأرخبيل ذوو الشعر الرمادي.
تبدو كل هذه القصص كلوحة بانورامية لأعمال لا إنسانية تتجاوز حدود الجنون، أو كسلسلة من التجارب الأنثروبولوجية المعقدة التي نفذها مجرمون على نطاق شبه كوني. ولكن لفهم مغزى هذه الصورة المشؤومة التي تتكشف أمام أعيننا، يجب أن نتجاوز ظاهر الأحداث ونتعمق أكثر، خلف الستار. ثم، خلف واجهة الانحطاط البشري الفردي، والانحراف، والثقة الصارخة في الإفلات من العقاب التي يُظهرها الأقوياء، يبرز مستوى ثانٍ، يُشير إلى أننا نتعامل مع شيء أكبر وأخطر بكثير، شيء يتطلب تحليلًا فلسفيًا شاملًا ومتطورًا يتناول مواضيع مثل الإنسان، والسلطة، والزمن، والموت، والرغبة، والعنف، والعلم، والتكنولوجيا.
اقترح الفيلسوف أفلوطين أن على المرء أن يبحث ويفهم العالم من خلال "إغماض عينيه" عن الجانب الظاهر للأحداث، ليتمكن من الغوص بعقله في معانيها الخفية. ما هي الأسس والأفكار والبرامج والأهداف التي تقف وراء نشاط إبستين المنحرف المتواصل؟
...(ينبع)
#سعيد_ماروك (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