|
|
ديفيد نورث في برلين: جريمة الحرب على إيران وأصول الإمبريالية الأمريكية
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 08:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة (عن الإنجليزية) وتحليل د. زياد الزبيدي
1 نيسان/أبريل 2026
في 24 آذار مارس 2026، وقف الكاتب والسياسي الأمريكي ديفيد نورث، رئيس تحرير موقع الإشتراكية العالمية (WSWS)، أمام جمهور جامعة هومبولت في برلين Humboldt-Universität zu Berlin ليلقي محاضرة تُعدّ من أبرز التحليلات السياسية التي صدرت في الأسابيع الأولى للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. كان العالم لا يزال يصحو من صدمة الهجوم المفاجئ الذي شنّته واشنطن وتل أبيب في 28 فبراير دون إعلان حرب رسمي، ودون تفويض من الكونغرس أو قرار من مجلس الأمن. يقدم نورث في محاضرته سرداً تاريخياً عميقاً وتحليلاً طبقياً حاداً، يربط بين اللحظة الراهنة وبين قرن من الصراع الإمبريالي على النفط والسيطرة الجيوسياسية، محذراً من أن العالم ينزلق مرة أخرى نحو كارثة عالمية تشبه آب أغسطس 1914 عشية الحرب العالمية الأولى.
يبدأ نورث بوصف دقيق ومروّع للأيام الأولى من الحرب: «خلال أيام قليلة أسقطت الولايات المتحدة قنابل تزن 5000 رطل على مواقع الصواريخ الإيرانية على طول مضيق هرمز. غواصة أمريكية أغرقت الفرقاطة الإيرانية دينا في المحيط الهندي، وهي سفينة عائدة من مناورة بحرية دولية كانت خالية من الذخيرة، مما أسفر عن مقتل ثمانين بحاراً». ويتابع: «حتى لحظة هذه المحاضرة، تجاوز عدد القتلى في إيران 1500 شخص، بينهم 160 على الأقل في ضربة صاروخية أمريكية على مدرسة بنات. تضرر أكثر من 4000 مبنى مدني». يصف نورث الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز – الذي يمر عبره خُمس النفط العالمي – وإرتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل، وتعليق الشحن الدولي، وترك عشرين ألف بحار عالقين في الخليج. ثم يضع السؤال المركزي: «هل هذه حرب دفاعية أم عدوانية؟».
يجيب نورث بلا تردد بإستحضار مبادئ محكمة نورمبرغ التي أقامها الروس والامريكان لمحاكمة قادة المانيا النازية. وهنا يستشهد بكلمات المدعي العام الأمريكي في المحكمة العسكرية الدولية، القاضي روبرت جاكسون: «أي لجوء إلى الحرب – إلى أي نوع من الحرب – هو لجوء إلى وسائل تُعدّ في جوهرها إجرامية. الحرب الدفاعية الصادقة قانونية بالطبع، لكن الأعمال الإجرامية في جوهرها لا يمكن الدفاع عنها بإظهار أن من إرتكبوها كانوا يخوضون حرباً، عندما تكون الحرب نفسها غير قانونية». ويؤكد نورث أن الحرب على إيران تندرج تماماً تحت هذا التعريف: «لم تهاجم إيران الولايات المتحدة، ولم تشكل تهديداً وشيكاً، بل كانت في طريقها للتوصل إلى إتفاق نووي تاريخي». يصف الرئيس ترامب بطلبه «الإستسلام غير المشروط» وتهديده بضرب المنشآت النووية والشبكة الكهربائية، ويخلص إلى أن «هذه حرب عدوانية، وجريمة ضد السلام».
لكن نورث لا يكتفي بالوصف القانوني. يفكك السرد المهيمن الذي يسيطر على الإعلام والنقاش العام، سواء على اليمين أو اليسار: السرد الذي يختصر الحرب في «نفوذ إسرائيل واللوبي الصهيوني». ينقل تصريحات تاكر كارلسون: «هذا حدث لأن إسرائيل أرادته. هذه حرب إسرائيل. ليست حرب الولايات المتحدة»،
وكذلك الكولونيل دوغلاس ماكغريغور الذي قال إن «نتنياهو هو من وضع ترامب في البيت الأبيض». ويلاحظ أن شخصيات يسارية مثل جيفري ساكس وماكس بلومنتال وكريس هيدجز تتبنى الرواية نفسها، ولو بدرجات متفاوتة من التعقيد.
