أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى














المزيد.....

“دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 12:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial
رحلتِ عصفورةُ الشعر. غادرت أرض المِحَن والحروب، وطارت لتستقرّ في سماء السلام التي لا تعرفُ أصواتَ الرصاص ودموع المتألمين. غادرت دنيانا الشاعرةُ الفلسطينة اللبنانية "دوريس خوري" بعدما غرست في حديقة الشعر بذورًا أصيلةً أشرقت زهورًا وسنابل قمح وقصائدَ عصية على الذبول والموات.
كان آخرُ لقاء بيننا قبل سنوات في ندوةٍ "المنتدى العربيّ الأوروبيّ للسّينما والمسرح" برئاسة المخرج اليمني "حميد عقبي"، وإدارة الأديب السوري "صبري يوسف"، شارك فيها أدباءُ وشعراءُ ونّقّادٌ، من بينهم الجميلة "دوريس خوري" للاحتفاء بديواني الأخير “شرفتي محطّ العصافير”. لم أعرف أنه اللقاء الأخير وإلا لقلتُ لها أمهلينا برهةً حتى تضعُ الحروبُ أوزارها لكي نودّعك كما يليقُ بحروفك المضيئة التي تنثرُ النورُ في قلوبنا، فتطيبُ من أوجاعها.
ثمّة أصواتٌ شعرية لا تطرقُ بابك، بل تتسلّل إليك كما يتسلّل الضوءُ من شقٍّ خفيّ في جدار الروح. هكذا كانت تجربة "دوريس”. قصيدتُها لا تُقرأ، بل تُعاش، كأنها نداءٌ داخليٌّ يأتي من أعماق روحك. في شعرها، لن نجد زخارفَ بلاغية ولا حيلا لغوية تتباهى بنفسها. بل سيواجهُنا شيءٌ أخطرُ: العُريّ. عُريّ الوجع حين يُكتب بلا أقنعة ولا تجميل. فالقصيدة عندها غرفةُ اعتراف، تُضاء بمصباحٍ خافت، وتترك القلبَ يقول ما يخشاه في العلن. تكتب "دوريس خوري" كما لو أنها تمشي على حافّة الهاوية، ليس لأن السقوط من حالق مُغوٍ كما السير فوق السحاب، بل لأن الحقيقة لا تُرى ناصعةً إلا من تلك الحافّة العلوية. في فضاء الشِّعر، ثمة توترٌ دائم بين الرغبة في البوح والخوف منه، بين الحاجة إلى النجاة والولع بالاحتراق. هذا التوترُ هو ما يمنح القصيدة تلك الرجفة الخاصة، التي تشبه ارتجافَ يد تكتب اسمًا تحبّه للمرة الأولى.
اللغةُ عند "دوريس" ليست أداة للبوح، بل كائنٌ حيّ، يُصاب ويُشفى، يُحبّ ويُخذل، يتوقُ ويحزن. لهذا لا تأتي الكلمات في قصيدتها مُصطفّة في نظامٍ هندسيّ، بل متكسّرة حينًا، متلعثمة حينًا، كأنها تخرج من فم الوجع مباشرة. وهذا ما يجعل نصّها أقرب إلى النبض لا البيان، وإلى الصمت لا فائض القول.
"دعيني أشمُّ رائحةَ زعترِ بلادي ونباتاتِهِ الجَبلِيَّةِ! هل جبالُ بلادي مازالتْ شامِخةً تُعانِقُ الرِّيحَ؟ هلَ مازالَ ترابُ بلادي يُدثِّرُ الأهلَ والأحبابَ؟ والحجارةَ والصُّخورَ أمازلت تتعانَقُ خوْفاً مِنَ الفِرَاقِ؟"