هنا يأتي قلب التحليل الذي يقدمه نورث بقوة إستثنائية. يعترف بوجود اللوبي الإسرائيلي ويؤكد أن الدولة الإسرائيلية تتحمل «مسؤولية هائلة» عن الكارثة، لكنه يرفض بشدة أن تكون هذه الرواية «الوحيدة أو حتى الأساسية». يقول: «هذا التفسير يؤدي – سواء أراد أصحابه ذلك أم لا – إلى تبرئة الإمبريالية الأمريكية». ويضيف أنه يحوّل السياسة الخارجية إلى «مسألة نظافة: إزالة الملوث الأجنبي من جسم سياسي سليم أصلاً». يرى نورث أن هذا السرد يتجاهل «الدور الطويل والمدمر للإمبريالية البريطانية ثم الألمانية ثم الأمريكية في إضطهاد إيران-فارس»، ويُبعد النفط – «الأساس المادي للصراع كله» – عن الصورة، كما يقطع الصلة بين هذه الحرب والإستعدادات الأمريكية لمواجهة روسيا والصين.
يُعيد نورث بناء الرواية التاريخية من جذورها. يعود إلى الحرب العالمية الثانية، حيث إحتلت بريطانيا والسوفيات إيران عام 1941، ثم ينتقل إلى مؤتمر طهران 1943 الذي جمع روزفلت وتشرشل وستالين. يذكر أن أول مواجهة كبرى في الحرب الباردة وقعت في إيران عام 1946، عندما أجبرت الولايات المتحدة الإتحاد السوفياتي على الإنسحاب. ثم يصل إلى النقطة المحورية: إنقلاب 19 آب أغسطس 1953 الذي نفذته الـCIA والمخابرات البريطانية ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق لأنه «قام بتأميم صناعة النفط الإيرانية». يصف نورث كيف أعيد تنصيب الشاه كحاكم مطلق، وكيف أُنشئت السافاك بمساعدة الـCIA والموساد، وكيف شاركت شركات نفط أمريكية في تقاسم الغنائم. «لم تكن المسألة إرهاباً أو أسلحة نووية أو حقوق إنسان أو إسرائيل»، يؤكد نورث، «بل من يسيطر على نفط الخليج، وعلى أي شروط».
يتابع نورث سرداً مفصلاً لعقود الشاه كـ«شرطي الخليج» لأمريكا، ثم يصل إلى الثورة الإيرانية 1979 التي يصفها بأنها «أحد أكبر الهزائم الإستراتيجية التي منيت بها الإمبريالية الأمريكية في عصر ما بعد الحرب». منذ ذلك الحين، يقول، «لم تقبل الولايات المتحدة بنتيجة الثورة أبداً». يرصد سياسة مستمرة: دعم العراق في حرب الثماني سنوات، تدمير البحرية الإيرانية، إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية عام 1988، عقوبات شاملة، إغتيال سليماني، وأخيراً الحرب المفتوحة 2026. يستشهد بوثائق الأمن القومي الأمريكية المتتالية التي تصنف إيران «عدواً مباشراً» وتؤكد أن «إمدادات الطاقة في الخليج لا يجب أن تقع في أيدي عدو صريح».
في ختام محاضرته، ينتقل نورث من التحليل التاريخي إلى الإستنتاج السياسي. يرى أن حروب أوكرانيا وغزة وفنزويلا وإيران ليست صراعات منفصلة، بل «جبهات لحرب عالمية واحدة تشنها الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها لإعادة تنظيم العالم تحت سيطرتها المهيمنة». يستحضر لينين وروزا لوكسمبورغ وتروتسكي، ويختم بفقرة من البرنامج الإنتقالي للأممية الرابعة عام 1938: «كل حديث عن أن الظروف التاريخية لم تنضج بعد للإشتراكية هو نتاج جهل أو خداع واعٍ. الشروط الموضوعية للثورة البروليتارية لم تنضج فحسب؛ بل بدأت تتعفن. بدون ثورة إشتراكية، في الفترة التاريخية القادمة، تهدد كارثة كل ثقافة البشرية».
محاضرة ديفيد نورث ليست مجرد تعليق على حدث راهن؛ إنها إعادة قراءة جذرية لتاريخ القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين من منظور طبقي. بأسلوب هادئ ومُدقق، يُعيد نورث الحرب على إيران إلى جذورها المادية – النفط، السيطرة الجيوسياسية، أزمة الرأسمالية الأمريكية – ويحذر من أن «الطبقة العاملة والبشرية جمعاء تواجهان وضعاً وصفه تروتسكي نبوياً: الطبقة الحاكمة تنزلق الآن بعيون مغمضة نحو كارثة إقتصادية وعسكرية». في زمن يغلب فيه السرد العاطفي والقومي، يقدم نورث تحليلاً بارداً وعميقاً يدعو إلى التفكير خارج إطار الدول القومية والزعامات الفردية، ويضع مهمة بناء قيادة ثورية دولية في قلب الصراع ضد الحرب.
هكذا إنتهت محاضرة برلين. والعالم، كما قال نورث، لم يعد كما كان قبل 28 فبراير 2026.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين - الولايات المتحدة على شفير الهزيمة (برنامج إي
...
-
ألكسندر دوغين - ما بعد الحداثة العالمية (برنامج إيسكالاتسيا
...
-
باب المندب: كيف يمكن لمضيق صغير أن يشعل أزمة طاقة عالمية؟
-
إيران عند مفترق تاريخي: كيف تُعاد صياغة النظام الدولي
-
ألكسندر دوغين - محاور الحرب العالمية الثالثة تتضح يوماً بعد
...
-
ال فورين أفيرز - أميركا وإيران: حين تتحول القوة إلى مأزق
-
ألكسندر دوغين - جيوبوليتيكا الحرب العالمية الثالثة
-
إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل: إستراتيجية الصمود
...
-
من صفحات التاريخ..... يوري أفونين: «الإتحاد السوفياتي قائم ق
...
-
للفشل… جائزة إسرائيلية! ترامب يُحدد موعد نهاية حربه ضد إيران
...
-
هل إنتهت حماس فعلًا؟ - قراءة في عودتها الصامتة في غزة
-
حرب بلا إسم: كيف تهرب موسكو من الحقيقة؟
-
هل لإسرائيل حق في الوجود… بينما لا تولد فلسطين؟
-
ديمونا وما بعدها: إختبار الردع وحدود القوة في مواجهة إيران
-
من صدمة النفط إلى ولادة البترودولار: كيف أُعيد تشكيل الإقتصا
...
-
حرب تتجاوز الجغرافيا: قراءة تحليلية في أطروحة “خطة ينون” كما
...
-
حروب المضائق في النظام الدولي الجديد: بين نص القانون ومنطق ا
...
-
ألكسندر دوغين - الترسانة السوفياتية في مواجهة الغرب
-
ما بعد لاريجاني: هل أُغلقت نافذة التسوية بين واشنطن وطهران؟
-
إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران
المزيد.....
-
رغم الضغوط الأمريكية.. روسيا تتدخل لدعم كوبا بناقلة نفط
-
مسؤول إماراتي يؤكد ضرورة التزام جهود إعادة فتح مضيق هرمز بال
...
-
ترامب: أدرس -بجدية- الانسحاب من الناتو.. ماذا قال عن موعد نه
...
-
شماعة الماضي” وهدر الحاضر: هل تكفي المبررات الواهمة لإخفاء إ
...
-
مليارات الدعم… حين تتحول السياسة الاجتماعية لحكومة اخنوش إلى
...
-
حكومة أخنوش حولت برامج الدعم إلى بؤرة جديدة للريع لتسمين الل
...
-
ثلاثة أمريكيين وكندي يتأهبون للانطلاق إلى مدار القمر من مركز
...
-
معدن الكادميوم.. كيف تسلل إلى موائدنا؟
-
روبلوكس تستعين بالذكاء الاصطناعي لمراقبة المحتوى وتحظر آلاف
...
-
الطيران المدني الدولي يدين هجمات إيران على المنطقة
المزيد.....
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|