قصيدتُها فعلُ مقاومة. مقاومة للنسيان، للزيف، للفقد. تكتب لتستعيد ذاتها من الضياع، لتقول: “أنا هُنا”، حتى لو كان هذا “الهُنا” هشًّا، مؤقتًا، مهددًا بالانهيار. ومع هذا، ثمّة حسٌّ أنثويٌّ رفيع يتسرّب في نصوصها، لا بوصفه شعارًا أو قضية، بل كعلاقة الجسد بالعالم. الأنثى في شعرها ليست موضوعًا، بل ذاتٌ ناطقة، تتألم، ترغب، تخاف، وتُعيد تعريف نفسها خارج القوالب الجاهزة. تكتب أنوثتها كما تعيشها: مُركّبة، متناقضة، وغامضة أحيانًا، وحقيقية دائمًا. ولعلّ أكثر ما يميّز عالم "دوريس خوري" هو تلك العلاقة المُلتبسة مع الذات. الذاتُ عندها ليست مركزًا ثابتًا، بل كيانًا متشظّيًا، يتبدّل من قصيدة إلى أخرى، ومن سطر إلى سطر. الذات التي تكتبها ليست “أنا” مكتملة، بل “أنا” في طور التشكل، في طور السؤال الدائم: مَن أنا حين أكتب؟ ومَن أكون حين أصمت؟ ولهذا، لا يمكن قراءة قصائدها على نحو سريع عابر. فنصوصها لا تُسلّم نفسها من الوهلة الأولى، بل تُقاوم القارئ، تختبر صبره، وتدعوه إلى أن يُبطئ، أن يُصغي، أن يخلع يقينه عند العتبة. فهي كتابة تُربّي قارئها بقدر ما تُربكُه. تبدو تجربتها كهمسةٍ عنيدة، لا تُنافس على العلوّ، بل على العمق. همسة تعرف أن ما يُقال وشوشةً قد يكون أكثر بقاءً مما يُقال بالصراخ. تكتب لا لتُدهش، بل لتنجو. ولا لتُثبت شيئًا، بل لتبحث. وفي هذا البحث تحديدًا، تكمن شعريتها: في الطريق، لا في الوصول. في عالم "دوريس خوري"، لا تُقال الأشياء مباشرةً، لكنها لا تُخفى أيضًا. ثمة منطقةٌ رمادية بين البوح والكتمان، تسكنها قصائدُها. وكأنها تكتب على تخوم الاعتراف: تقترب بما يكفي لتؤلم، وتبتعد بما يكفي لتظلّ قابلة للتأويل. وهذا التوازن الدقيق بين الاقتراب والانسحاب هو ما يمنح نصّها تلك الهالة المراوغة، التي تجعل القارئ متورطًا في الكتابة، لا مُتلقيًا لها. ولا يمكن إغفال ذلك الحزن النبيل الذي يتسرّب في نصوصها، دون أن يتحوّل إلى شكوى أو نواح. إنه الحزنُ المُهذّب الذي لا يستجدي التعاطف. هنا تكمن قوة "دوريس خوري”. في قدرتها على تحويل الألم إلى معرفة، والتجربة الشخصية إلى أفقٍ إنساني أوسع. تكتب لأن الصمت لم يعد يكفي. والكلام، رغم عجزه، يظلّ المحاولة الوحيدة للنجاة. وفي هذه المسافة بين العجز والمحاولة، بين الصمت والبوح، تولد قصيدتها… وتبقى.


***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة


المزيد.....




- -لا مكان للإسلاموفوبيا-.. مدرب إسبانيا يدين الهتافات المعادي ...
- المرشد الأعلى بإيران يخاطب حزب الله برسالة منسوبة له
- حرس الثورة بمناسبة يوم الجمهورية الإسلامية: نضال الشعب الإير ...
- حصاد آذار في القدس.. إعدامات ميدانية وحصار مشدد يطوق المسجد ...
- بطريركية اللاتين بالقدس: طالبنا الاحتلال بفتح المسجد الأقصى ...
- مدرب إسبانيا يدين الهتافات المعادية للإسلام ولامين جمال في ق ...
- هآرتس: ليس كل المسيحيين سواء في إسرائيل نتنياهو
- إغلاق المسجد الأقصى بهدف إعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزي ...
- بعد تصريحه -الرب لا يستجيب لمن يخوضون الحروب-.. ماذا قال باب ...
- رسالة من قائد الثورة الاسلامية إلى الأمين العام لحزب الله... ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى